كذلك نزل القرآن كله على قلب الرسول في تلك الليلة ، ثم نزل بصورة تدريجيّة طيلة ثلاث وعشرين عاما ، لتأخذ موقعها من النفوس ، وليكون كتاب تغيير يبني الرسول به أمة وحضارة ، ومستقبلا مشرقا للانسانية.
وكذلك قال ربنا سبحانه : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (١).
ومعروف أن القرآن تنزل بصورته المعهودة في أيام السنة جميعا ، فله إذا نزلة أخرى جملة واحدة.
والسؤال : لماذا سميت هذه الليلة بليلة القدر؟
يبدو أن أهم ما في هذه الليلة المباركة تقدير شؤون الخلائق ، وقد استنبط اللفظ منه ، فهي ليلة الأقدار المقدرة ، كما قال ربنا : «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ».
وقال بعضهم : بل لأنها ليلة جليلة القدر ، قد أنزل الله فيها كتابا قديرا ، ولان الذي يحييها يكون عند الله ذا قدر عظيم.
(٢) من ذا الذي يستطيع أن يدرك أبعاد تلك الليلة التي باركها الله لخلقه بالوحي ، وجعلها زمانا لتقدير شؤون العالمين ، من ذا الذي يدرك عظمة الوحي ، وجلال الملائكة ، ومعاني السلام الالهي. إنها ليست فوق الإدراك بصورة مطلقة ، ولكنها فوق استيعاب الإنسان لجميع أبعادها ، وعلى الإنسان ألّا يتصور أنه قد بلغ علم ليلة القدر بمجرد معرفة بعض أبعادها ، بل يسعى ويسعى حتى يبلغ المزيد من معانيها ، وكلما تقدم في معرفتها كلما استطاع الحصول على مغانم أكبر منها.
(وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ)
__________________
(١) البقرة / ١٨٥
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
