ثم ما زادتهم مدافعتى إلا شغفا وغراما ، وظمأ فى هواجر الطلب وأواما ، فانتصبت لشرح الكتاب على وفق مقترحهم ثانيا ، ...
______________________________________________________
الجملتين لم تمنع من العمل المذكور كما هنا ، على حد ما ذكروا فى قوله تعالى : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)(١) من أن الفاء واقعة فى غير محلها لعدم التوسط والمعمول مقدم لإفادة الاختصاص ولم تمنع الفاء من العمل فى ذلك المعمول.
(قوله : ثم ما زادتهم مدافعتى ... إلخ) عبر بثم لإفادة تراخى زيادة الشغف والغرام عن ابتداء المدافعة الذى تضمنه قوله : (وكنت أضرب ... إلخ) ، وفى التعبير بالمفاعلة إشارة لتكرر السؤال وتكرر الإعراض عنهم ، أى : ما زادتهم مدافعتى لهم المرة بعد المرة بتركى إجابتهم إلا شغفا ـ أى حبّا شديدا ـ فى مطلوبهم الذى سألوه ، يدخل ذلك الحب فى شغاف القلب أى جلدته التى هو فى داخلها ، والغرام : الولوع. (قوله : وظمأ) هو العطش ، استعير للرغبة استعارة مصرحة ، والهواجر جمع هاجرة ، وهى نصف النهار عند اشتداد الحر ، وإضافتها للطلب من إضافة المشبه به للمشبه ، أى : ورغبة فى الطلب الشبيه بالهواجر ، بجامع الصعوبة على النفس فى كل ، والمراد بالطلب : طلب اختصار المطول ، أو أنه شبه الطلب باليوم الطويل الذى فيه هواجر بجامع الاشتمال فى كل ما يطلب دفعه على طريق المكنية ، والهواجر تخييل ، والأوام ـ بضم الهمزة ـ حرارة العطش ، فعطفه على الظمأ من عطف اللازم على الملزوم ، والمراد بالأوام هنا لازمه ، وهو الميل والحب. (قوله : فانتصبت ... إلخ) أى فلما زادت رغبتهم ولم تمكن مدافعتهم تسبب عن ذلك أنى انتصبت ، أى : تصدّيت وتعرضت وتفرغت. (قوله : على وفق مقترحهم) الجار والمجرور صفة لمحذوف أى انتصابا أو شرحا كائنا على وفق ـ أى موافقة ـ مقترحهم أى مطلوبهم ، من كون ذلك الشرح مقتصرا فيه على بيان معانى المتن وكشف أستاره ، وفى التعبير بمقترحهم دون مطلوبهم أو مسئولهم إشارة إلى أنهم سألوا ذلك من غير روية وفكر ؛ لأن الاقتراح طلب الشيء من غير روية وفكر. (وقوله : ثانيا) صفة للمصدر المقدر بعد نعته بالجار والمجرور أى : انتصابا ثانيا أو شرحا ثانيا ، ويحتمل أن يكون ظرفا أى انتصبت لشرح ذلك الكتاب فى زمن ثان.
__________________
(١) المدثر : ٣.
![حاشية الدسوقي [ ج ١ ] حاشية الدسوقي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2085_hashiate-aldasouqi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
