١٠١ ـ ومن خطبة له عليه السّلام
أنظروا إلى الدّنيا نظر الزّاهدين فيها ، الصّادفين عنها (١) ، فإنّها واللّه عمّا قليل تزيل الثّاوى السّاكن (٢) وتفجع المترف الآمن (٣) لا يرجع ما تولّى منها فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر ، سرورها مشوب بالحزن ، وجلد الرّجال فيها إلى الضّعف والوهن ، فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها ، لقلّة ما يصحبكم منها. رحم اللّه امرأ تفكّر فاعتبر ، واعتبر فأبصر ، فكأنّ ما هو كائن من الدّنيا عن قليل لم يكن (٤) وكأنّ ما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزل ، وكلّ معدود منقض ، وكلّ متوقّع آت ، وكلّ آت قريب دان.
ومنها: العالم من عرف قدره ، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره ، وإنّ من أبغض الرّجال لعبدا وكله اللّه إلى نفسه! جائرا عن قصد السّبيل ، سائرا بغير دليل ، إن دعى إلى حرث الدّنيا عمل ، وإن دعى إلى حرث الآخرة
__________________
بعد محاصرة شديدة ، وقتله الموفق أخو الخليفة المعتمد سنة سبعين ومائتين ، وفرح الناس بقتله لانكشاف رزئه عنهم
(١) الصادفين : المعرضين
(٢) الثاوى : المقيم
(٣) المترف ـ بفتح الراء ـ : المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع
(٤) فان الذى هو موجود فى الدنيا بعد قليل كأنه لم يكن ، وإن الذى هو كائن فى الآخرة بعد قليل كأنه كائن لم يزل ، فكأنه ـ وهو فى الدنيا ـ من سكان الآخرة
![نهج البلاغة [ ج ١ ] نهج البلاغة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1617_nahj-al-balagha-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
