فما قيل : « إنّ إجراء أدلّة الوجوب فيها إذا وردت بعد الحظر غير ممكن ؛ لأنّه فرع فهم الطلب منها وفرديّتها لمفهوم الأمر وليس كذلك » (١) ، فاسد ؛ لعدم ما يخرجها عن الدلالة على الطلب ، والفرديّة لمفهوم الأمر. وأيضا أنّها بعد الحظر العقلي للوجوب فكذا بعد الحظر الشرعي ؛ لعدم الفرق ، بل العقلي آكد.
احتجّ القائل بأنّها للإباحة بغلبتها في الإباحة في عرف الشارع بحيث تتبادر منها عند الإطلاق ، فتكون حقيقة فيها في عرفه ، فتتقدّم على الوجوب الذي هي حقيقة لغويّة فيه ؛ لتقدّم عرفه على اللغة في الشرعيّات ، بل مجازيّتها في عرفه (٢).
والجواب : منع الغلبة ؛ فإنّ المسلّم أنّ الشرع استعملها في مواضع في الإباحة ، كقوله تعالى : ( وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا )(٣) و ( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا )(٤) ، وقوله صلىاللهعليهوآله : « كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحيّ ... ألا فادّخروها » (٥) ، وهي ـ مع استفادة الإباحة منها بالقرائن ـ معارضة بقوله تعالى : ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ )(٦) ، وقوله : ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ )(٧) ، فإنّ حلق الرأس بعد بلوغ الهدي محلّه واجب ، مع أنّه مأمور به بعد النهي عنه ، وبأمر الحائض والنفساء بالعبادة بعد تحريمها عليهما.
واحتجّ القائل بأنّها للندب باستعمالها فيه في كلام الشارع ، كقوله تعالى : ( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ )(٨). وجوابه ظاهر.
واعلم أنّه قيل : « إنّها بعد الحظر أو الكراهة لا تدلّ إلاّ على رفع المنع وهو كالإذن في الفعل مشترك بين الوجوب والندب والإباحة للتبادر » (٩).
__________________
(١) قاله الفاضل التوني في الوافية : ٧٥.
(٢) أي مجازيّة الحقيقة اللغويّة وهي الوجوب في عرف الشرع.
(٣) المائدة (٥) : ٢.
(٤) الجمعة (٦٢) : ١٠.
(٥) كنز العمّال ٥ : ٩١ و ٩٢ ، ح ١٢١٩٨ و ١٢٢٠١ و ١٢٢٠٢ باختلاف يسير.
(٦) التوبة (٩) : ٥.
(٧) البقرة (٢) : ١٩٦ و ٢٢٢.
(٨) البقرة (٢) : ٢٢٢.
(٩) القائل هو الفاضل التوني في الوافية : ٧٤ و ٧٥. وقوله : « للتبادر » تعليل للدلالة على رفع المنع.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
