فمقتضى هذا الوجه أن «إذ» مبتدأ ، ولا نعلم بذلك قائلا ، ثم تنظيره بالمثال غير مناسب ، لأن الكلام في «إذ» لا في «إذا» ، وكان حقه أن يقول : «إذ كان» ، لأنهم يقدرون في هذا المثال ونحوه «إذ» تارة و «إذا» أخرى ، بحسب المعنى المراد ؛ ثم ظاهره أن المثال يتكلّم به هكذا. والمشهور أن حذف الخبر في ذلك واجب ، وكذلك المشهور أن «إذا» المقدّرة في المثال في موضع نصب ، ولكن جوّز عبد القاهر كونها في موضع رفع ، تمسّكا بقول بعضهم:
______________________________________________________
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً) ، وفيه وجهان أن يراد لقد من الله المؤمنين منه أو بعثه إذ بعث فيهم ، فحذف لقيام الدلالة ، أو تكون إذ في محل الرفع كإذا في قولك : أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما ، بمعنى : لقد من الله على المؤمنين وقت بعثه ، هذه عبارته بحروفها ، وعلى الثاني فلا حذف وإنما الحذف على الأول ، وهو جعل إذ ظرفية فحذف المبتدأ ، وهو منه أو بعثه والظرف متعلق به وقد من الله خبره ، والدال على المحذوف هو الخبر إن قدر منه والظرف إن قدر بعثه ، واعترض المصنف الوجه الثاني بقوله : (فمقتضى هذا التوجيه أن إذ مبتدأ ولا نعلم بذلك قائلا) ، وأقول : إذا كان الجمهور يجوّزون خروجها عن الظرفية عند إضافتها ، وغيرهم عند الإتيان بها مفعولا به ، أو بدلا منه صدق حينئذ أنها ظرف متصرف ، فلا يمتنع جعلها مبتدأ ولا يحتاج فيه إلى سماع خاص من العرب ، (ثم تنظيره بالمثال) ، وهو قولك : أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما (غير مناسب ؛ لأن الكلام في إذ لا في إذا وكان حقه) بالنصب على أنه خبر كان نحو : (ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) [الجاثية : ٢٥] ، واسم كان هو قوله : (أن يقول : إذ كان ؛ لأنهم يقدرون في هذا المثال ، ونحوه إذ تارة وإذا أخرى بحسب المعنى المراد) ولكنه عدل عن ذلك ؛ ليفيد أن كلا من إذ وإذا يستعمل اسما غير ظرف (ثم ظاهره أن المثال يتكلم به كذا) على الصورة التي تلفظ بها ، وهي أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما ، (والمشهور أن حذف الخبر في ذلك واجب) فإنما يقال : أخطب ما يكون الأمير قائما ، ويظهر لي أن في كلام الزمخشري إشارة إلى أن العرب لا تنطق به هكذا ، أو ذلك ؛ لأنه قال : في قولك ولم يقل في قولهم ، فأشار إلى أن هذا هو التقدير الذي ينطق به عند إرادة التفسير ، أي : في قولك عند القصد إلى إبراز ما يقدر في هذا المثال ، وقد يشعر قول المصنف والمشهور بأن ثم قولا غير مشهور بأن حذف هذا الخبر جائز لا واجب ، والظاهر أن وجوب الحذف في مثله عار عن الخلاف ، اللهم إلا أن يكون مراده بالمشهور ما اشتهر من استعمال العرب ، وعرف من كلامهم لا المشهور الذي يشير به المصنفون إلى وجود قول آخر غير مشهور ، (وكذلك المشهور أن إذا المقدرة في المثال في موضع نصب ، ولكن جوّز عبد القاهر) الجرجاني (كونها في موضع رفع تمسكا بقول بعضهم)
![شرح الدماميني على المغني اللبيب [ ج ١ ] شرح الدماميني على المغني اللبيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2087_sharh-aldamamini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
