ومن ذمته بين الحق والباطل. وهذا هو ما يزيدنا اعجاباً بهؤلاء الابطال من تلامذة علي عليهالسلام ، ولكن شيئاً من وعظه لم يجده نفعاً سوى أن يقول زياد فيه : « ليس النفاخ بشر الزمرة » ثم أمر به فقتل (١) ».
ولا ادري ، ولا أظن زياداً نفسه يدري ، بأي جريرة أخذ ابن حصن فأشاط بدمه و « كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله » ـ كما في الحديث ـ؟.
والرجل في أجوبته كلها كما رأيت لم يفضح سراً ، ولم يهتك أمراً. ولكن الذي ناقض الكتاب صريحاً فأخذ البريء بالسقيم والمقبل بالمدبر خلافاً لقوله تعالى : « ولا تزر وازرة وزر أخرى » لحري بأن لا يفهم لغة الحديث ولا لغة الكتاب.
واعتصم بغلوائه فاذا الناس من حوله في أشد محن الدنيا : جماعات تساق الى السجون ، وزرافات تطارد أينما تكون ، ومئات تعرض عليه كل يوم لتسمل عيونهم ، أو لتقطع أطرافهم ، أو ليؤمر بهم فتحطم ضلوعهم (٢). وبين الكوفة والشام فرائس أخرى ترزح بالاصفاد. وما في الكوفة الا الارهاب المميت ، وما في الشام لهؤلاء الا الموت المرهوب.
وخشعت الكوفة التي كانت تفور ـ في أمسها القريب ـ بالمؤامرات والمعارضات خشوع الجناح الكسير ، بما وسعها من مظالم الحكام الامويين. وكان المتآمرون بالامس هم المتآمرين بالجور اليوم ، وكانوا هم الحاكمين بأمرههم فيما يسنون أو فيما ينفذون ، فما بالها لا ترتجف فرقاً؟ وما بال أهلها لا يلوذون بالفرار هرباً؟ ..
__________________
١ ـ يراجع ابن الاثير ( ج ٣ ص ١٨٣ ) ، والطبري ( ج ٦ ص ١٣٠ ـ ١٣٢ ).
٢ ـ جيء الى زياد بعمير بن يزيد ( من أصحاب حجر بن عدي ) وقد أعطي الامان على دمه وماله ، فأمر به زياد فأوقر بالحديد ، ثم أخذته الرجال ترفعه حين اذا بلغ سورها ـ أعلى القامة ـ ألقوه فوقع على الارض ثم رفعوه ففعلوا به ذلك مراراً! الطبري ( ج ٦ ص ١٤٧ ).
