يقول ـ ويشير بإصبعه إلى معاوية ـ (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) [الأنبياء : ١١١] فاشتد على معاوية ذلك ، فقالوا له : دعوته فاستنطقته ـ يعني استفهمته ـ ما عني بالآية؟ فقال : مهلا ، فأبوا عليه ودعوه ، فأجابهم فأقبل عليه عمرو بن العاص ، فقال له الحسن «أما أنت : فقد اختلف فيك رجل من قريش وجزار أهل المدينة ، فادعياك ، فلا أدري أيهما أبوك؟» وأقبل عليه أبو الأعور السلمي ، فقال له الحسن «ألم يلعن رسول الله صلىاللهعليهوسلم رعلا ، وذكوان ، وعمرو بن سفيان؟ يعني اسم أبي الأعور ، ثم أقبل عليه معاوية يعينهما ، فقال له الحسن ، «أما علمت أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لعن قائد الأحزاب وسائقهم ، وكان أحدهما أبو سفيان والآخر أبو عمرو؟» رضياللهعنهم أجمعين ، ثم أن الحسن رجع بآل بيته من الكوفة ونزل المدينة ، ومن مآثره : أنه حج خمسة عشر حجة ، قيل : أكثرها ماشيا من المدينة إلى مكة ، وإن نجائبه لتقاد معه ، وذكره مسلم فيمن سكن الكوفة ، وكان سيدا حليما ، ذا سكينة ووقار وحشمة ، كارها للفتن والسيف ، جوادا ممدحا كريما ، بحيث كان يجيز الواحد بمائة ألف درهم ، تزوج سبعين امرأة ، وقلما كان يفارقه أربع ضرائر ، ولما قال أبوه رضياللهعنه «يا أهل الكوفة ، لا تزوجوا الحسن ، فإنه رجل مطلاق» قال له رجل : والله لنزوجنه ، فما رضي أمسك ، وما كره طلق ، وعن ابن سيرين : أنه تزوج امرأة ، فبعث إليها بمائة جارية ، مع كل جارية ألف درهم ، وقال ابن الزبير : وروينا ـ من أوجه ـ أنه لما احتضر قال لأخيه الحسين «يا أخي ، إن أباك استشرف لهذا الأمر ، فصرفه الله عنه ، ووليه أبو بكر رضياللهعنه ، ثم استشرف له ، فصرف عنه إلى عمر ، ثم لم يشك وقت الشورى أنه لا يعدوه ، فصرف عنه إلى عثمان ، فلما قتل عثمان ، بويع ، ثم نزع ، حتى جرد السيف ، فما صفت له ، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة ، فلا أعرفن بما استخفك سفهاء الكوفة ، فأخرجوك ، وقد كنت طلبت إلى عائشة رضياللهعنها : أن أدفن مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقالت : نعم ، فإذا مت فاطلب ذلك إليها ، وما أظن القوم إلا سيمنعونك ، فإن فعلوا فلا تراجعهم» ، فلما مات أتى الحسين عائشة رضياللهعنها ، فقالت : نعم وكرامة ، فمنعهم مروان ، فلبس الحسين ومن معه السلاح ، حتى رده أبو هريرة ، فآل الأمر إلى دفنه بالبقيع إلى جانب أمه ، وقال ابن حبان في ثقاته : إنه قال لأخيه «إذا أنا مت فاحفر لي مع أبي ، وإلا ففي بيت علي وفاطمة رضياللهعنهما ـ وإلا ففي البقيع ، ولا ترفعه في ذلك صوتا» ، فلما مات أمر الحسين بالحفر له في بيت علي وفاطمة ـ رضياللهعنهما ـ فبلغ ذلك بني أمية ، فأقبلوا وعليهم السلاح ، وقالوا : والله لا تتخذ القبور مساجد ، فنادى الحسين في بني هاشم ، فأقبلوا بالسلاح ، ثم ذكر قول أخيه «لا ترفعن في ذلك صوتا فحفر له في البقيع» ، وقال محمد بن إبراهيم التيمي : إنه لما مات الحسن ـ رضياللهعنه وأرضاه ـ بعث سعيد بن العاص بريدا يخبر معاوية ، وبعث مروان أيضا بريدا : أن الحسن أوصى أن يدفن مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وأن
![التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة [ ج ١ ] التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2247_altuhfat-allatifah-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
