للشعور والقدرة ، لا في كلّ وقت ثبوته وإن لم يخطر بالبال ، فلا يرد عليهما لزوم انتفاء المباح ؛ لإمكان دفعه بأحد الجوابين اللذين ذكرناهما لدفع شبهة الكعبي (١) ، ولا يمكن دفعه عن اقتضاء المندوب كراهة الضدّ ؛ لأنّ القول به يقتضي كراهة جميع الأضداد في جميع الأوقات من غير اختصاص بوقت دون وقت ، أو ضدّ دون ضدّ ، ووجهه ظاهر ، فيلزم انتفاء المباح رأسا.
إذا عرفت ذلك ، فكيفيّة التفريع ظاهرة عليك.
تتمّة
اعلم أنّ بعضهم عدل عن قولهم : الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضدّ ، إلى قوله : الأمر بالشيء يقتضي عدم الأمر بالضدّ ، معتذرا بأنّ إثبات الأوّل مشكل بخلاف إثبات الثاني (٢) ، ولا يختلف به (٣) التفريع في العبادات ؛ لأنّ ما ليس منها بمأمور به يكون محرّما باطلا ، والمنهيّ منها كذلك. وأمّا في غيرها ، فيختلف به التفريع ؛ لأنّه إذا كان منهيّا عنه يكون محرّما ، وأمّا إذا لم يكن منهيّا عنه ولا مأمورا به ، فيبقى على إباحته الأصليّة.
وأنت خبير بعدم الفرق بين الترجمتين من حيث الإثبات بالأدلّة وعدمه ؛ فإنّ التفصيل الذي ذكرناه في الترجمة الاولى جار في الثانية من غير فرق ؛ لأنّ المأمور به لو كان واجبا موسّعا ، فكما لا يستلزم الأمر به النهي عن ضدّه ، فكذا لا يستلزم عدم الأمر به ، وإن كان واجبا مضيّقا ، فكما يستلزم الأمر به النهي عن ضدّه إذا لم يكن واجبا مضيّقا ، فكذا يستلزم عدم الأمر به ، غاية الأمر أنّه (٤) بطريق أولى. وإن كان الضدّ أيضا واجبا مضيّقا ـ كما إذا أخّر واجبين موسّعين إلى آخر وقتهما ـ فكما لا يستلزم الأمر بأحدهما النهي عن الآخر ، فكذا لا يستلزم عدم الأمر به ؛ لما ذكر. ولا يجوز فيما عدا ذلك اجتماع واجبين مضيّقين ؛ لأنّ
__________________
(١) تقدّمت في ص ٦٥٩.
(٢) قاله المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل ٢ : ٣٠٩.
(٣) أي بالعدول والمراد أنّ لازم كلا الاقتضاءين هو فساد العبادة ؛ لأنّها تفسد بعدم الأمر فضلا عن كونها منهيّا عنها.
(٤) أي استلزام عدم الأمر بطريق أولى ، لأنّ عدم الأمر لازم لكون الفعل حراما وإلاّ يلزم اجتماع الضدّين.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
