لكن بيت المتنبي سالم من الضرورات. وقلت أنا من قصيدة طويلة :
|
ما إن يحيل حؤول في هوائهم |
|
هوى نفوسهم عن مذهب الخير |
إشارة إلى أنّ تقلّب الهواء عندهم لا يغيّر طباعهم عن فعل الخير ، والخير بالكسر الكرم والشرف والأصل والهيئة.
شكواهم من البرد
وفي الحقيقة فإنّه عند شدّة البرد هنا لا يفكر الإنسان إلا في الاصطلاء ، ولا تزال تسمع من كلّ من تلقاه لفظة البرد ، وإذا تفوه بها فرك يديه وتأفّف ليدلّ على صدق ما يقول ولا سيّما النساء ، حتى إنّهم ربّما قالوا ذلك في يوم لا برد فيه ، فكأن ألسنتهم مرنت على ذلك. وكثيرا ما تقرأ ذلك أيضا في كتبهم ، ويسمّون المرأة «رفيقة الموقد» والإضافة بتقدير عند. وقد جرت العادة عندهم بأنه لا يحرّك النار إلا من كان من أهل البيت ، أو من طالت ألفته بهم.
ألفتهم للنار
وفي الجملة فإن النار أليفهم مدة ثمانية أشهر في السنة ، وبهذا تعلم أنهم لا يرون في وصف الجنة نعيما لأن الإنسان إذا كان مقرورا لا يشتهي أن يسمع بذكر المياه والظلال والأشجار ، بل كانوا يقولون : تلك الجنة نيرانها مضطرمة ، ومواقدها محتدمة (١٣٢) ، وحضبها معتّد (١٣٣) ، وحطبها منضّد ، وفحمها مؤبّد ، ومسعرها
__________________
(١٣٢) محتدمة : ملتهبة. (م).
(١٣٣) خضب النار : ألقى عليها الحطب لتتّقد ، ومعتّد : مهيّأ. (م).
