ويدلّ عليه أيضا بعض الظواهر ، نحو قوله تعالى : ( ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... )(١) ، وغيره ، وتخصيصه بغير المجتهد منهم تحكّم.
احتجّ المخالف ـ وهو القائل بأنّ كلّ مجتهد فيها مصيب لا على معنى مطابقة ما أدّى اجتهاده للواقع ؛ فإنّه غير معقول ، ولم يقل به أحد ، بل بمعنى زوال الإثم ـ بأنّ التكليف بخلاف ما أدّى إليه النظر والاجتهاد تكليف بالمحال ؛ لأنّ حصوله (٢) بعدهما ضروري ، واعتقاد خلافه ممتنع (٣).
والجواب : أنّ علم الحجّة واضح لمريدها ، فمن لم يصلها فقد قصّر في النظر.
وأمّا الشرعيّات (٤) ، فإن بلغت حدّ القطع ، فالمصيب فيها أيضا واحد ـ وهو من أخذ بالمقطوع به ـ وغيره آثم.
وإن لم تبلغ حدّ القطع ، بل افتقرت إلى نظر واجتهاد ، وجب على المجتهد بذل المجهود فيها ، وبعد بذل جهده ما تعلّق ظنّه به يجب عليه العمل به ، ولا إثم عليه حينئذ وإن أخطأ ؛ لما ثبت بالتواتر من اختلاف الصحابة في المسائل من دون التأثيم من بعضهم لبعض معيّن أو مبهم ، مع أنّا نقطع بأنّه لو كان إثم ، لقضت العادة بذكره (٥).
والظاهر عدم الخلاف في ذلك ، إنّما الخلاف في التخطئة والتصويب ، بمعنى أنّ المسألة التي لا قاطع فيها هل فيها حكم معيّن لله تعالى ـ من أصابه فهو مصيب وغيره مخطئ معذور ـ أم ليس فيها حكم معيّن لله ، بل حكم الله فيها تابع لظنّ المجتهد ، فما ظنّه كلّ مجتهد فيها فهو حكم الله تعالى فيها؟ فذهب أصحابنا إلى الأوّل (٦) ، وأكثر العامّة إلى الثاني.
لنا : شيوع تخطئة السلف بعضهم بعضا من غير نكير (٧).
__________________
(١) ص (٣٨) : ٢٧.
(٢) أي حصول الاعتقاد.
(٣ و ٥) حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول : ٢١١.
(٤) عطف على « في العقليّات ».
(٦) راجع مبادئ الوصول : ٢٤٤.
(٧) حكى ابن الحاجب تخطئة جماعة لآخرين كأبي بكر وعمر وابن مسعود وعليّ بن أبي طالب وزيد وابن عبّاس وغيرهم في منتهى الوصول : ٢١٣.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
