الثاني : في توقّف الاستنباط على الملكة ـ كاملة كانت أو متجزّئة ـ وعلى ما ذكر من المقدّمات الاصوليّة والرجاليّة وغيرهما ؛ فإنّ أكثر الأخباريّين ذهبوا إلى أنّه لا يتوقّف على شيء من ذلك ، بل قالوا : إنّ الثابت وجوب إطاعة الله وإطاعة اولي الأمر ، فمن سمع آية أو حديثا وفهم مرادهم منهما كما يفهم مراد غيرهم من كلامه ، يجب عليه العمل بمقتضى فهمه ، ولا يتوقّف هذا الفهم على ما ذكره المجتهدون من المقدّمات العقليّة والنقليّة واللغويّة ، ولا يلزم عليه العلم بسائر الآيات والأخبار ، والتفحّص في أنّه هل له معارض أو مخصّص أم لا؟ بل لو انحصر اقتداره على فهم آية واحدة أو حديث واحد ، لجاز له العمل ، بل لو أنّ أعجميّا علم معنى خبر معلوم النسبة إلى المعصوم بترجمة الثقة المأمون ، جاز له العمل به وإن لم يقدر على فهمه لو لم يترجمه ، فلا يجب على من ليس ماهرا في علم الحديث ، محيطا بعامّه وخاصّه ، مطلقة ومقيّده ، ما له معارض وما ليس له معارض ، ما صدر تقيّة وما لم يصدر تقيّة ، ما هو مطابق للواقع وما ليس كذلك ، ولا عارفا بوجوه التراجيح الاجتهاديّة والمنقولة ، ولا مقتدرا على الترجيح عند التعارض أن يرجع إلى من هو كذلك ، بل كلّ ما يفهمه يعمل به من غير لزوم تقليد لغيره ، وما لا يفهمه يسأله عن غيره (١).
واحتجّوا على ذلك بوجوه :
منها : الطريقة المستمرّة بين أصحاب النبيّ والأئمّة عليهمالسلام ، فإنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كان يحدّث أصحابه ، فيفهمون من قوله حكم الله ويعملون به من غير توقّف لاحتمال المعارض أو المخصّص أو غيرهما.
وربما يرسل بعضهم بالأخبار ، إلى أهل البلاد والقفار ، وبمجرّد النقل والسماع يعملون بما يفهمونه ، فيعملون بالعامّ إلى مجيء المخصّص ، وبالمطلق إلى مجيء المقيّد ، وبالذي سينسخ إلى ورود الناسخ ، ولم يكونوا يتوقّفون لاحتمال ورود المعارض أو المخصّص أو الناسخ أو توقّف الفهم على مقدّمات لم يكونوا يعلمونها.
وهكذا كان الأمر إلى زمان الصادق عليهالسلام فجمع بعض أصحابه بعض الأخبار المتعلّقة ببعض الأحكام ، وكان هو ومن عنده هذا الأصل يعملون به ، مع أنّه لم يستقص فيه مخصّص
__________________
(١) راجع الفوائد المدنيّة : ٥٥ ـ ٥٦ و ١٥٠ ـ ١٥٣.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
