______________________________________________________
ياسر ألم أتقدم إليك بترك الخلاف علي؟ قال : بلى والله لكن الخطب أجل من ذلك والأمر الذي ندبني إليه أمير المؤمنين وددت أني أكون مت قبل أن يجري على يدي منه شيء ، قال : دع عنك هذا وأنهض لما أمرتك به ، فمضى ياسر حتى دخل على جعفر وهو على حال لهوه فقال له : إن أمير المؤمنين قد أمرني فيك بكيت وكيت فقال له جعفر : إن أمير المؤمنين يمازحني بأصناف من المزاح فأحسب أن هذا جنس من ذلك قال : والله ما رأيته إلا جدا قال : فإن يكن الأمر كما قلت فهو إذن سكران ، قال : لا والله ما فقد من عقله شيئا ولا ظننته شرب نبيذا في يومه مع ما رأيت من عبارته ، قال له : فإن لي عليك حقوقا لن تجد لها مكافأة وقتا من الأوقات إلا هذا الوقت ، قال تجدني إلى ذلك سريعا إلا ما خالف أمر أمير المؤمنين قال : فارجع إليه وأعلمه أنك أنفذت ما أمر به ، فإن أصبح نادما كانت حياتي على يديك جارية ، وكانت لك عندي نعم مجددة ، وإن أصبح على مثل هذا الرأي أنفذت ما أمرك به في غد قال : ليس إلى ذلك سبيل ، قال : فأسير معك إلى مضرب أمير المؤمنين حتى أقف بحيث أسمع كلامه ومراجعتك إياه ، فإذا أبليت بيني وبينك (١) عذرا فإن لم يقنع إلا بمصيرك إليه برأسي خرجت فأخذت رأسي من قرب ، قال له : أما هذا فنعم.
فصارا جميعا إلى مضرب الرشيد فدخل عليه ياسر فقال له : قد أخذت رأسه يا أمير المؤمنين وها هو بالحضرة قال : ائتني به وإلا والله عجلتك قبله ، فخرج وقال له : سمعت الكلام؟ قال : نعم فشأنك وما أمرت به ، وأخرج جعفر من كمه منديلا صغيرا فعصب به عينيه ومد عنقه فضربها وأدخل رأسه إلى الرشيد ، فلما وضعه بين يده أقبل عليه وجعل يذكره بذنوبه ثم قال : يا ياسر ائتني بفلان وفلان ، فلما أتاه بهم قال اضربوا عنق ياسر فإني لا أقدر أن أنظر إلى قاتل جعفر.
قال المسعودي : وكانت مدة دولة البرامكة وسلطانهم وأيامهم النظرة الحسنة
__________________
(١) وفي المصدر « فإذا أبديت عذرا ولم يقنع ... اه ».
![مرآة العقول [ ج ٦ ] مرآة العقول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1020_meratol-oqol-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
