جواهر الكلام - ج ٣٥

الشيخ محمّد حسن النّجفي

جواهر الكلام - ج ٣٥

المؤلف:

الشيخ محمّد حسن النّجفي


المحقق: الشيخ محمود القوچاني
الموضوع : الفقه
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٥٥
  نسخة غير مصححة

١

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( كتاب الإقرار )

بمعنى الاعتراف في الصحاح وعن مجمع البحرين ، والإذعان للحق عن القاموس ، وفي المسالك والإسعاد لبعض الشافعية الإثبات من قولك : قر الشي‌ء يقر إذا ثبت ، وأقررته إذا أفدته القرار.

وعلى كل حال فهو ليس من العقود والإيقاعات ، لأنه ليس بإنشاء ، إلا أنه لما كان مشابها للإيقاع في الجملة ذكره المصنف فيها ، ولذا عرفه في الوسيلة بأنه « إخبار بحق على نفسه » ، وفي النافع والدروس « إخبار عن حق لازم له » وفي الإيضاح « إخبار عن حق سابق للغير ونفيه لازم للمقر » وفي الروضة « إخبار عن حق سابق على وقت الصيغة » وفي القواعد « إخبار عن حق سابق لا يقتضي تمليكا بنفسه ، بل يكشف عن سبقه » إلى غير ذلك من كلماتهم التي لاحظوا فيها التمييز في الجملة.

ولعل الأولى من ذلك إيكاله إلى العرف الكافي في مفهومه ومصداقه ، وفي الفرق بينه وبين الشهادة والدعوى والرواية والترجمة ، وأنه لا فرق فيه بين الإثبات

٢

والنفي كالإقرار بالإبراء ونحوه الذي لاحظه الفخر ، بل ولا بين الأعيان والمنافع والحقوق كحق الخيار والشفعة ونحوهما ، بل ولا بين حقوق الناس المستلزمة للمقر له وبين حقوق الله تعالى كالإقرار بشرب الخمر ونحوه ، بل لعل تعريفه بالأعم في كتب اللغة والأصحاب للإشارة إلى إيكاله إلى العرف الذي لم يتغير فيه.

والأصل في شرعيته بعد الإجماع من المسلمين أو الضرورة السنة (١) المقطوع بها من طرق العامة والخاصة التي ستسمع بعضها ، بل في الكتاب العزيز ما يدل على اعتباره في الجملة ، نحو قوله تعالى (٢) ( أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي؟ ( قالُوا : أَقْرَرْنا ) ـ ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) (٣) ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) (٤) ( كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) (٥) الذي هو كالنبوي (٦) « قولوا الحق ولو على أنفسكم » وخبر جراح المدائني (٧) عن الصادق عليه‌السلام « لا أقبل شهادة الفاسق إلا على نفسه » وغيرهما مما هو دال على ذلك أيضا ، مضافا إلى النبوي المستفيض أو المتواتر (٨) « إقرار العقلاء على أنفسهم جائز » ومرسل عطار (٩) عن الصادق عليه‌السلام « المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمنا » والنصوص

_________________

(١) الوسائل الباب ـ ٣ ـ من كتاب الإقرار وسنن البيهقي ج ٦ ص ٨٣ و ٨٤.

(٢) سورة آل عمران : ٣ ـ الآية ٨١.

(٣) سورة التوبة : ٩ ـ الآية ١٠٢.

(٤) سورة الأعراف : ٧ ـ الآية ١٧٢.

(٥) سورة النساء : ٤ ـ الآية ١٣٥.

(٦) البحار ج ٧٧ ص ١٧١ وفيه « قل الحق ولو على نفسك ».

(٧) الوسائل الباب ـ ٦ ـ من كتاب الإقرار الحديث ١.

(٨) الوسائل الباب ـ ٣ ـ من كتاب الإقرار الحديث ٢ والمستدرك الباب ـ ٢ ـ منه الحديث ١.

(٩) الوسائل الباب ـ ٣ ـ من كتاب الإقرار الحديث ١.

٣

المتفرقة في الأبواب التي منها الأخذ به في الحد بالزنا (١) وغيره ومنها إقرار بعض الورثة بالدين (٢) وإقرار المريض (٣) وغير ذلك.

( و ) كيف كان فـ ( النظر ) فيه يكون ( في الأركان واللواحق ، وأركانه ) غالبا ( أربعة ) صيغة ومقر ومقر له ومقر به ، إذ قد يحتاج إلى مقر له كالإقرار بما يوجب الحد ، اللهم إلا أن يقال : إن الحق حينئذ لله تعالى وإقرار له به ، والأمر سهل.

_________________

(١) الوسائل الباب ـ ١٦ ـ من أبواب حد الزنا.

(٢) الوسائل الباب ـ ٥ ـ من كتاب الإقرار الحديث ١.

(٣) الوسائل الباب ـ ١ ـ من كتاب الإقرار.

٤

( الأول : )

( في الصيغة )

(وفيها مقاصد )

( الأول : )

( في الصيغة الصريحة ، وهي اللفظ المتضمن للاخبار عن حق واجب ، كقوله لك علي أو عندي أو في ذمتي أو ما أشبهه ) وفي المسالك « الإقرار عبارة عن الصيغة المخصوصة ، فتعريفها يقتضي تعريفه ، فكان قوله : « وهي اللفظ » إلى آخره تعريفا له ، كما صرح به غيره » وأنكر عليه ذلك في مجمع البرهان ، وقال : « ليست هي الإقرار بل هو الإخبار والتلفظ بها الذي هو مدلولها كما قال المصنف هنا وفي التذكرة وغيرها ، نعم قد يطلق عليها الإقرار أيضا باعتبار تسمية الدال باسم المدلول.

قلت : لا ريب في ظهور كلماتهم في أن الإقرار من مقولة الألفاظ وإن كان من حيث مدلولها ، لا أنه من المعاني المستقلة في نفسها التي مما يدل عليها الصيغة المزبورة نحو الأمر والنهي ، ضرورة عدم صدق الإقرار مع عدم التلفظ بالصيغة ، بخلاف الأمر الذي هو للطلب المدلول عليه بالصيغة أو غيرها.

بل لعل التأمل الجيد في كلامهم يقتضي عدم صدق الإقرار على الإشارة الفعلية الدالة على الاعتراف بالحق ، لعدم صدق الاخبار عليها حقيقة وإن لحقها حكم

٥

الإقرار ، اللهم إلا أن يراد من الاخبار في كلامهم مطلق ما يفيد الاعلام بقول أو فعل ، إلا أنه كما ترى ، وحينئذ فيراد من صيغة الإقرار اضافة البيان لا مثل صيغة البيع الذي هو بمعنى النقل الحاصل بالصيغة وغيرها ، ولعل هذا هو مراد ثاني الشهيدين. وعلى كل حال فالأمر سهل.

نعم قال فيها : « وأراد بالواجب معناه اللغوي ، وهو الثابت ، فيخرج به الاخبار عن حق مستقبل ، فإنه ليس إقرارا وانما هو وعد أو ما في معناه ، وبهذا يستغنى عما عبر به غيره من قوله : « عن حق سابق » وتناوله للحق المؤجل أظهر من تناول السابق له ، لأنه أمر ثابت الان وإن كان استحقاق المطالبة به مستقبلا ويمكن اندراجه في السابق أيضا من حيث إن أصل الحق سابق وانما المستقبل المطالبة به ، وتأخر استحقاق المطالبة أمر خارج عن الإقرار ، لأنه عبارة عن التأجيل ، وذكره في الإقرار بالحق ليس إقرارا ، وإنما هو دفع لما لزم من الاخبار بأصل الحق ، ومن ثم يقبل الإقرار بالحق لا بالأجل ، كما سيأتي » وقد سبقه الى ذلك الكركي في جامعه.

لكن في مجمع البرهان « في عدم كون الإقرار إلا بحق سابق تأمل ، فإن ذلك غير منقول من الشارع ، بل مجرد اصطلاح نجده في بعض كتب الأصحاب ، بل الذي يفهم من ظاهره أعم من ذلك ، ولذلك تراهم يطلقونه على غير ذلك أيضا وهو ظاهر ، الا أنه يمكن أن يقال : الأصل براءة الذمة وعدم لزوم شي‌ء ، والذي علم كونه إقرارا يلزم به ذلك ، وغيره لم يعلم بل ولا يظن بحيث يكون معتبرا ومخرجا للأصل عن أصله ، فيبقى تحت النفي ، فتأمل. فالمعلق بمنزلة وعد بلزوم شي‌ء له بشرط كذا ، ولا دليل على لزومه إذ الأصحاب لم يقولوا بوجوب الوفاء بالوعد على ما يظهر وان كان ظاهر بعض الايات (١) والأخبار (٢) وجوب الوفاء بالوعد ، الا أن في كون ذلك وعدا صريحا أيضا تأملا ، ودخوله

_________________

(١) سورة التوبة : ٩ ـ الآية ٧٧.

(٢) الوسائل الباب ـ ١٠٩ ـ من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج.

٦

« تحت المسلمون » (١) غير ظاهر ، وبالجملة الأصل دليل قوي ، والخروج عنه يحتاج إلى دليل أقوى ».

قلت : لا يمكن إنكار صدق الإقرار على الحقوق المعلقة بنذر أو عهد أو يمين على شي‌ء متوقع أو معلوم الحصول ، فإذا أقر مثلا أن لزيد عليه مائة درهم إذا عوفي مريضه بنذر أو عهد أو يمين أو إذا جاء شهر كذا ونحو ذلك مما هو ليس كالمؤجل بل أصل الاستحقاق متوقف على أمر مستقبل لوقوعه بسبب تقبل ذلك كان إقرارا ، وإنكار صدق الإقرار عليه أو عدم جريان حكمه عليه من المنكرات التي لا تسمع من مدعيها ، اللهم الا أن يقال إنه حق سابق باعتبار تقدم السبب أو قصده على استحقاق المقر له ولو على وجه الشرط ، إلا أن ذلك كما ترى.

نعم من هذا وغيره يظهر أن مرادهم في التعريف التمييز في الجملة لا مطلق الإقرار ، بل صريح كلماتهم تحقق الإقرار بمضمون « له علي » ونحوه ، ومما يؤيد ذلك تسالمهم في سائر أبواب الفقه في النكاح وغيره على إجراء حكم الإقرار على كل من المدعي والمنكر ، وأن كلا منهما يؤخذ بإقراره ، ولا ريب في عدم صدق الإقرار بحق سابق على مثل إنكار الزوج أو الزوجة الزوجية ، ولا على مثل إنكار البائع المبيع أو المشتري الشراء ، ولا على مثل اعتراف الحاكم مثلا بإنشاء الحكومة لزيد على عمرو ، ونحو ذلك مما لا ينكر عدم صدق كونه إخبارا بحق سابق لازم على المقر للمقر له ، مع أنه إقرار قطعا ، فيعلم من ذلك كله أنه ليس المراد من هذا التعريف الطرد والعكس ، بل إنما هو تعريف لبعض أفراد الإقرار.

بل من ذلك يظهر لك زيادة قوة لما ذكرناه من أن إيكال الإقرار إلى العرف أولى من التعرض لتحديده ، فإنه الذي يميز بين أفراده ، حتى أنه في القضية الواحدة يجعل قائلها مدعيا من جهة ومقرا من جهة أخرى ، ولعل ما ذكره في الصحاح من أن الإقرار الاعتراف أولى من هذه التعاريف ، فتأمل جيدا ، فإنه

_________________

(١) الوسائل الباب ـ ٤ ـ من أبواب المكاتبة.

٧

تحقيق نافع ، والله العالم.

( و ) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه ( يصح الإقرار بغير العربية ) من العربي وغيره ، بل الإجماع بقسميه عليه ، لتناول الإقرار للجميع ، بل عن المفاتيح الإجماع على ذلك ( اضطرارا أو اختيارا ) بخلاف العقد والإيقاع ، نعم يعتبر العلم بالوضع ، فلو لم يعلم العربي مثلا مؤدى اللفظ لم يقع قطعا ، بل لو ادعى عدم العلم وكان ذلك ممكنا في حقه قبل عملا بالظاهر وأصالة عدم تجدد علمه بغير لغته ، ولا فرق بعد دلالة اللفظ على ما يفيد الإقرار بين كونه على القانون العربي مادة وهيئة أولا ضرورة كون المدار على حصول مسمى الإقرار المعلوم عدم اعتبار ذلك فيه ، بخلاف العقود والإيقاعات التي هي أسباب لحصول مسبباتها لا كواشف عن أسباب ، كالإقرار الذي هو إخبار عن حصول السبب ، فيكفي فيه ما يكفي في الاخبار من غير فرق في ذلك بين الحقيقة اللغوية والعرفية والمجاز ، ضرورة كون المدار على اللفظ الدال بنفسه أو بقرينة على ما يفيد الإقرار.

( و ) من الغريب دعوى بعض الناس ظهور كلمات الأصحاب في اشتراط كون صيغة الإقرار حقيقة عرفا أو لغة.

نعم لا خلاف بينهم في اشتراط التنجيز لما فيه من كونه إخبارا عن حق ثابت ، وهو لا يقبل التعليق المقتضي لعدم وقوع المعلق قبل وقوع المعلق عليه. فـ ( لو قال : لك علي كذا إن شئت أو إن شئت ) بضم التاء أو فتحها ( لم يكن إقرارا وكذا لو قال : إن قدم زيد ، وكذا إن رضي فلان أو إن شهد ) أو نحو ذلك لاشتراك الجميع في التعليق المنافي للاخبار وإن كان على صفة يتحقق وقوعها ، وليس هذا نحو تعقيب الإقرار بما ينافيه الذي يؤخذ ببعضه ويترك الآخر ، ضرورة كون الشرط والجزاء كلاما واحدا ، لكون الحكم بينهما لا في كل واحد منهما ، ولا في الجزاء فقط والشرط حرف كما عن بعض أهل العربية.

كما أنه لا يخفى عليك الفرق بين المقام وبين ما ذكرناه سابقا من الإقرار بالحق المستقبل المعلق على شي‌ء ، فإنه ليس إقرارا مطلقا ، بل هو إقرار بالحق

٨

المعلق بمقتضى السبب المتعلق به ، كما هو واضح.

( ولو قال : إن شهد لك فلان فهو صادق لزمه الإقرار في الحال ، لأنه إذا صدق لزمه ( وجب خ ل ) الحق وإن لم يشهد ) كما هو خيرة الشيخ في المحكي عن مبسوطة ، وابن سعيد في المحكي عن جامعه ، وخيرة الفاضل في جملة من كتبه ، بل عن فخر الإسلام عن والده نسبته إلى الأصحاب وإن كنا لم نتحققه لغير من عرفت ، ووجهه ما أشار إليه المصنف من أنه إذا صدق على تقدير الشهادة لزمه الحق ، لوجوب مطابقة الخبر الصادق لمخبره في الواقع ، فيكون في ذمته على ذلك التقدير ، ومن المعلوم أنه لا دخل للشهادة في ثبوت المقر به في الذمة في نفس الأمر ، فيثبت حينئذ مطلقا ، إذ الصدق مطابقة نسبة الخبر للنسبة الخارجية ، فلا بد من تحقق النسبة الخارجية في تحقق الصدق على تقدير الشهادة.

وبالجملة الشهادة ليست سببا محصلا ، بل السبب المقتضى لشغل الذمة أمر آخر من بيع أو قرض أو نحوهما ، فإذا حكم بالصدق على تقدير الشهادة فقد حكم بثبوت سبب يقتضي شغل الذمة ، ومع ثبوته يجب الحكم على تقدير الشهادة وعدمه ، لما عرفت من أن المقتضي للشغل غير الشهادة.

وأيضا المال إما أن يكون ثابتا في ذمته أو لا ، والثاني باطل لاستلزامه كذب الشاهد على تقدير الشهادة ، لأنه خبر غير مطابق ، لكنه حكم بصدقه على تقديرها ، فيكون مخالفا للفرض ، فيتعين الأول ، وأيضا يصدق « كلما لم يكن المال ثابتا في ذمته لم يكن صادقا على تقدير الشهادة » وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا : « كلما كان صادقا على تقدير الشهادة كان المال في ذمته » لكن المقدم حق لإقراره ، فإنه حكم بصدقه على تقدير الشهادة فالتالي مثله ، إلى غير ذلك مما قرر في وجه الحكم المزبور.

فما في غاية المراد ـ من توقف الطلبة فيه باعتبار أن استثناء نقيض المقدم ينتج نقيض التالي ، فيكون التقدير « لكنه لم يشهد فلا يكون صادقا » ـ واضح

٩

الفساد بعد ما عرفت من توجيهه ، ولذا قال فيها بعد أن حكى ذلك عنهم : « وهو خطأ ، لأنه عقيم ».

وكذلك ما في حاشية الكركي على الكتاب من أنه « خفي وجه هذه المسألة على كثير من الطلبة نظرا إلى أن الاستثناء هل هو لعين المقدم أو لنقيض التالي؟ ثم كيف يلزم المال المعلق لزومه على شهادة لم تحصل!؟ » ضرورة أنه لا وقع لشي‌ء من ذلك بعد الإحاطة بما ذكرناه.

نعم أشكله في غاية المراد بأن تعليق الصدق على شهادته يوجب توقفه عليها ، لضرورة التعلق ، وشهادته وإن كانت ممكنة في نفس الأمر فإنها قد تكون ممتنعة بالنظر إلى المقر ، والمعلق على الممتنع ممتنع ، وبأن التعليق مبطل للإقرار وإن كان المعلق عليه ممكنا ، لأن الواجب لا يقبل التعليق ، ولو كان لإمكان الشهادة مدخل في الثبوت لم يكن فرق بين التعليقات مع كونها ممكنة ، ولأن لفظة « فهو صادق » في قوة « فله علي » وهذه العبارة لا تلزم ، فكذا الأخرى.

وتبعه عليه الكركي وثاني الشهيدين وغيرهما ، لظهور كون المراد من مثل هذه العبارة في محاورات الناس أنه من الممتنع شهادة الشخص المزبور ، لامتناع الكذب عليه ، لا أن المراد الاعتراف بصدقه على تقدير الشهادة ، نحو قول أحدهم : « إن شهد فلان أني لست لأبي فهو صادق » ولا يريد إلا ما سمعته ، للقطع بعدم تصديقه على كونه ليس لأبيه.

بل في المسالك « لا يخرج بذلك عن التعليق ، بل هو أدنى مرتبة منه ، فإنه إذا قال : « له علي كذا إن شهد به فلان » لا يكون إقرارا اتفاقا ، مع أنه صريح في الاعتراف بالحق على تقدير الشهادة والإقرار في مسألة النزاع إنما جاء من قبل الالتزام ، فلأن لا يكون إقرارا أولى ، وما ذكر في توجيه الإقرار وارد في جميع التعليقات ، فإنه يقال : ثبوت الحق على تقدير ثبوت الشرط يستلزم ثبوته الان ، إذ لا مدخل للشرط في ثبوته في نفس الأمر » إلى آخر ما قيل في الدليل ، وإن كان هو كما ترى ، ضرورة أن التعليق في مسألة النزاع بيان لحكم الشهادة

١٠

على تقديرها ، بخلاف غيرها الذي هو تعليق محض.

فالعمدة حينئذ في الإشكال عدم ظهور العبارة المزبورة في إرادة الإقرار على الوجه المزبور ، بل لعل الظاهر منها خلاف ذلك ، ولا أقل من الشك والأصل براءة الذمة ، خصوصا بعد ما في مجمع البرهان من احتمال أن القائل المزبور لم يعرف صحة ما ادعى عليه وعدمها ، فيقول : أنا أعرف صدق هذا الشخص ، فان شهد فهو صادق وإن أعطى المدعى لإمكان لزومه لي حينئذ من غير شعور لي بسبب جناية من غير اختيار أو استقراض وكيلي أو نحو ذلك ، واحتمال كون المراد ثبوت ذلك في ذمته قبل شهادته ، ولم يكن حين الإقرار ، فيكون الشهادة بعد ذلك صدقا وحقا ، فلا يدل على ثبوت الحق قبل الإقرار ، بل قبل الشهادة ، فإن الصدق يستدعي ثبوت ما يشهد به قبلها لا قبل الإقرار ، ويكون إقراره بالصدق حينئذ لمعرفته بصدقه بعدها لا لعلمه بوقوع المخبر به في نفس الأمر ، نحو ما يقول من لا يعلم بشي‌ء في ذمته : « إنه لو قال المعصوم بأن ذمتك مشغولة فهو صادق » وليس هذا إقرارا بالعلم بما يقوله قبل قوله ، بل لا علم له بذلك إلا من قوله ، فلو لم يقل لم يلزمه القول به ، ولا قبله على تقدير القول.

ولعله لذا قال الفاضل في المحكي عن تذكرته بعد أن بالغ في ترجيح ما سمعته من الشيخ : « حتى لو قال زيد الذي علق الصدق على شهادته : لا أشهد وأن المدعى كاذب أو أني أشهد ببراءته ، والأقرب أنه إن ادعى عدم علمه بما قال وأن المقر له لا يستحق في ذمته شيئا وأنه توهم أن فلانا لا يشهد فان كان مما يخفى عليه ذلك قبل قوله ، وحمل على التعليق ، وكان لغوا » وإلى ذلك أشار فخر الإسلام فيما حكاه عن والده « أن المقر إن كان عارفا بهذه الملازمة العقلية لزمه الإقرار وإلا فلا ـ ثم قال ـ : وهو الأصح عندي ».

قلت : لا يخفى عليك مقامات هذه العبارة ، فقد تصدر ممن يريد الالتزام بالحق والاعتراف به ، فيقول : إن شهد على ذلك فهو صادق ، أي لأن الواقع كما

١١

شهد ، فهو في الحقيقة بمنزلة أن يقول لمن شهد عليه فعلا : « هو صادق » كما اعترف به في المسالك في أول كلامه ، وبمنزلة من كان مطلعا مثلا على قيام زيد ، فيقول : « كل من يخبر بقيامه فهو صادق » وإن أخبر به زيد فهو صادق ونحو ذلك.

وقد تصدر هذه العبارة ممن يعلم ببراءة ذمته وأنه لا يقبل فيها شهادة شاهد ولا خبر مخبر ، فيريد من هذا التركيب شبه التعليق على محال ، وهذا المقام غالبا يجرى بين المتخاصمين.

وقد تصدر من الشاك فيريد بها بيان أني أعلم صدق ذلك بشهادة زيد ، وغير ذلك من المقامات التي لا تخفى على من له أدنى خبرة بالمحاورات.

نعم قد يقال إنها مع قطع النظر من سائر المقامات تستلزم الإقرار بالحق باعتبار ظهور الحكم بالصدق في معلومية الواقع لديه ، وهو لا يختلف بالشهادة وعدمها ، وحينئذ يكون التعليق فيها بمعنى أنه إن شهد كان متصفا بالصدق وإن لم يشهد به لم يكن متصفا به ، ضرورة تبعية الصدق للاخبار بالواقع لا للواقع نفسه وإن لم يخبر به ، وحينئذ فالواقع واقع لا يتغير بشهادته وعدمها ، ولكن الاتصاف بالصدق يدور مدار الشهادة وعدمها ، فمن الغريب إطناب ثاني الشهيدين تبعا للشهيد في أن المقام كباقي صور التعليق.

وأغرب منه دعوى إرادة التعليق على المحال من هذا التركيب على كل حال ومثله دعوى احتمالها كذلك لمحتملات متعددة ، ضرورة أنه لا ينكر ظهور الحكم بالصدق لمن أخبر به فعلا أو لمن يقدر إخباره به في اطلاع الحاكم إلى الواقع وانكشافه لديه ، ولذا حكم بصدق من يخبر به.

ومن ذلك كله يظهر لك الوجه فيما ذكره الشيخ والمصنف من الفرق بين تعليق الإقرار على شهادة زيد مثلا وبين تعليق الوصف بالصدق ، وأن الثاني من لوازمه الإقرار بالحق بخلاف الأول ، بل ويظهر لك ما في كثير من الكلمات في المقام

١٢

التي ذكرناها وغيرها ، فتأمل جيدا.

ومما ذكرنا قد ظهر لك عدم الفرق بين العبارة المزبورة وبين قوله : « إن شهد علي شاهد بذلك فهو صادق » بل في القواعد والمسالك أن مثله « فهو صحيح » أو « حق » وهو كذلك بناء على إرادة ما يساوى الصدق منه نعم لو قال : « إن شهد لك صدقته » أو « لزمني » أو « أديته » لم يكن مقرا ، لعدم الملازمة بين التصديق والحكم بالصدق الذي هو إخبار عن الواقع وما في نفس الأمر لأن الكذب والصدق بحسب نفس الأمر ونحوه قوله : « لزمني » بعد معلومية عدم لزوم الحق بشهادة الواحد ، فالمراد منه الوعد بالتزام الأداء وأصرح منهما في الوعد قوله : « أديته » كما هو واضح ، بل وكذا لو قال : « فهو عدل » أو نحو ذلك مما لا ظهور فيه في الاعتراف بكون الواقع كما يشهد.

( و ) كيف كان فلا خلاف بل ولا إشكال في أن ( إطلاق الإقرار بالموزون ) من أهل بلد مخصوص ( ينصرف إلى ميزان ) تلك ( البلد ) إذ كان فيها ، لأن ألفاظ الإقرار كغيرها في الحمل على المتعارف إن كان ، وإلا فعلى اللغة. ( وكذلك ) الكلام في ( المكيل. ) بل ( وكذا إطلاق ) النقدين من ( الذهب والفضة فينصرف إلى النقد الغالب ) من المشكوك ( في بلد الإقرار ) إذا كان المقر من أهله ، من غير فرق بين المغشوش وغيره والناقص وغيره. وأما لو قال : « له عندي وزن درهم فضة » أو « مثقال ذهب » فلا يجب حمله على النقد الغالب ، وهو المسكوك ، بل يعتبر فيه مصداقهما ولو من غير المضروب.

بل في المسالك « ويفارق النقد الغالب أيضا في أنه يعتبر خلوصه من الغش ، بخلاف النقد ، فإنه يحمل على المتعارف وإن كان مغشوشا ، لأن ذلك هو المفهوم منهما ».

وفيه ما لا يخفى من عدم اعتبار ذلك فيه أيضا إذا كان المغشوش متعارفا في تلك البلد ، نحو ما يأتي من ذهب أهل الجزية ، ضرورة اتحاد المدرك في الجميع

١٣

من وجوب حمل اللفظ على المفهوم منه عرفا وإلا فلغة.

نعم قد يظهر من المصنف اعتبار بلد الإقرار وإن تعارف في بلد المقر غيره ، وفيه منع ، بل الظاهر اعتبار بلد المقر كما عن جماعة التصريح به وإن أقر في بلد تعارف فيها غير ما في بلده إلا مع القرائن.

( ولو كان نقدان غالبان أو وزنان مختلفان وهما في الاستعمال سواء رجع في التعيين إلى المقر ) بلا خلاف أجده فيه وإن عين في الناقص لأصالة البراءة من الزائد ، ولو تعذر الرجوع إليه حمل على الأقل ، لأنه المتيقن.

وظاهر تقييد المصنف وغيره بالسواء يقتضي أنه لو كان بعض النقد أو الوزن غالبا في المعاملة حمل الإطلاق عليه ، كما صرح به بعضهم أيضا ، وفيه منع واضح إذا لم تكن الغلبة في الاستعمال تورث ظنا بالمراد من الإطلاق على وجه يكون هو المفهوم منه عرفا.

نعم لا إشكال في اعتبار التعدد في الرجوع إليه في التعيين ، ضرورة انسياق المتعارف من اللفظ مع الاتحاد ، ولكن في مجمع البرهان « لا يبعد القبول أيضا ، لأنه يمكن أن يريد غير المتعارف في البلد وإن كان خلاف الظاهر » وفيه مالا يخفى مع التعيين منفصلا ، لكونه منافيا لما ثبت عليه بظاهر اللفظ الذي هو حجة شرعية ، فهو حينئذ كالإنكار بعد الإقرار ، وستسمع تمام الكلام في ذلك عند تعرض المصنف له في المقصد الثاني ، والله العالم.

( ولو قال : له علي درهم ) لزمه درهم واحد وإن كرر إلى المأة مثلا ، بلا خلاف ولا إشكال ، لاحتمال إرادة التأكيد احتمالا مساويا لعدمه أو راجحا ، والأصل براءة الذمة.

نعم لو قال ( ودرهم لزمه اثنان ) بلا خلاف ، بل في المسالك ظاهرهم الاتفاق عليه ، لأن العطف يقتضي المغايرة ، فلا يحتمل التأكيد ، واحتمال عدم

١٤

معرفته بالقانون العربي أو إرادة درهم آخر لزيد ونحوه لا يلتفت إليه بعد تبادر التعدد إلى الذهن ، فلا يلتفت إلى الاحتمال البعيد. ( وكذا ) الكلام فتوى ودليلا لو قال ( ثم درهم. )

بل في المتن والتحرير والدروس والمسالك ومحكي المبسوط وتعليق الإرشاد ، ( أو قال : درهم فدرهم ) لمساواته للأولين في العطف المقتضى للمغايرة وعدم التأكيد ، وأما احتمال « فدرهم لازم لي » ونحوه لمجي‌ء الفاء غير عاطفة فبعيد لا ينافي الحكم بالظاهر ، خلافا للفاضل في قواعده وإرشاده وولده في المحكي من شرحه له ، فلا يلزمه إلا واحد.

بل عن المبسوط « أنه لا خلاف فيه ، لمجي‌ء الفاء غير عاطفة ، والأصل براءة الذمة » وفيه أن الاحتمال لا ينافي الظهور الذي هو مدار الحكم ، وإلا لجرى نحوه في الصورتين الأولتين اللتين وافق فيهما الخصم ، ضرورة إمكان مثل هذا الاحتمال بإضمار ونحوه فيهما ، هذا.

ولكن في المسالك تبعا لما عن التحرير والدروس « أنه قال : « أردت فدرهم لازم لي » اتجه قبول قوله بيمينه لو خالفه المقر له » بل ربما جعل بعض الناس هذا جمعا بين الكلمة ، فيحتمل كلام المصنف على ما إذا لم يقل ذلك ، وكلام الفاضل على ما إذا قال.

وفيه منع القبول مع فرض انفصال القول وتبادر التعدد من اللفظ المزبور ، لأنه من تعقيب الإقرار بما ينافيه ولو من حيث الظهور المزبور ، وإلا لم يحكم بالدرهمين وإن لم يقل ، لأصالة البراءة ، وفرض تساوى احتمال العطف وغيره ، وربما تسمع لذلك زيادة تحقيق إنشاء الله.

ولو قال : « درهم ودرهمان » لزمه ثلاثة ، لامتناع التأكيد وبعد احتمال غير العطف ، وكذا لو قال : « درهم ودرهم ودرهم » لزمه ثلاثة ، بل كل ما زاد زاد ، لما عرفته من ظهور العطف.

لكن في القواعد والإرشاد وغيرهما أنه لو قال : « أردت بالثالث تأكيد الثاني »

١٥

قبل ، ولو قال : أردت تأكيد الأول لم يقبل ، ولعله لصلاحية تأكيد الثاني بالثالث لفظا بتكرر حرف العطف ، بخلاف الأول الخالي منه ، فلا يصلح الثالث المشتمل عليه تأكيدا له لفظا فضلا عن عدم صلاحيته له معنى ».

لكن قد يناقش بنحو ما سمعته من منافاة القول المزبورة للظهور مع فرض الانفصال ، فلا يسمع وإلا لم يحكم بالثلاثة وإن لم يقل ، لأصالة البراءة مع فرض تساوى الاحتمال.

وكذا تجب الثلاثة لو قال : « درهم ودرهم ثم درهم » أو « درهم ثم درهم ودرهم » لامتناع احتمال التأكيد اللفظي ، بل عن التحرير والدروس « وكذا درهم ودرهم فدرهم » وهو كذلك بناء على عدم الاعتداد باحتمال مجيئها لغير العطف ، هذا كله إذا عبر بما سمعت من التعبير المزبور.

( أما لو قال : ) له علي درهم ( فوق درهم ) أو تحت درهم أو فوقه درهم أو تحته درهم ( أو مع درهم ) أو معه درهم لزمه درهم واحد بلا خلاف أجده فيه ، بل لم يحك عن أحد منا التعبير بما لا يقتضي الجزم بذلك إلا الفاضل في محكي التذكرة ، فعبر بالأقرب ، ولعله لأن الأصل براءة الذمة بعد تساوى احتمال إرادة الإقرار بالزائد ، واحتمال إرادة درهم لي أو فوقه في الجودة وتحته في الرداءة ، بل في المتن والدروس لو قال ذلك ( أو ) قال ( قبل درهم أو بعده لزمه درهم واحد. ) بل في محكي المبسوط أنه أقوى ، كالمسالك وجامع المقاصد أنه أصح ، ولعله ( لاحتمال ) إرادة له درهم قبل وجوب درهم لعمرو ، أو مضروب قبل درهم احتمالا مساويا لاحتمال إرادة الإقرار ، فهو حينئذ كاحتمال ( أن يكون أراد ) في المثال السابق ( مع درهم لي ) والأصل براءة الذمة ( فيقتصر على المتيقن. )

خلافا للفاضل في القواعد ، فقال : يلزمه درهمان ، ولعله لأن القبلية والبعدية يرجعان الى الزمان ، ولا يتصف بهما نفس الدرهم ، فلا بد من رجوع التقدم والتأخر

١٦

إلى المقر ، وليس ذلك إلا الوجوب عليه.

وأجيب بأنهما كما يكونان بالزمان يكونان بالمزية والرتبة ونحوهما ، بل لو سلم اختصاصهما بالزمان جاز رجوعهما الى غير الوجوب ، بأن يريد درهم مضروب قبل درهم وما أشبهه ، بل لو سلم إرادة الوجوب فيهما جاز إرادته بالنسبة إلى غير المقر بأن يريد لزيد درهم قبل وجوب درهم لعمرو ونحوه.

والمناقشة بأنه لو سمع هذه الاحتمالات لسمعت في نحو « له علي درهم ودرهم » الذي قد عرفت الاتفاق على لزوم درهمين يدفعها وضوح الفرق بينهما باعتبار كونها خلاف المعنى الحقيقي فيه ، دون مثال القبلية والبعدية الذي لا يدل على المدعى بطريق الحقيقة ، بل قد يمنع عدم اتصاف الدرهم بهما مع معلومية كون الظرف إذا وقع بعد نكرة كان صفة ، من غير فرق بين ظرف الزمان والمكان ، وكون المتعلق في ظرف الزمان هنا كونا خاصا لا يقتضي كون المتعلق وجوب درهم آخر له على المقر.

قلت : هذا خلاصة ما ذكروه في المقام ، لكن الانصاف ظهور شغل الذمة بدرهمين لو قال : « له علي درهم قبله درهم » أو « بعده درهم » والثلاثة لو قال : « قبله درهم وبعده درهم » بل قد يقال : بلزوم الدرهمين في نحو « فوقه درهم » أو « مع درهم » أو « معه درهم » وإن قلنا لا خلاف بينهم في لزوم درهم واحد ، إذ لعله لاختلاف عرف وقتهم وما نحن فيه من العرف ، ضرورة دوران المسألة على ذلك ، إذ لا نصيب فيها للتعبد.

( و ) كيف كان فـ ( كذ ) لك يلزمه درهم واحد ( لو قال : ) له علي ( درهم في عشرة و ) قد علم منه أنه ( لم يرد الضرب ) بذلك وإنما يريد الظرفية للدرهم الواحد بلا إشكال ولا خلاف ، كما أنه لا إشكال ولا خلاف في لزوم العشرة إذا علم منه إرادة الإقرار بما يقتضيه الضرب.

إنما الكلام في صورة الإطلاق ، والظاهر لزوم درهم واحد لأنه المتيقن ،

١٧

والأصل براءة الذمة ، ولا ظهور في العبارة يترجح به أحد الاحتمالين ، بل ربما احتمل فيه ثالث ، وهو ارادة معنى « مع » من « في » نحو قوله تعالى (١) : ( ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ ) فيلزمه حينئذ أحد عشر ، وحينئذ يكون المثال كالمشترك الذي يرجع فيه الى المقر في التعيين ، ويقبل منه بغير يمين إذا لم يدع عليه إرادة خلافه ، وإلا حلف ، ومع تعذره يؤخذ بالأقل الذي هو المتيقن على كل حال وينفى الزائد بأصل البراءة.

( ولو قال غصبته ثوبا في منديل أو حنطة في سفينة أو ثيابا في عيبة ) أو زيتا في جرة أو تمرا في جراب ( لم يدخل الظرف في الإقرار ) لاحتمال إرادة « لي » في الجميع ، وكذا الإقرار بالظرف لا يقتضي الإقرار بالمظروف ، فلو قال : « له عندي غمد فيه سيف » أو « جرة فيها زيت » أو « جراب فيه تمر » أو « سفينة فيها طعام » لم يكن إقرارا بالمظروف ، لاحتمال « لي » أيضا والوصفية لا يقتضي الاستحقاق على هذا الوصف ، إذ لا تنافي بين الإقرار بالموصوف مع التصريح بكون الوصف له ، وكذا لو قال : « غصبته فرسا عليها سرج » أو « حمارا على ظهره لحاف » أو « له زمام » أو « دابة مسرجة » أو « دارا مفروشة » أو نحو ذلك.

نعم لو قال : « دابة بسرجها » و « دارا بفراشها » دخل ، لظهور الباء في ذلك. وكذا لو قال : « ثوبا مطرزا » لأن الطراز كالجزء منه ، مع احتمال العدم إذا كان الطراز يصنع بعد النسج.

ولو قال : « غصبته فصا في خاتم » كان إقرارا بالفص ، أما لو قال : « خاتما فيه فص » ففي المسالك « في كونه إقرارا بالفص وجهان ، أظهرهما العدم ، لاحتمال أن يريد فيه فص لي » وفيه أن المنساق في عرفنا دخوله ، على أنه كالجزء منه حتى أنه لو باعه دخل فيه ، فهو حينئذ كما لو قال : « له هذا الخاتم » وكان فيه فص ،

_________________

(١) سورة الأعراف : ٧ ـ الآية ٣٨.

١٨

فلا يقبل منه منفصلا استثناء الفص.

بل في القواعد « لو قال : له خاتم وجاء به وفيه فص واستثناه فان الظاهر عدم قبوله » وإن كان قد يناقش بأن الإقرار بالخاتم المطلق لا يقتضي الإقرار بأن فيه فصا ، ضرورة صدقه بدونه ، ولعله لذا كان المحكي عن الفخر والمقدس صحة الاستثناء ، وعن الكركي أنه لا يخلو من قوة.

ولو قال : « له عندي جارية » فجاء بها وهي حامل صح استثناء الحمل لعدم اندراجه في الإقرار السابق حتى يكون منافيا ، بل عن التذكرة الحمل عندنا لا يدخل في الإقرار ولا في البيع.

بل ذكروا في كتاب القضاء أنه لا يسمع دعوى « هذه بنت أمتي » لجواز ولادتها في غير ملكه ، بل ولو قال مع ذلك : « ولدتها في ملكي » لاحتمال الحرية أو تملك غيره لها ، بل لو أقر بأنها بنت أمة فلان لم يلزمه شي‌ء بمجرد ذلك ، وأنه لو فسره بما ينافي الملك قبل منه ، لكن مع هذا كله ذكر صحة الاستثناء في القواعد احتمالا ، بل عن التحرير والإرشاد والإيضاح الإشكال في ذلك ، ولعله لأن الحمل نماؤها فيتبعها ، وفيه أنه لا يقتضي التبعية في الإقرار ، كما هو واضح ، والله العالم.

وكيف كان فلا يدخل الظرف في الإقرار بالمظروف ولا بالعكس ، فيصح استثناؤه حينئذ منفصلا خلافا للمحكي عن أبي حنيفة ، فحكم بدخول كل من الظرف والمظروف في الآخر ، وكذا البواقي ، وعن أبي علي منا كل مالا يوجد بغير ظرف كالسمن فالإقرار به إقرار بظرفه ، وهما معا كما ترى.

( ولو قال : له ) عندي ( عبد عليه عمامة ) ففي المتن وغيره ( كان إقرارا بهما ، لأن له أهلية الإمساك ) فتكون له يد على ملبوسه مثلا ، وما في يده لسيده ، فإذا أقر بالعبد كان ما في يده لسيده.

( وليس كذلك لو قال : دابة عليها سرج ) لعدم اليد للدابة على ما عليها وإن حكي عن بعض الأصحاب إلا أنه كما ترى. ومن هنا لو جاء بعبد عليه عمامة

١٩

وقال : « هذا العبد لزيد » كانت العمامة له أيضا ، ولو جاء بدابة عليها سرج وقال : « هذه الدابة لزيد » لم يكن السرج له.

لكن قد يناقش بأن دخول ما على العبد حينئذ من جهة اليد لا من جهة الإقرار ، ومع ذلك فالسيد المقر له لا يدله على العبد ، وانما اليد عليه للمقر فإذا أقر ببعض ما تحت يده لا يسري الإقرار لغيره ، بل في المسالك « هذا كله أوجه ».

ومما ذكر يظهر لك ما في تردد الفاضل في القواعد في دخول السرج والفراش لو قال : « دابة مسرجة » و « دار مفروشة » لأنها إذا سلمها بغير الوصف لم تكن المقر بها ، فهي كما لو قال : « عبد عليه عمامة » إذ قد عرفت أنه لا منافاة بين التصريح بكون الوصف له وكون الموصوف للمقر له ، اللهم إلا أن يدعى فهم العرف مع عدم التصريح بتبعية الإقرار بالصفة للإقرار بالموصوف.

ولعل جعل المدار على العرف في جميع ما تقدم أولى من الاطناب حتى فيما حكوا الاتفاق عليه ، ضرورة معلومية عدم التعبد في أمثال هذه المسائل ، وهو مختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال.

ولعل من ذلك « له علي ألف في هذا الكيس » ولم يكن في الكيس شي‌ء ، فإنه يلزمه الألف ، لأن « علي » يقتضي ذلك ، ولا أثر لقوله : « في هذا الكيس » المقتضي لرفع الإقرار ، بل الظاهر وجوب الإتمام لو كان ناقصا.

بل الظاهر ذلك حتى لو قال : « الألف الذي في الكيس » وإن جزم في القواعد ومحكي التحرير بعدم إلزامه بالإتمام ، وفيهما أيضا أنه لو لم يكن فيه شي‌ء ففي لزوم الألف وجهان.

لكن قد يقال : إن قوله « علي » ينافي ذلك كله ، فيؤخذ به ولا يلتفت إلى غيره مما ينافيه ، كما عن التذكرة ، وأولى من ذلك الرجوع فيه إلى العرف ، ومع الشك فالأصل البراءة.

٢٠