قال أبو حيان : فإن قلت : كيف أدخل سيبويه هذا في المصدر المؤكد لما قبله ، وليس كذلك ؛ لأنك إذا فرضته مؤكدا فإنما يكون مؤكدا لما بعده؟ قلت : إنما هو جواب لمن قال : أنا لا أفعل كذا ، وأنا أفعل كذا ، فبلا شك أن المتكلم يحمل كلامه على الجد ، فهو مجد فيما يقوله ، فإذا قلت : أتجد ذلك جدا ، فهو مؤكد لما قبله.
وجوز سيبويه رفع هذا النوع كله ، أي : المصدر المؤكد بجملة على تقدير الابتداء ويكون لازما الإضمار كالفعل ، فصنع الله مثلا على إضمار (هو) ، أو (ذلك) ، وله علي ألف اعترافا كذلك ، وجوز المبرد رفع باقي الخبر المكرر والمحصور فيقال : زيد سير سير ، وإنما أنت سير.
ومن المواضع التي يجب فيها حذف عامل المصدر ما وقع مشبها به مشعرا بحدوث بعد جملة حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ ، ولا صلاحية للعمل فيه كقولك : مررت به فإذا له صوت صوت حمار ، وله صراخ صراخ الثكلى ، وقوله :
٧٥٣ ـ له صريف صريف القعو بالمسد
واحترزنا بقولنا : «مشعرا بحدوث» عما لا يشعر به نحو : له ذكاء ذكاء الحكماء ، فلا يجوز نصبه ؛ لأن نصب صوت وشبهه إنما يكون لكون ما قبله بمنزلة يفعل مسندا إلى فاعل ؛ إذا التقدير في (وله صوت) وهو يصوت ، فاستقام نصب ما بعده ؛ لاستقامة تقدير الفعل في موضعه ، وذلك لا يمكن في (له ذكاء) فلم يستقم النصب.
وبقولنا : «بعد جملة» عما بعد مفرد نحو : صوته صوت حمار فلا يجوز نصبه ، وبقولنا : «مشتملة ... إلخ» عن نحو : فيها صوت صوت حمار ، وعليه نوح نوح الحمام ، فالنصب في ذلك ضعيف ؛ لأنه لم يشتمل على صاحب الصوت ، فلم يمكن تقديره ب : (يصوت) فوجه النصب على ضعفه أن الصوت يدل على المصوت.
وبقولنا : «ولا صلاحية للعمل» عما يصلح للعمل في المصدر نحو : هو مصوت صوت حمار ، فإن صوت حمار هنا ينتصب (بمصوت) لا بمضمر.
ثم إذا اجتمعت الشروط فإن كان معرفة تعين فيه ما ذكر من النصب على المصدرية
__________________
٧٥٣ ـ البيت من البسيط ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص ١٦ ، وجمهرة اللغة ص ٥٧٨ ، ٧٤١ ، ٩٤٤ ، وشرح أبيات سيبويه ١ / ٣١ ، وشرح الأشموني ٢ / ٥٠٧ ، والكتاب ١ / ٣٥٥ ، واللسان مادة (صرف ، قذف ، بزل ، قعا) ، وبلا نسبة في اللسان مادة (دخس) ، ومجالس ثعلب ص ٣٢٠ ، انظر المعجم المفصل ١ / ٢٥٨.
![همع الهوامع [ ج ٢ ] همع الهوامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2159_hamo-alhavamia-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
