مخلّد ، فهنيئا للمصطلين ، وطوبى للمستدفئين ، أليس أن عبادة النيران في بلاد الفرس نشأت عن البرد كما قال ابن صاره (١٣٤) في المعنى :
|
أحلّ لنا ترك الصيام بأرضكم |
|
وشرب الحميّا وهو شيء محرّم |
|
فرارا إلى نار الجحيم فإنّها |
|
أرقّ علينا من شلير وأرحم |
|
لئن يك ربي مدخلي في جهنّم |
|
ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم |
أثر المناخ في حياة البشر
ثم إنه لا يخفى أنّ أهل البلاد الحارّة يكونون أذكى ذهنا ، وأسرع فهما من أهل البلاد الباردة ، إلا أنّهم لا يكون لهم جلد على الأعمال الشّاقّة لغلبة الترهل عليهم ، ولا عظم همّة لمباشرة المساعي الخطيرة ، ولا يمكن أن يلحقوا أهل البلاد الباردة في العزّ والغنى ، إلا أن يكون لبعض البلاد مزيّة خاصة بوجود المعادن وغيرها كبلاد الهند مثلا. أمّا سكان البلاد الباردة فيتحمّلون مشاقّ الأعمال ، ويستطيعون إدمان السعي ويعمّرون أكثر ؛ ولهذا كان جلّ الفاتحين والغازين من الشمال ، وكأن جزيرة العرب مستثناة من هذا الحكم ، إلا أنّ أيّامهم في الشتاء تكون قصيرة جدّا ؛ فيضطرون إلى العمل ليلا. وربّما كنبت (١٣٥) أيديهم من شدّة البرد.
وفي كتاب منسوب إلى أرسطو : أن أهل البلاد الحارّة يعمّرون أكثر من أهل البلاد
__________________
(١٣٤) الأبيات السابقة لابن صارة وهو أبو محمد عبد الله بن صارة ، توفي سنة ٥٠٧ بمدينة المرية بالأندلس والأبيات يصف فيها البرد في جبل شلير الذي يقال له جبل الثلج في الأندلس أو جبل البيرة ، وهو يرى من أكثر بلاد الأندلس ، كما يرى من عدوة البحر ببلاد المغرب. (م).
(١٣٥) كنبت : ثخنت ، وغلظ جلدها. (م).
