وسرنا في بساتين متصلة لا يوصف حسنها ، ووصلنا دمشق في الضحى الأعلى من يوم الخميس الرابع والعشرين لربيع الأول والخامس ليوليه ، والحمد لله رب العالمين.
شهر ربيع الآخر ... استهل هلاله يوم الأربعاء بموافقة الحادي عشر ليوليه ، ونحن بدمشق ، نازلين فيها بدار الحديث غربي جامعها المكرم.
ذكر مدينة دمشق
حرسها الله تعالى
جنة المشرق ومطلع حسنه المؤنق المشرق ، وهي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها ، وعروس المدن التي اجتليناها ، قد تحلت بأزاهير الرياحين ، وتجلت في حلل سندسية من البساتين ، وحلت من موضوع الحسن بالمكان المكين ، وتزينت في منصتها أجمل تزيين ، وتشرفت بأن آوى الله تعالى المسيح وأمه ، صلى الله عليهما ، منها ربوة ذات قرار ومعين. ظل ظليل ، وماء سلسبيل ، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل ، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل ، تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل ، وتناديهم : هلموا إلى معرّس للحسن ومقيل. قد سئمت أرضها كثرة الماء حتى اشتاقت إلى الظماء ، فتكاد تناديك بها الصم الصلاب : اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب. قد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر ، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر ، وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر ، فكل موضع لحظته بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد النظر ، ولله صدق القائلين عنها : إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها ، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها.
ذكر جامعها المكرم عمره الله تعالى
هو من أشهر جوامع الإسلام حسنا ، وإتقان بناء ، وغرابة صنعة ، واحتفال تنميق وتزيين. وشهرته المتعارفة في ذلك تغني عن استغراق الوصف فيه. ومن عجيب شأنه
