قيل له : الكاف وإن لم تكن متعلقة بفعل ، فليس ذلك بمانع من الجر بها ، ألا ترى أن الكاف في قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) هي غير متعلقة بفعل ، وهي مع ذلك جارة؟ ويؤكد عندك أيضا أنها هنا جارة ، فتحهم الهمزة بعدها ، كما يفتحونها بعد العوامل الجارة وغيرها ، وذلك نحو قولك : عجبت من أنك قائم ، وأعطيتك لأنك شاكر ، وأظن أنك منطلق ، وبلغني أنك كريم ، فكما فتحت «أنّ» لوقوعها بعد العوامل قبلها موقع الأسماء ، كذلك فتحت أيضا في كأنك قائم ، لأن قبلها عاملا قد جرّها ، فاعرف ذلك.
ونظير هذا الكلام في أنه قد خلط بعضه ببعض ، وصارت فيه كأن حرفا واحدا ، مذهب الخليل في «لن» ، وذلك أن أصلها عنده «لا أن» ، وكثر استعمالها ، فحذفت الهمزة تخفيفا ، فالتقت ألف «لا» ونون «أن» وهما ساكنتان ، فحذفت الألف من «لا» لسكونها وسكون النون بعدها ، فصارت «لن» فخلطت اللام بالنون ، وصار لهما بالامتزاج والتركيب الذي وقع بينهما حكم آخر.
يدلك على ذلك قول العرب : زيدا لن أضرب ، فلو كان حكم أن المحذوفة مبقّى بعد حذفها وتركيب النون مع لام «لا» قبلها ، كما كان قبل الحذف والتركيب ، لما جاز لزيد أن يتقدم على «لن» لأنه كان يكون في التقدير من صلة أن المحذوفة الهمزة ، ولو كان من صلتها لما جاز تقدمه عليها على وجه.
فهذا يدلّك أن الشيئين إذا خلطا حدث لهما حكم ومعنى لم يكن لهما قبل أن يمتزجا ، ألا ترى أن لو لا مركبة من «لو» و «لا» ومعنى «لو» امتناع الشيء لامتناع غيره ، ومعنى «لا» النفي أو النهي. فلما ركبا معا حدث معنى آخر ، وهو امتناع الشيء لوقوع غيره.
فهذا في «لن» بمنزلة قولنا كأنّ ، ومصحح له ، ومؤنس به ، ورادّ على سيبويه ما ألزمه الخليل : من أنه لو كان الأصل «لا أن» لما جاز : زيدا لن أضرب ، لامتناع جواز تقديم الصّلة على الموصول ، وحجاج الخليل في هذا ما قدمنا ذكره ، لأن الحرفين حدث لهما بالتركيب ما لم يكن لهما مع الإفراد.
مضت المسألة الأولى.
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ١ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2072_ser-senaat-erab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
