وكيف ينهر عن الأنهار السائلون ، ولمثل هذا فليعمل العاملون ...
______________________________________________________
باقية على حقيقتها ، والكلام على التشبيه بحذف المشبه ، أو أن الكرام والكأس والأرض مستعارات ، فالكرام مستعار للشارح ، والكأس للمطول ، والأرض للمنتحلين ، ويصح أن يكون المركب استعارة تمثيلية حيث شبه الهيئة الحاصلة من رفعته عليهم وهم دونه وأخذهم من كلامه ، بالهيئة الحاصلة من الأرض والشاربين من كأس ينزل شيء مما فيه عليها ، واستعمل اللفظ الدال على الهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة.
(قوله : وكيف ينهر) أى : يطرد عن الأنهار السائلون ، أى : فكذلك أنا كيف أنهر هؤلاء المنتحلين الذين هم كالسائلين عن المطول الذى هو كالأنهار؟ ففى الكلام تشبيه ضمنى ، أو أنه استعار الأنهار للمطول ، واستعار السائلين للمنتحلين استعارة مصرحة ، ولما كان المطول محتويا على علوم كثيرة بحيث يقوم مقام كتب عدة ، شبهه بالأنهار لا بنهر واحد ، ثم إن هذا الاستفهام إنكارى بمعنى النفى فى قوة تعليل ثان ، أو إنه تعجبى فيكون ترقيا فيما أفاده من كونه لا ينبغى الالتفات لما طلبوه من الاختصار ، واختار التعبير بالأنهار عن الأبحر لعذوبتها ، واختار" ينهر" على" يطرد" لمجانسة الاشتقاق بين ينهر والأنهار.
(قوله : ولمثل هذا فليعمل العاملون) هذا اقتباس من الآية ، لكن الإشارة فى الآية للفوز العظيم من النعمة والأمن من العذاب ، وأما هنا فللأخذ والانتهاب ، وأفرد اسم الإشارة ؛ لأنهما بمعنى واحد أو لتأويلهما بالمذكور ، أى : ويعمل العاملون لمثل هذا الأخذ أى لنيل ثواب مثل هذا الأخذ ؛ لما فيه من الرفعة الدنيوية والثواب الأخروى ، لا للحظوظ النفسانية ، وحينئذ فلا ينبغى قطعه بوضع مختصر ، والفاء فى قوله : (فليعمل) زائدة لا تمنع من عمل ما بعدها فيما قبلها ، أو أنها سببية واقعة فى جواب شرط مقدر ، والتقدير : مهما يكن من شىء فليعمل العاملون لمثل هذا ، حذف الشرط مع أداته اختصارا اعتمادا على الفاء ، وقدم المعمول لإفادة الحصر ، واستشكل بأن فاء السببية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ؛ لأن لها الصدارة ، والجواب : أنه لا يثبت لها هذا الحكم ـ أعنى الصدارة ـ إلا إذا وقعت فى موضعها من توسطها بين جملتين لفظا ، فإن لم تتوسط بين
![حاشية الدسوقي [ ج ١ ] حاشية الدسوقي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2085_hashiate-aldasouqi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
