__________________
ما نُقل عن أهل اللغة إنّ كلمة « لن » للتأبيد دعوى باطلة ، والدليل عن فساده قوله تعالى في حقّ اليهود : ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْنَهُ أبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بالظَّالمِينَ ) ( البقرة : ٩٥ ) ، قال : وذلك لأنّهم يتمنّون الموت يوم القيامة بعد دخولهم النار ، قال سبحانه : ( وَنَادَوْا يا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلِيْنا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَاكِثُونَ ) ( الزخرف : ٧٧ ) ، فإنّ المراد من ( لِيَقْضِ عَلِيْنا ) هو القضاء بالموت.
ووجه الضعف ما عرفت من أنّ التأبيد على قسمين ، غير محدّد ومحدّد باطار خاصّ ، ومن المعلوم أنّ قوله سبحانه : ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْنَهُ ) ناظر إلى التأبيد في الإطار الذي اتخذه المتكلم ظرفاً لكلامه وهو الحياة الدنيا ، فالمجرمون ماداموا في الحياة الدنيا لا يتمنّون الموت أبداً ، لعلمهم بأنّ اللّه سبحانه بعد موتهم يُقدّمهم للحساب والجزاء ، ولأجل ذلك لا يتمنّوه أبداً قط.
وأمّا تمنّيهم الموت بعد ورودهم العذاب الأليم ، فلم يكن داخلا في مفهوم الآية الأُولى حتى يعدّ التمنّي مناقضاً للتأبيد.
ومن ذلك يظهر وهن كلام آخر وهو : أنّه ربما يقال : إنّ « لن » لا تدلّ على الدوام والاستمرار بشهادة قوله : ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلْرَّحْمنِ صَوْمَاً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيّاً ) ، إذ لو كانت ( لن ) تفيد تأبيد النفي لوقع التعارض بينهما وبين كلمة ( اليوم ) ، لأنّ اليوم محدد معيّن ، وتأبيد النفي غير محدد ولا معيّن ، ومثله قول سبحانه على لسان ولد يعقوب : ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ) ( يوسف : ٨٠ ) ، حيث حدّد بقاءه في الأرض بصدور الاذن من أبيه.
وجه الوهن : أنّ التأبيد في كلام النحاة ليس مساوياً للمعدوم المطلق ، بل المقصود هو النفي القاطع الذي لا يشق ، والنفي القاطع الذي لا يكسر ولا
