رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه. أشيء قضى عليهم ومضى ، من قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلون به مما آتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال : «لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم ، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (١).
ويبدو لي أن هناك خلطا فظيعا حدث عند البعض بين الايمان بالقضاء والقدر ، وبين الأخذ بنظرية الجبر اليهودية التي زعموا فيها : أن يد الله مغلولة ، وأن الله لا يقدر على تغيير شيء مما قدّر سبحانه ، وأن العباد مكرهون على ما يفعلون ، وأن الله يجازيهم بغير صنع منهم في أفعالهم أو مشيئته.
ومنشأ هذا الخلط تطرف بعض المؤمنين ضد نظرية التفويض للقدرية التي زعمت أن الله ترك عباده لشأنهم ، دون أن يأمر أو ينهى أو يقدّر شيئا.
والنظرية القاصدة هي الوسطى التي فاتت الكثير من المفسرين ، وهي التي تصرح بها آيات الله ، والتي هي لب الشريعة وخلاصة الرسالات الالهية وهي : أن الله قضى وقدّر ، وكان مما قضى حرية الإنسان في حدود مشيئته ، ومسئوليتهم عن أفعالهم ، وأنه سبحانه هو الذي منح العبادة قدرة المشيئة ، كما أعطاهم سائر القدرات ليفتنهم فيها ، وبيّن لهم الخير والشر وألهمهم الفجور والتقوى.
والرسول ـ صلّى الله عليه واله ـ بيّن ذلك ، ولكن الناس فسّروا كلام الرسول بالخطإ كما فسروا القرآن كذلك ، فالرواية السابقة ـ مثلا ـ لا تخطأ القرآن في مدلولها ، إذ أن الرسول بين أن الله قد قضى عليهم ما ألهمهم من الفجور والتقوى ، فإن فجروا فبإذنه (لا بأمره ولا بفعله) وإن اتقوا فبإذن وبأمره (لا بفعله).
__________________
(١) أنظر القرطبي ج ٢٠ ص ٧٦.
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
