تأخير ففعل العبد ذلك ، وقدر له رزقا ، ووقته عنده بوقت معلوم ، إن العبد يسيء إلى ربه بأن يتهمه فيما وعده ، فيقول : يا ترى يجيئني شيء في هذه السنة أم لا؟ وإن جاء فهل يجيء كاملا ، أو ينقطع بعضه؟ ومن هذه الأشياء ـ التي هي إلى الشرك أقرب ـ أليس هذا من قلة الأدب؟ فعلمت أنه انما أرادني بهذا الكلام ، فاستغفرت الله ورجعت ، فنلت بذلك خيرا كثيرا ، إلى غير هذه من الكرامات التي يطول ذكرها ، ولما كان في سنة سبع وثلاثين قدمت قافلة مكة ، ومعهم القاضي شهاب الدين ، ومطلقة أخيه ووالداه ، فطلع بها الشهاب ـ صاحب الترجمة ـ إلى الأمير ودي بن جماز صاحب المدينة ، وكلمه في شأن زوجته وأولاده ، وأخذ خطه بأن يعقد لهم مجلس شرعي ، وكان ذلك في أول نهار الأربعاء ، خامس المحرم منها ، فلم يلبث أن مرض في آخر النهار ، واستمر حتى مات بعد عصر يوم الأحد سادس عشرة ، ودفن بعد المغرب في البقيع بالقرب من الإمام مالك مما يلي الطريق ، رحمهالله ، وقال ابن صالح : الشيخ شهاب الدين النويري ، أبو قاضي مكة ، ويكنى أبا الفضل ، جاور بمكة ، وصاهر قاضيها النجم ، فزوجه ابنته ، واولدها الذكور والإناث ، ثم انتقل إلى المدينة ، فتزوج بها خديجة ابنة العفيف بن مزروع ، ومات معها ، ودفن بالبقيع تجاه قبة إمامه مالك ، وكان كثير الذكر والعبادة ، على طريق الصالحين ، وذكره شيخنا في الدرر ملخصا لترجمته مما تقدم ، وسبقهم المنذري ، فقال في التكملة إنه تفقه مالكيا ، وصحب جماعة من الصالحين وانتفع به جماعة ، وكان موصوفا بالصلاح والخير والإيثار ، محبا للفقراء ، مكرما لهم ، ينقطع إلى ما يقضي براحتهم ، مبالغا في ذلك ، وفي تاريخ الشهاب أحمد بن عبد الوهاب النويري ، مما رواه عن أبيه عن جده ، وكان خادما للشهيد الناطق ، الرضي أبي القاسم ، جد أبي صاحب الترجمة : إن رجلين ادعيا عنده في بقرة ، وكان مع أحدهما محضر تملكها ، فيه شهود ، فأدوا فيه عنده ، فسأله من بيده المحضر الحكم به ، وتسليم البقرة إليه ، فقال له : كيف أسلمها لك؟ وهي تقول إنها لخصمك ، وتخبر أن المحضر زور ، فاعترف بذلك ، وأظهر التوبة وسلمها لخصمه ، ولما اتصلت هذه الحكاية بقاضي الديار المصرية ، العماد عبد الرحمن بن السكري عزله عن نيابته ، وكتب إليه أنه كان ينبغي لك أن تعمل في القضية بظاهر الشرع ، وتسلم البقرة لمن أثبتها ، فلما بلغه ذلك ، قال لمن حضره : اشهدوا على أنني قد عزلته وذريته من بعده ، فكان كذلك.
٢٠٢ ـ أحمد بن عبد العزيز : ـ الشهاب ـ الهلالي ، المدني ، السقاء ، والد المسند الشهير سليمان ، وصفه الرضي أبو حامد المطري بالشيخ المقدسي ، وقال ابن فرحون : كان من قدماء المجاورين ، وذوي العقل والرأي ، وأول ما دخل المدينة ، كان يتسبب بسقي الماء من العين ، ثم أغناه الله ، فعاش بعقله بين الناس ، ورأس ، حتى وزيرا للأشراف ، وكان
![التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة [ ج ١ ] التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2247_altuhfat-allatifah-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
