والحجّة على الثاني : أنّ فعل المكروه يتوقّف على الكفّ عن تركه وترك الأضداد الخاصّة وما يتوقّف عليه المرجوح مرجوح ، فيكون نقيضاهما ـ أعني تركه ، وفعل أحد أضداده الخاصّة ـ راجحين ؛ نظرا إلى تعريف المكروه ، وهو الاستحباب.
وأيضا فعل ضدّه الخاصّ ملزوم لتركه ، وهو راجح ؛ نظرا إلى تعريفه ، وملزوم الراجح راجح.
وأيضا يلزم من تعريفه ندبيّة ضدّه العامّ ، وهو يتوقّف على فعل أحد أضداده الوجوديّة الخاصّة ؛ فيكون مندوبا ؛ لأنّ ما يتوقّف عليه المندوب مندوب.
وهذه الأدلّة وإن أمكن أن يورد عليها مثل المناقشات المتقدّمة (١) إلاّ أنّها مندفعة بمثل ما ذكر من الجواب.
هذا ما يقتضيه النظر ، والظاهر من كلام القوم أنّ ترك كلّ مندوب ليس مكروها ، وكذا العكس (٢) ، بل اتّصاف ترك كلّ منهما بالآخر في بعض الموادّ دون بعضها الآخر.
وربّما ظهر من كلام بعض ثبوت الاتّصاف في جميع الموادّ (٣).
وقال جماعة : إنّ الترك لا يكون حكما (٤) من الأحكام الخمسة ؛ لكونه عدميّا (٥) ، وردّوه فيما جعل حكما إلى الوجودي ، كالاستمرار ، أو الكفّ ، أو فعل الضدّ (٦). وقد تقدّم (٧) سابقا بيان ذلك مفصّلا ، وذكرنا هناك أنّ كلام القوم هنا غير منقّح.
وممّا ذكر تعلم أنّ كلّ ما يجري في أمر الإيجاب ونهي التحريم ـ من الحجج والاعتراضات والأجوبة ـ يجري في أمر الندب ، ونهي الكراهة ، فتخصيص الحكم بالأوّلين تحكّم إلاّ فيما نذكره من عدم اقتضاء أمر الندب للنهي عن ضدّه الخاصّ ؛ لدليل من خارج.
واحتجّ من خصّ النهي عن الضدّ الخاصّ والعامّ أيضا بأمر الإيجاب دون الندب بأنّ أمر
__________________
(١) أي في دلالة الأمر على النهي عن ضدّه بأقسامه وأجوبتها.
(٢) راجع تمهيد القواعد : ٣٤ ـ ٣٦ ، القاعدة ٢.
(٣) راجع تمهيد القواعد : ٣٥ و ٣٦ ، القاعدة ٢.
(٤) في إطلاق الحكم على الترك وسلبه عنه مسامحة واضحة والمراد كونه ذا حكم.
(٥) قاله الشهيد الثاني ونسبه أيضا إلى متأخّري الاصوليّين في تمهيد القواعد : ٣٤ و ٣٦ ، القاعدة ٢.
(٦) ردّه المطيعي ونسبه أيضا إلى القاضي البيضاوي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل ٢ : ٢٩٢.
(٧) في ص ٦٥٣.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
