جمعاء ؛ العلم وأسراره ، وفصاحة اللسان وبيانه ، ومنتهى الشجاعة ، وأقصى غاية الجود ، والعدل والصبر ، والحلم والعفاف ، والمروءة والورع ، والزهد ومكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال. أضف إلى هذه المحامد كلّها كثرة العبادة ، وأفعال الخير كالصلاة والصوم ، والحجّ ، والجهاد في سبيل الله ، والإحسان للناس. وكان (عليه السّلام) سخيّاً بماله ، متواضعاً للفقراء ، معظّماً عند الخلفاء ، مواصلاً للصدقة على الأيتام والمساكين ، منتصفاً للمظلومين ، وكان علم المهتدين ، وهدى للمسترشدين بأنوار محاسنه وآثار فضله إلى غير ذلك الكثير من مزاياه وكرم أخلاقه. (أمّا علمه) : فإنّه كان يغر العلم غراً ، وإنّه ورث العلم من جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومن أبيه علي (عليه السّلام). ومَنْ كان النبي معلّمه ، ومَنْ كان أبوه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وأمّه فاطمة الزهراء ، وناشئاً في أصحاب جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتلامذة أبيه فلا شك إنّه (عليه السّلام) كان يغر العلم غراً ، ومنه أُخذ علم الجفر والجامعة (١) الأئمّة التسعة
__________________
(١) الجفر لغة : هو الجلد المعمول ، إذ كان الناس قبل هذا يعملون جلود الأنعام ويرققونها ليكتبوا عليها ، ثمّ تقدّمت هذه الصناعة حتّى صاروا يرققون جلد الغزال. أطلقوا عليه اسم (رقّ الغزال) ، وإلى الآن نجد بعض الكتب والحروز مكتوبة على هذا النوع ، والكتّاب يجلدون كتبهم ويذهّبونها ، وربّما كانوا يُغالون في ثمنها. والجفر : صار يعرفونه بعلم من العلوم (علم الجفر) ، وهذا العلم كما ذكره المؤرّخون اختصّ به الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بادئ بدء كما اختصّ بغيره من العلوم ، وربّما يكون هذا من العلوم التي لم يطّلع عليها أحد حتّى أيام الإمام الصادق (عليه السّلام) أفضى به (عليه السّلام) على خواصّ أصحابه. وقد ذكره كمال الدين محمد بن طلحة في (الدر المنظم في السرّ الأعظم) قال : جفر الإمام علي بن أبي طالب ألف وسبعمئة مصدر من مفاتيح العلوم ومصابيح النجوم ، المعروف عند علماء الحروف بالجفر الجامع والنور اللامع ، وهو عبارة عن لوح الفضاء والقدر عند الصوفية. وقيل : العلم المكنون والسرّ المصون ، وقيل باللغة الخفية عند السادة الحرفية ، وهو عبارة عن أسرار الغيوب ، وقيل : مفتاح اللوح والقلم. وقال أهل الملاحم : هو عبارة عن سرّ حوادث الكون ، وقيل : مفتاح العلم اللدني ، وهما كتابان جليلان ؛ أحدهما ذكره الإمام علي (رضي الله عنه) على المنبر وهو قائم يخطب بالكوفة ، والآخر أمره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكتابته في هذا العلم المكنون ، وهو المشار إليه بقوله (عليه السّلام) : «أنا مدينة العلم وعلي بابها». فكتبه الإمام علي (رضي الله عنه) حروفاً
