كقوله : (فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ) (١) أي أسخطونا ، وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ) (٢) أي أولياء الله ؛ لأن الله سبحانه لا يؤذى ولا يخادع ، فبيّن الله تعالى أنّ من آذى نبيا من أنبيائه ووليا من أوليائه استحق العقوبة كما لو آذى رسوله وخادعه. يدل عليه الخبر المروي : إن الله تعالى يقول : من آذى وليا من أوليائي فقد بارزني بالمحاربة (٣).
وقيل : إنّ ذكر الله سبحانه في قوله : (يُخادِعُونَ اللهَ) تحسين وتزيين لسامع الكلام ، والمقصد بالمخادعة للذين آمنوا كقوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) (٤). ثم المخادعة على قدر المعاجلة وأكثر المفاضلة إنّما تجيء في الفعل المشترك بين اثنين ، كالمقاتلة والمضاربة والمشاتمة ، وقد يكون أيضا من واحد كقولك : طارقت النعل ، وعاقبت اللصّ ، وعافاك الله ، قال الله عزوجل : (وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) (٥) وقال : (قاتَلَهُمُ اللهُ) (٦) والمخادعة ها هنا عبارة عن الفعل الذي يختص بالواحد في حين الله تعالى لا يكون منه الخداع.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم : آمنا ، وهم غير مؤمنين ، وقال بعضهم : من خداعهم المؤمنين : هو أنّهم كانوا يجالسون المؤمنين ويخالطونهم حتى يأنس بهم المؤمنون ويعدّونهم من أنفسهم فيبثون إليهم أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم. قال الله تعالى : (وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) لأن وبال خداعهم راجع إليهم كأنهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم ؛ وذلك أنّ الله تعالى لمطلع نبيّه محمدا صلىاللهعليهوسلم على أسرارهم ونفاقهم ، فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب الشديد في العقبى.
قال أهل الإشارة : إنما يخادع من لا يعرف البواطن ، فأما من عرف البواطن فإنّ من خادعه فإنما يخدع نفسه.
واختلف القرّاء في قوله : (وَما يَخْدَعُونَ) فقرأ شيبة ونافع وابن كثير وابن أبي إسحاق وأبو عمرو بن العلاء : يُخادِعُونَ بالألف جعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد ، وقد ذكرنا خبره وتصديقها الحرف الأول ، وقوله : (يُخادِعُونَ اللهَ) لم يختلفوا فيه إلّا ما روي عن أبي حمزة الشامي إنه قرأ : (يخدعون الله) وقرأ الباقون (وَما يَخْدَعُونَ) على أشهر اللغتين وأضبطهما واختاره أبو عبيد.
__________________
(١) سورة الزخرف : ٥٥.
(٢) سورة الأحزاب : ٥٧.
(٣) تفسير ابن كثير : ١ / ١٣٧.
(٤) سورة الأنفال : ٤١.
(٥) سورة الأعراف : ٢١.
(٦) سورة التوبة : ٣٠.
![الكشف والبيان [ ج ١ ] الكشف والبيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1643_alkashf-valbaian-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
