كلّ عامّ فيه ، ومقيّد كلّ مطلق فيه ، ومعارض كلّ خبر فيه ، ولم يكونوا يتوقّفون فيما يفهمون منه حتّى يتأمّلوا في أنّ استنباطهم يتوقّف على أيّ مقدّمات وأيّ علوم ، ولا في العمل حتّى ينظروا في أصل آخر هل فيه مخصّص ، أو معارض ، أم لا؟ مع أنّهم لو نظروا إلى الاصول الأربعمائة ، لأمكن أن لا يظفروا بشيء من ذلك ؛ إذ قد يكون العامّ في كلام الصادق عليهالسلام والمخصّص في كلام القائم عليهالسلام ، وكذا الحال في المعارض ؛ على أنّه لم تكن الأخبار الدالّة في وجوه التراجيح في أكثر الاصول ، وربما كان في أصل خبر ومعارضه ، ومع ذلك يعملون بأحدهما من غير سعي للترجيح ، وكان الأئمّة عليهمالسلام عالمين بأنّهم هكذا يفعلون ولم ينقل من واحد منهم منعهم عن ذلك.
وهكذا كان الأمر إلى زمان تأليف الكافي ، فكان من عنده (١) يكتفي به إلى زمان تأليف الفقيه فكان من عنده أحدهما يكتفي به ، وقد صرّح الشيخان بجواز العمل بما في كتابيهما (٢).
وإذا كان الأمر كذلك ، فنقول : التكليف المستمرّ لم يتغيّر ، فمن كان عنده أحد الكتب الأربعة ، يجوز له الاكتفاء بما يفهمه من أخباره من المناطيق والمفاهيم ، ولا يجب عليه جمع جميعها ، والإحاطة بجميع ما فيها ، ثمّ إن ظهر له مخصّص أو مقيّد ، يعمل بمقتضاهما ، وإن ظهر له معارض ، فإن بلغه وجه واحد من وجوه التراجيح يجري فيه ، وإن بلغه أكثر من واحد يعمل بمقتضاه ، ومع تعارض وجوه التراجيح لا بدّ له من ترجيح واحد أو التخيير ، وإن لم يبلغه شيء من وجوه التراجيح ، فليسأل من الأعلم حتّى يظفر به.
وهكذا حال من اجتمع عنده جميع الكتب الأربعة أو أزيد ، ولا يصحّ له منع من عنده بعضها عن العمل به ، وإيجاب الإحاطة بما لديه ، أو التزامه قبول ما فهمه.
ومنها : الطريقة المستمرّة في المحاورات العرفيّة ، وخطاب الشارع إنّما هو على نحو الخطابات العرفيّة ، ولا ريب أنّه إذا خوطب العارف بلغة بخطاب يراه (٣) يعمل بمقتضى ما
__________________
(١) أي استقرّ الكافي عنده. والمراد : « فمن كان ـ أي الكافي ـ عنده ».
(٢) الكافي ١ : ٦ ، والفقيه ١ : ٢ ـ ٣ : « مقدّمة الكتاب ».
(٣) كذا في النسختين ، والصحيح : نراه يعمل ، أو جملة يراه صفة لخطاب.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
