واحتجّ من أنكر العينيّة والاستلزام أيضا بلزوم وجوب المحرّم والمباح (١) ، وقد عرفت جوابه (٢).
وبأنّ النهي طلب كفّ عن فعل يذمّ فاعله ، والأمر طلب فعل غير كفّ ، وطلب فعل هو كفّ لا يستلزم طلب فعل غير كفّ (٣).
والجواب : ما عرفته (٤) من استلزام الكفّ لفعل أحد الأضداد الوجوديّة.
فإن قيل : لو كان الأمر بالشيء نهيا عن جميع أضداده ، والنهي عن الشيء أمرا بأحد أضداده ، كما اخترت ، فإذا فرض أضداده ثلاثة وما فوقها ، فالأمر بأحدها يستلزم النهي عن كلّ واحد من الباقين ، والنهي عن كلّ واحد منها يستلزم الأمر بالآخر ، والأمر به يستلزم النهي عن جميع ما يضادّه ، ومن جملته الضدّ الأوّل الذي كان مأمورا به ، فمن استلزام النهي عن أحدهما للأمر بالآخر ، يلزم أن يكون الآخر منهيّا عنه ومأمورا به ، ومن استلزام الأمر بالآخر النهي عن جميع ما يضادّه يلزم كون الضدّ الأوّل مأمورا به ومنهيّا عنه ، وهو باطل.
والجواب : أنّ استلزام النهي عن كلّ واحد منهما للأمر بالآخر غير مسلّم ؛ لأنّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بأحد أضداده على سبيل التخيير ، فإذا انحصر أضداده بفردين واحد منهما منهيّ عنه مثله ، يتعلّق الأمر بضدّه الآخر ، وهو الذي كان مأمورا به صريحا أيضا.
وإذا عرفت ذلك ، فكيفيّة التفريع أنّه إذا ورد النهي عن فعل خاصّ ، كالزنا ، أو شرب الخمر يجب تخييرا أن يرتكب المنهي لتحقّق الترك فعلا ينافي المنهيّ عنه.
المقام السادس : في أنّ أمر الندب يستلزم كراهة الضدّ العامّ ، ونهي الكراهة يستلزم استحباب الضدّ العامّ ، وأحد الأضداد الخاصّة.
والحجّة على الأوّل : توقّف فعل المندوب على الكفّ عن تركه ، فيكون الكفّ عن تركه راجحا ؛ لأنّ ما يتوقّف عليه الراجح راجح ، فيكون نقيضه أعني تركه مرجوحا ، وهو المكروه.
__________________
(١) قاله الغزالي في المستصفى : ٦٦ ، ونسبه الآمدي إلى الكعبي في الإحكام في أصول الأحكام ٢ : ١٩٣.
(٢) في ص ٦٥١.
(٣) حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : ٦٦.
(٤) في ص ٦٦٢.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
