أنه لا تنسج به العنكبوت ولا تدخله ، ولا تلم به الطير المعروفة بالخطاف. انتدب لبنائه الوليد بن عبد الملك ، رحمه الله ، ووجه إلى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره بإشخاص اثني عشر ألفا من الصناع من بلاده ، وتقدم إليه بالوعيد في ذلك إن توقف عنه. فامتثل أمره مذعنا بعد مراسلة جرت بينهما في ذلك مما هو مذكور في كتب التاريخ. فشرع في بنائه ، وبلغت الغايات في التأنق فيه ، وأنزلت جدره كلها بفصوص من الذهب المعروف بالفسيفساء ، وخلطت بها أنواع من الأصبغة الغربية ، قد مثلت أشجارا ، وفرعت أغصانا منظومة بالفصوص ، ببدائع من الصنعة الأنيقة المعجزة وصف كل واصف ، فجاء يغشي العيون وميضا وبصيصا. وكان مبلغ النفقة فيه ، حسبما ذكره ابن المعلى الأسدي في جزء وضعه في ذكر بنائه ، مائة صندوق ، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار ومائتا ألف دينار ، فكان مبلغ الجميع أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار (١).
والوليد هذا الذي أخذ نصف الكنيسة الباقية منه في أيدي النصارى وأدخلها فيه ، لأنه كان قسمين : قسما للمسلمين وهو الشرقي ، وقسما للنصارى وهو الغربي ، لأن أبا عبيدة بن الجراح ، رضي الله عنه ، دخل البلد من الجهة الغربية ، فانتهى إلى نصف الكنيسة ، وقد وقع الصلح بينه وبين النصارى ، ودخل خالد بن الوليد ، رضي الله عنه ، عنوة من الجانب الشرقي وانتهى إلى النصف الثاني وهو الشرقي ، فاجتازه المسلمون وصيروه مسجدا ، وبقي النصف المصالح عليه وهو الغربي كنيسة بأيدي النصارى ، إلى أن عوضهم منه الوليد ، فأبوا ذلك ، فانتزعه منهم قهرا وطلع لهدمه بنفسه ، وكانوا يزعمون أن الذي يهدم كنيستهم يجن ، فبادر الوليد وقال : أنا أول من يجن في الله ، وبدأ الهدم بيده ، فبادر المسلمون وأكملوا هدمه. واستعدوا عمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، أيام خلافته وأخرجوا العهد الذي بأيديهم من الصحابة ، رضي الله عنهم ، في إبقائه عليهم ، فهمّ بصرفه إليهم ، فأشفق المسلمون من ذلك ثم عوضهم منه بمال عظيم أرضاهم به ، فقبلوه.
__________________
(١) هذا الرقم وارد في أعلام الزر كلي أيضا ، وهو غير دقيق. ولعل الصحيح : في كل صندوق اثنا عشر ألفا ومائة ألف. لأن حاصل ضرب ١٠٠* ٢٢٨٠٠٠ يضاعف المبلغ.
