ومحال أن يقع علم التأنيث إلا آخرا طرفا ، ولهذا قال أصحابنا (١) : إن من قال في الإضافة إلى دنيا : دنياويّ ، فإن الألف في دنياويّ ليست الألف التي في دنيا ، وذلك أنه لما آثر في الإضافة مدّ الكلمة زاد قبل الألف التي في دنيا ألفا أخرى ، فالتقت ألفان ، فوجب تحريك الآخرة ، فانقلبت في التقدير همزة وإن لم يخرج ذلك إلى اللفظ ، فصار التقدير دنياء ، ثم نسب إليها ، فقال دنياويّ كما تقول في حمراء : حمراويّ. وإنما زاد الألف قبل ألف دنيا ، وجعل ألف دنيا آخرا طرفا منقلبة همزة لئلا يقع علم التأنيث حشوا ، فاعرف ذلك ، فإن له نظائر في كلام العرب.
وإذا كان الأمر كذلك فقد وجب بما ذكرناه على من قال هذا مسلمين ، فجعل النون حرف الإعراب ، ولزم الياء قبلها البتة أن يقول في المؤنث هذا مسلمات ، فيوافق الذين يقولون هذا مسلمون لما ذكرناه من كراهيتهم مصير علم التأنيث حشوا في مسلماتن لو تكلفه متكلف.
فأما من قال هيهات هيهات ففتح ، فحكمه أن يقف بالهاء لأنها بمنزلة علقاة وأرطاة (٢) ، وهيهات على هذا اسم واحد كما أن علقاة وأرطاة اسم واحد ، فمن نوّن ، فقال هيهاة فإنه نوى النكرة على ما قدمناه في صه وإيه ، فكأنه قال : بعدا بعدا ، ومن لم ينون فإنه نوى المعرفة ، فكأنه قال : البعد البعد.
فأما إذا صرت إلى الجماعة فإن نظير قول من فتح الهاء في الواحد ، فقال هيهات ، أن يقول في الجماعة هيهات ، فيكسر التاء في الجماعة بغير تنوين ، كما فتح الهاء في الواحد بغير تنوين ، ومن كان يقول في الواحد هيهاة فينون ، ويعتقد التنكير ، فنظيره في الجماعة أن يقول هيهات ، فيكسر التاء وينون إرادة للتنكير ، كما أنه لما أراد التعريف لم ينون ، فقال هيهات ، وذلك أن بإزاء فتح تاء الواحد كسر تاء الجماعة ، والتنوين على هذا في هيهات هو علم التنكير بمنزلة تنوين صه ومه وإيه ، وتكون هيهاة وهيهات عنده معربة منصوبة على الظرف فإن التنوين في هيهات عنده بمنزلة تنوين مسلمات لا فرق بينهما ، فيجوز في هيهات على هذا أن تكون نكرة.
__________________
(١) الكتاب (٢ / ٧٧).
(٢) أرطاة : واحدة الأرطى ، وهو شجر يدبغ به.
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ٢ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2074_ser-senaat-erab-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
