وعلى هذا قالوا : إنّ كذا وكذا درهما مالك ، فرفعوا المال ، لأن الغرض في كذا وكذا إنما هو التوكيد والتكثير ، وإذا كانت الكاف غير زائدة تعلّقت بالفعل ، لأنها حينئذ بمنزلة غيرها من سائر حروف الجرّ ، فكما أن تلك كلّها متى لم تزد فهي متعلقة بأفعال ، فكذلك ينبغي أن تكون الكاف غير الزائدة ، وذلك نحو قولك : أنت كزيد ، فالتقدير : أنت «كائن» كزيد ، كما أنك إذا قلت : أنت لزيد ، فكأنك قلت : أنت كائن لزيد.
وفي هذا الفصل مسألتان تحتاجان إلى شرح وبيان :
أمّا إحداهما فقولنا : كأنّ زيدا عمرو.
إن سأل سائل فقال : ما وجه دخول الكاف هنا ، وكيف أصل وضعها وترتيبها؟
فالجواب : أن أصل قولنا : كأنّ زيدا عمرو ، إنما هو إنّ زيدا كعمرو ، فالكاف هنا تشبيه صريح ، وهي متعلقة بمحذوف ، فكأنك قلت : إن زيدا كائن كعمرو ، ثم إنهم أرادوا الاهتمام بالتشبيه الذي هو عليه عقدوا الجملة ، فأزالوا الكاف من وسطها ، وقدموها إلى أوّلها ، لإفراط (١) عنايتهم بالتشبيه ، فلما أدخلوها على إنّ من قبلها ، وجب فتح إنّ ، لأن المكسورة لا يتقدمها حروف الجر ، ولا تقع إلا أوّلا أبدا ، وبقي معنى التشبيه ، الذي كان فيها وهي متوسطة بحاله فيها وهي متقدمة ، وذلك قولهم : كأن زيدا عمرو ، إلا أن الكاف الآن لما تقدمت ، بطل أن تكون متعلقة بفعل ، ولا معنى فعل ، لأنها فارقت الموضع الذي يمكن أن تتعلق فيه بمحذوف ، وتقدمت إلى أول الجملة ، وزالت عن الموضع الذي كانت فيه متعلقة بخبر إنّ المحذوف ، فزال ما كان لها من التعلّق بمعاني الأفعال ، وليست هاهنا زائدة ، لأن معنى التشبيه موجود فيها ، وإن كانت قد تقدمت ، وأزيلت عن مكانها ، وإذا كانت غير زائدة فقد بقي النظر في «أنّ» التي دخلت عليها ، هل هي مجرورة بها أو غير مجرورة ، فأقوى الأمرين عليها عندي أن تكون «أنّ» في قولك كأنّك زيد ، مجرورة بالكاف.
فإن قلت : إنّ الكاف الآن ليست متعلقة بفعل ، فلم يجرّ به؟
__________________
(١) إفراط : أفرط إفراط : أي جاوز الحد والقدر في قول أو فعل.
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ١ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2072_ser-senaat-erab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
