وهذا المعنى هو المشار إليه في آية البقرة السابقة فتأمّلها.
وقد تأتي لغير تفصيل أصلا ، نحو : «أمّا زيد فمنطلق».
______________________________________________________
الأول ، قال التفتازاني : أما أولا فلأنه لو أريد بيان حظ الراسخين مقابلا لحظ الزائغين لكان المناسب أن يقال : وأما الراسخون فيقولون.
وأما ثانيا فلأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم.
وأما ثالثا فلأنه حينئذ لا ينحصر الكلام في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر العبارة ، حيث لم يقل ومنه متشابهات ؛ لأن ما لا يكون متضح المعنى وتهتدي العلماء إلى تأويله ورده إلى المحكم ، مثل (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (٢٣) [القيامة : ٢٣] لا يكون محكما ولا متشابها بالمعنى الذي ذكرتم وهو كثير جدا.
وأما رابعا فلأن المحكم حينئذ لا يكون أما للكتاب بمعنى رجوع المتشابه إليه ؛ إذ لا رجوع إليه فيما استأثر الله تعالى به كعدد الزبانية ونحوه ، وقد يرجح الثاني بأن أما للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم على الراسخين ، ليتحقق التفصيل غاية الأمر أنه حذف كلمة أما والفاء من اللفظ ، وبأن الآية من قبيل الجمع والتفريق والتقسيم ، فالجمع في قوله : (أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) [آل عمران : ٧] ، والتقسيم في قوله تعالى : (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) [آل عمران : ٧] ، والتفريق في قوله : (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) فلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم وهو مضمون قوله : (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [النساء : ١٦٢] إلى قوله : أولوا الألباب [النساء : ١٦٢] ، والجواب أن كون أما للتفصيل أكثري لا كلي ، ولو سلم فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم ، ثم لو سلم كون الآية من الجمع والتفريق والتقسيم فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال ، أعني : يقولون إلخ كاف في ذلك.
والحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على إلا الله ، وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل والمؤوّل فالحق العطف. إلى هنا كلامه.
(وهذا المعنى) الذي ذكرناه من انقسام الخلق في المتشابه إلى قسمين : مؤمنين به مسلمين فيه إلى الله مع اعتقاد حقية المراد عنده (هو المشار إليه في آية البقرة السابقة) وهي قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً) [البقرة : ٢٦] (فتأملها) تجدها موافقة لحاصل المعنى من آية آل عمران وفيه نظر ، (وقد تأتي لغير تفصيل أصلا نحو : أما زيد فمنطلق) وهذا مخالف لما ذكره المصنف في حواشيه على «التسهيل» فإنه قال فيها : والظاهر أن أما زيد
![شرح الدماميني على المغني اللبيب [ ج ١ ] شرح الدماميني على المغني اللبيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2087_sharh-aldamamini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
