وأغلظ منها ، فوقعت على ذلك الجبل ، ومدت رأسها تصطاد الحيتان من الماء فوق رأسي فأيقنت بالهلاك وتضرعت إلى الله تعالى فرأيت عقربا يدب على ظهر الافعى فلما وصل إلى دماغها لسعتها بابرته ، فاذا لحمها قد تناثر عن عظامها ، وبقي عظم ظهرها واضلاعها كالسلم العظيم الذي له مراقي يسهل الصعود عليها.
قال : فرقيت على تلك الاضلاع حتى خرجت إلى الجزيرة شاكرا لله تعالى على ما صنع فمشيت في تلك الجزيرة إلى قريب العصر ، فرأيت منازل حسنة مرتفعة البنيان إلا أنها خالية لكن فيها آثار الانس.
قال : فاستترت في موضع منها فلما صار العصر رأيت عبيدا وخدما كل واحد منهم على بغل فنزلوا وفرشوا فرشا نظيفة ، وشرعوا في تهيئة الطعام ، وطبخه ، فلما فرغوا منه رأيت فرسانا مقبلين ، عليهم ثياب بيض ، وخضر ، ويلوح من وجوههم الانوار فنزلوا وقدم إليهم الطعام.
فلما شرعوا في الاكل قال أحسنهم هيئة ، وأعلاهم نورا : ارفعوا حصة من هذا الطعام لرجل غائب ، فلما فرغوا ناداني يا فلان بن فلان أقبل فعجبت منه فأتيت إليهم ، ورحبوا بي فأكلت ذلك الطعام ، وما تحققت إلا أنه من طعام الجنة فلما صار النهار ركبوا بأجمعهم ، وقالوا لي : انتظر هنا ، فرجعوا وقت العصر وبقيت معهم أياما فقال لي يوما ذلك الرجل الانور : إن شئت الاقامة معنا في هذه الجزيرة أقمت ، وإن شئت المضي إلى أهلك ، ارسلنا إلى معك من يبلغك بلدك.
فاخترت على شقاوتي بلادي فلما دخل الليل أمر لي بمركب وأرسل معي عبدا من عبيده ، فسرنا ساعة من الليل وأنا أعلم أن بيني وبين أهلي مسيرة أشهر وأيام ، فما مضى من الليل قليل منه إلا وقد سمعنا نبيح الكلاب ، فقال لي ذلك الغلام : هذا نبيح كلابكم ، فماشعرت إلا وأنا واقف على باب داري فقال : هذه دارك انزل إليها.
فلمانزلت ، قال لي : قد خسرت الدنيا والآخرة ، ذلك الرجل صاحب
![بحار الأنوار [ ج ٥٣ ] بحار الأنوار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1016_behar-alanwar-53%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

