الوجوب لمّا كان مستلزما للذمّ على الترك ، فاستلزم النهي التحريميّ عن الضدّ ، وأمّا أمر الندب ، فلا يقتضي إلاّ رجحان الفعل ، ولا يستلزم ما يصير سببا للنهي التنزيهي (١).
والجواب عنه : ما عرفته (٢) من وجود ما يستلزم كراهة الضدّ.
إذا عرفت ذلك ، فكيفيّة التفريع أنّه يكون ترك كلّ مستحبّ مكروها ، وترك كلّ مكروه مستحبّا ، وما يفعل من الأضداد الخاصّة للمكروه يكون مستحبّا.
المقام السابع : في أنّ أمر الندب لا يستلزم كراهة الضدّ الخاصّ ، وذلك لأنّ مثل الأدلّة التي تدلّ على أنّ أمر الإيجاب يستلزم حرمة الضدّ الخاصّ ، ونهي الكراهة يستلزم استحباب أحد أضداده ، وإن دلّت على أنّه أيضا يستلزم كراهة الضدّ ـ بأن يقال : فعل ضدّه الخاصّ ملزوم لتركه ، وهو مرجوح بالنسبة إلى فعله ، وملزوم المرجوح مرجوح. أو يقال : تركه مرجوح ، وهو يتوقّف على فعل الأضداد الخاصّة ، فيكون مرجوحا ؛ لأنّ ما يتوقّف عليه المرجوح مرجوح. أو يقال : فعل المندوب يتوقّف على ترك كلّ من الأضداد الخاصّة ، فيكون تركها راجحا ؛ لأنّ ما يتوقّف عليه الراجح راجح ، فيكون نقيضه أعني فعلها مرجوحا ، فيثبت كراهته ـ إلاّ أنّ هنا قاطعا يدلّ على خلافه ، وهو لزوم انتفاء المباح رأسا ، إذ ما من وقت إلاّ ويندب فيه فعل ؛ فإنّ استغراق الأوقات بالمندوبات مندوب ، بخلاف الواجب ، فإنّه لا يستغرق الأوقات ، فيكون الفعل في غير وقت لزوم أداء الواجب مباحا ، فلا يلزم انتفاء المباح رأسا.
فإن قيل : ترك الحرام واجب ، وترك المكروه مستحبّ ، وهما يستغرقان الأوقات ، فيرد عليهما ما يرد عليه.
قلت : الترك لمّا كان أمرا عدميّا ممكن التحقّق في ضمن ضدّ واحد ، فغير متّصف بحقيقة الوجوب ، أو الكراهة في جميع الأوقات ، بل إذا كان (٣) مسبوقا بإرادة الفعل ، أو مقارنا
__________________
(١) قاله ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام ٣ : ٣٢٧ ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ١٩٢.
(٢) تقدّم في ص ٦٦٧.
(٣) أي الترك.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
