لو تمززها العطشان (١) لم ينقع بها.
فآذنوا بالرحيل من هذه الدار المقدر على أهلها الزوال ، الممنوع أهلها من الحياة ، المذللة فيها أنفسهم بالموت ، فلا حي يطمع في البقاء ، ولا نفس إلا مذعنة بالمنون ، فلا يعللكم الامل ، ولا يطول عليكم الامد ، ولا تغتروا منها بالآمال ولو حننتم حنين الوله العجال (٢) ودعوتم مثل حنين الحمام (٣) وجأرتم جأر متبتلي الرهبان (٤) وخرجتم إلى الله تعالى من الاموال والاولاد ، التماس القربة إليه في ارتفاع الدرجة عنده ، أو غفران سيئة أحصتها كتبته ، وحفظتها ملائكته ، لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه ، وأتخوف عليكم من عقابه ، جعلنا وإياكم من التائبين العابدين (٥).
١٠٩ ـ من كتاب عيون الحكم والمواعظ : لعلي بن محمد الواسطي كتبناه من اصل قديم عن أمير المؤمنين عليهالسلام قال : احذروا هذه الدنيا الخداعة الغدارة ، التي قد تزينت بحليها ، وفتنت بغرورها ، وغرت بآمالها ، وتشوفت لخطابها (٦) فاصبحت كالعروس المجلوة ، والعيون إليها ناظرة ، والنفوس بها مشغوفة ، والقلوب إليها تائقة ، وهي لازواجها كلهم قاتلة ، فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر بسوء أثرها
____________________
(١) التمزز : تمصص الشراب قليلا قليلا كأنه يتذوقه ولا يريد أن يشربه والنقع سكون العطش والرى من الماء.
(٢) الوله جمع الوالهة ، يطلق على الناقة اذا اشتد وجدها على ولدها ، والعجال جمع عجلى : الناقة السريعة كأنها تسرع حيارى لتفقد ولدها ولا تجده.
(٣) الحمام : طائر معروف ، والحنين : الانين ، وفي نسخة نهج «دعوتم بهديل الحمام» والهديل صوت الحمام في بكائه لفقد الفه.
(٤) الجؤار والجأر : التضرع والاستغاثة بصوت عال كما يفعله الرهبان المتبتلون المنقطعون للعبادة المتضرعون إليه.
(٥) مجالس المفيد : ١٠٣.
(٦) اى تزينت وتطاولت وتعرضت.
![بحار الأنوار [ ج ٧٣ ] بحار الأنوار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1089_behar-alanwar-73%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

