على رؤوس الاشهاد من رجال الدولة ووجوه الشعب في المسجد الجامع بحمص ، يسأله عن العشرة آلاف : أهي من ماله أم من مال الامة؟ فان كانت من ماله فهو الاسراف ، واللّه لا يحب المسرفين. وان كانت من مال الامة فهي الخيانة ، واللّه لا يحب الخائنين ، ثم عزله فلم يولّه بعد حتى مات.
ودعا أبا هريرة ، فقال له : « علمت أني استعملتك على البحرين ، وأنت بلا نعلين! ثم بلغني أنك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمائة دينار! » قال : « كانت لنا أفراس تناتجت ، وعطايا تلاحقت ». قال : « حسبت لك رزقك ومؤونتك وهذا فضل فأدِّه ». قال : « ليس لك ذلك ». قال : « بلى وأُوجع ظهرك ». ثم قام اليه بالدرة فضربه حتى أدماه. ثم قال : « إئت بها ». قال : « احتسبها عند اللّه ». قال : « ذلك لو أخذتها من حلال ، وأديتها طائعاً!. أجئت من أقصى حجر البحرين يجبي الناس لك لا للّه ولا للمسلمين؟ ما رجعت بك أميمة ـ يعني أمه ـ الا لرعية الحمر ».
وفي حديث أبي هريرة : « لما عزلني عمر عن البحرين ، قال لي : يا عدو اللّه وعدو كتابه ، سرقت مال اللّه! فقلت : ما أنا عدو الله وعدو كتابه ، ولكني عدو من عاداك ، وما سرقت مال الله. قال : فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ فقلت : خيل تناتجت ، وعطايا تلاحقت ، وسهام تتابعت. قال : فقبضها مني » الحديث.
وكم لعمر مع عماله من أمثال ما فعله بخالد وأبي هريرة يعرفها المتتبعون.
عزل كلاً من أبي موسى الاشعري ، وقدامة بن مظعون ، والحارث بن وهب ، أحد بني ليث بن بكر ، بعد أن شاطرهم أموالهم (١).
هذه مراقبة عمر لعماله ، لا هوادة عنده لاحد منهم ، لكن معاوية كان أثيره وخلصه ، على ما كان من التناقض في سيرتيهما. ما كف يده عن شيء ولا ناقشه الحساب في شيء ، وربما قال له : « لا آمرك ولا أنهاك »
__________________
١ ـ فيما رواه الزبير بن بكار في كتابه ـ الموفقيات ـ ونقله عنه ابن حجر في ترجمة الحارث بن وهب في القسم الاول من اصابته.
