بالعرفانية في علاقة الخالق بالمخلوق ، فبينما ترى هذه وحدة الوجود وإمكانية الحلول ، تعالى الله عمّا يصفون ، تفصل النظرية الإسلامية بين الإثنين ، وترى أنّ الخالق غير المخلوق ، وأنّه لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يصل الإنسان إلى مقام الربوبية ، مهما بلغ من الفضل والعلم والإيمان ، بل المجال مفتوح أمام البشر للتكامل في معارج القرب من ربّه ، أفقا أفقا ، ودرجة درجة ، دون أن ينتهي ذلك أبدا ، لأنّ «الله خلو من خلقه ، وخلقه خلو منه» (١).
إنّ القرآن يقرّ رحلة المعراج ودنوّ النبي (ص) من ربّه ، ولكنّه يعتبره دنوّا معنويّا لا ماديّا ، ويقول بأنّه (صلّى الله عليه وآله) تدلّى في علوّه ، كما الدلو حينما يتأرجح في البئر فلا هو إلى قعره حيث الماء ، ولا هو إلى أعلاه حيث الأرض ، إنّما بين الإثنين ، وهكذا سمى الرسول الأكرم (ص) حتى ارتفع عن سائر الخلق بقر به من الله ، ولكنّه لم يصل إلى مقام الربوبية ، فهو فوق الخلق ودون الخالق ، وفي الخبر عن ثابت بن دينار قال : سألت زين العابدين عليّ بن الحسين (عليهما السلام) عن الله عزّ وجلّ جلاله هل يوصف بمكان؟ فقال : «تعالى الله عن ذلك» ، قلت : فلم أسرى بنبيّه محمّد (ص) إلى السماء؟ قال : «ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه» ، قلت : فقول الله : «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى» قال : «ذاك رسول الله (ص) دنا من حجب النور ، فرأى ملكوت السماوات ، ثمّ تدلّى فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض» (٢).
وفي حديث آخر عن يونس بن عبد الرحمن قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (ع) : لأيّ علّة عرج بنبيّه إلى السماء ومنها إلى سدرة المنتهى ، ومنها إلى حجب النور وخاطبه وناجاه هناك ، والله لا يوصف بمكان؟ فقال (ع) : «إنّ الله لا
__________________
(١) التوحيد ـ للصدوق / ص ١٤٣
(٢) بحار الأنوار / ج ٨ / ص ٣٤٧
![من هدى القرآن [ ج ١٤ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2143_min-hodi-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
