فيجوز تأخيره ، فيجب أن يقول : هذا العامّ مخصوص وهذا المطلق مقيّد ، وهذا الحكم سينسخ ، ولا يجب تفصيل ما خصّ عنه ، وذكر الصفة التي قيّد بها ، وتعيين وقت النسخ.
وقيل بمثل ذلك في غير النسخ (١) ، وأمّا فيه ، فحكمه حكم المجمل ، فلا يلزم بيانه تفصيلا ولا إجمالا.
لنا : عدم مانع من التأخير وإمكان مصلحة فيه يحسن (٢) لأجلها ، كالعزم وتوطين النفس على الفعل إلى وقت الحاجة ؛ لما عرفت من ترتّب الثواب عليه (٣). ويؤكّده أنّ البيان إنّما يراد ليتمكّن المكلّف من الإتيان بما كلّف به ، فلا حاجة إليه قبل الوقت.
وأيضا لا خلاف في عدم اشتراط قدرة المكلّف على الفعل حال الخطاب ، وإذا جاز تأخير إقداره على الفعل ، فتأخير علمه بتفاصيل بعض صفات الفعل أولى بالجواز.
ولنا أيضا : أنّه لو لم يجز تأخيره زمانا طويلا ، لم يجوز زمانا قصيرا مع أنّه جائز ؛ للإجماع على جواز تأخير القرينة عن وقت التلفّظ بالمجاز بحيث لا يخرج الكلام عن كونه واحدا عرفا. وأنت خبير بإمكان إبداء الفرق بينهما (٤).
ولنا : قوله تعالى : ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ )(٥).
وجه الاستدلال به أنّ « ثمّ » للتراخي ، فيدلّ على جواز تأخير البيان عن المبيّن.
ولنا : أنّه وقع ، والوقوع دليل الجواز.
أمّا الثاني ، فظاهر.
وأمّا الأوّل ، فلأنّه تعالى قال أوّلا في المغنم : ( فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى )(٦) ، ثمّ بيّن أنّ السلب للقاتل. و « ذي القربى » بنو هاشم دون بني اميّة وبني نوفل ، وهذا عامّ تأخّر عنه بيانه ؛ إذ لم يكن معه بيان تفصيلي ـ وهو ظاهر ـ ولا إجمالي ؛ لأنّ الأصل عدمه ، ولأنّه لو اقترن به لنقل ؛ لتوفّر الدواعي عليه.
__________________
(١) نسبه ابن الحاجب إلى الجبائي في منتهى الوصول : ١٤١.
(٢) في « أ » : « يحسّن ».
(٣) في ص ٨٣٦.
(٤) أي الزمانين. وهذا الأمر ـ من ردّ المستدلّ نفسه ما استدلّ به ـ غير معتاد.
(٥) القيامة (٧٥) : ١٩.
(٦) الأنفال (٨) : ٤١.
![أنيس المجتهدين [ ج ٢ ] أنيس المجتهدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1136_anis-almojtahedin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
