الكلاب ، وتشرب منه خنازير أهل السواد ، والحمر والذئاب ، ولن تذوق منه والله قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنم. فكان سماع هذا الكلام على الحسين (عليه السّلام) أشدّ من منعهم إيّاه الماء ، وهذا جزاؤه منهم إذ سقاهم الماء في تلك الصحراء القاحلة ، وكانوا قد أشرفوا على الهلاك يوم أن جاؤوا مع الحرّ بن يزيد الرياحي ، وعددهم ألف فارس. وقديماً قيل : لا ينكر المعروف إلاّ اللئيم. ذكر ابن خلّكان (١) ، قال نصر الله بن مجلي مشارف الصناعة بالمخزن ، وكان من ثقات أهل السنّة : رأيت في المنام علي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام) ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ، تفتحون مكّة فتقولون : «مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن» (٢) ، ثمّ يتمّ على ولدك الحسين (عليه السّلام) يوم الطفّ ما تمّ؟! فقال لي : «أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟». فقلت : لا. فقال : «اسمعها منّه». ثمّ استيقضت فبادرت إلى دار حيص بيص ، فخرج إليّ ، فذكرت له الرؤيا ، فشهق وأجهش بالبكاء ، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمه ، أو خطى إلى أحد ، وإن كنت نظمتها إلاّ في ليلتي هذه ، ثمّ أنشدني :
|
ملكنا وكانَ العفو منّا سجيةً |
|
ولمّا ملكتم سالَ بالدمِ أبطحُ |
|
وحلّلتمُ قتلَ الاُسارى وطالما |
|
غدونا عن الأسرى نعفُّ ونصفحُ |
|
فحسبكمُ هذا التفاوتُ بيننا |
|
وكلُّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضحُ |
فالحسين (عليه السّلام) سقى أهل الكوفة الماء ، وهم منعوه شرب الماء يوم الطفّ. الماء الذي هو عنصر حيوي لجميع الخليقة ، وكافة الموجودات على الكرة الأرضية ، ولن يستغني عنه أي أحد وكلّ شيء ، قال (عزّ ذكره) : (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ). فهو في الحقيقة أصل لكلّ الموجودات ، وبه حياة كلّ دابة ، وبه قوامها واستدامتها ، وقد جعله الله مباحاً لكلّ وارد إليه ، ولا يجوز صدّ أيّاً كان عنه ؛ ولذا قال (صلّى الله عليه وآله) : «الناس شرع سواء في الماء والكلاء». فلا يمنع من ورده أحد ؛ سواء من البشر أو الحيوانات. وجاء في الحديث أيضاً : «ثلاثة لا ملكية فيها ؛ الماء
__________________
(١) انظر ابن خلكان. ج ١ ص ٢٢٠.
(٢) يشير هنا إلى يوم الفتح ، واليد التي أسداها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على أبي سفيان خاصّة.
