🚘

إعراب القرآن - ج ٥

أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النحّاس [ ابن النحّاس ]

إعراب القرآن - ج ٥

المؤلف:

أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النحّاس [ ابن النحّاس ]


المحقق: عبدالمنعم خليل إبراهيم
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
🚘 نسخة غير مصححة

فأبدل من الواو همزة ، وأجاز النحويون رمل مهول وثوب مبوع ينوه على بوع الثوب فأبدل من الياء واو لضمة ما قبلها ، وأنشد الفراء :] الطويل]

 ٥٠٧ ـ ألم تر أنّ الملك قد شون وجهه

ونبع بلاد الله قد صار عوسجا (١)

يريد «شين» ، وأنشد الكسائي والفراء :] الطويل]

٥٠٨ ـ ويأوي إلى زغب مساكين دونهم

فلا لا تخطّاه الرّكاب مهوب (٢)

واللغة العالية التي جاء بها القرآن. قال عائذ بن محصن بن ثعلبة :] الوافر]

٥٠٩ ـ فأبقى باطلي والحدّ منها

كدكّان الدّرابنة المطين (٣)

(إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً) (١٥)

(إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً) النون والألف الثانية في موضع رفع والأولى في موضع نصب واتّفق المكنيان ؛ لأنهما غير معربين (شاهِداً عَلَيْكُمْ) نعت لرسول. (كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً) الكاف في موضع نصب.

(فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً) (١٧)

(فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) رسول الأول نكرة لأنه لم يتقدّم ذكره والثاني معرفة لأنه قد تقدّم ذكره ولهذا يكتب في أول الكتب «سلام عليك» وفي آخرها «والسّلام» ، ولهذا اختار بعض العلماء في التسليمة الأولى من الصلاة : سلام عليكم ، وفي الثانية : السّلام عليكم وذلك المختار في كلام العرب (فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً) نعت لأخذ. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس «وبيلا» أي شديدا. قال أبو جعفر : يقال كلأ مستوبل أي لا يستمرأ. قال الفراء (٤) : وفي قراءة ابن مسعود : (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً) قال أبو جعفر : وهذه القراءة على التفسير ، وفي يجعل ضمير يعود على اليوم ،

__________________

(١) البيت غير موجود في معاني الفراء ، ولم أجده في المصادر التي بين يديّ.

(٢) الشاهد لحميد بن ثور في ديوانه ص ٥٤ ، ولسان العرب (هيب) و (فلا) ، والتنبيه والإيضاح ١ / ١٥٣ ، وبلا نسبة في تاج العروس (هيب) و (فلا).

(٣) الشاهد للمثقّب العبدي في ديوانه ٢٠٠ ، ولسان العرب (دكك) ، و (دربن) و (طين) ، وجمهرة اللغة ١٣٢٤ ، وتاج العروس (دكك) و (دربن) ، و (طين) ، وشرح اختيارات المفضّل ص ١٢٦٤ ، ومقاييس اللغة ٢ / ٢٥٨ ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ١٤ / ٢٤٧ ، ومجمل اللغة ٢ / ٢٨٢ ، والمخصص ١٤ / ٤٢ ، وجمهرة اللغة ٦٨٠.

(٤) انظر معاني الفراء ٣ / ١٩٨.

٤١

ويجوز أن يكون الضمير يعود على اسم الله ويكون في الكلام حذف أي يجعل الولدان فيه شيبا.

(السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً) (١٨)

(السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) ولم يقل : منفطرة والسماء مؤنثة في هذا ثلاثة أقوال : قال الخليلرحمه‌الله: وهو كما تقول معضّل يريد على النسب ، وقيل : حمل التذكير على معنى السقف ، والقول الثالث قول الفراء (١) إن السماء تؤنث وتذكّر فجاء هذا على التذكير ، وأنشد :] الوافر]

 ٥١٠ ـ فلو رفع السّماء إليه قوما

لحقنا بالنّجوم مع السحاب (٢)

(كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً) أي ليس لوعده خلف ، وقد وعد بكون هذه الأشياء في القيامة.

(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) (١٩)

(إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ) أي هذه الأشياء التي تكون في القيامة عظة وقال قتادة : يعني القرآن. (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) قال : أي بطاعتهم.

(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٠)

(مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) عطف على ثلثي الليل ، وهي قراءة الحسن وأبي عمرو وأبي جعفر وشيبة ونافع ، وقرأ عاصم والأعمش وحمزة والكسائي (نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) (٣) عطفا على أدنى ، وقرأ ابن كثير (وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) حذف الضمة لثقلها واختار أبو عبيد الخفض واحتجّ أن بعده (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) قال : فكيف يقومون نصفه؟ قال أبو جعفر : القراءتان قد قرأ بهما الجماعة ، وتقدير الخفض ويا قوم أدنى من نصفه وأدنى من ثلثه. وتقدير النصب أدنى من ثلثي الليل وذلك أكثر من النصف مرة وتقوم نصفه مرة وتقوم ثلثه مرة والاحتجاج بعلم أن لن تحصوه لا معنى له لأنه لم يخبر أنّهم قالوا : قمنا نصفه

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٣ / ١٩٩.

(٢) مرّ الشاهد رقم ٤٦٦.

(٣) انظر تيسير الداني ١٧٥ ، والبحر المحيط ٨ / ٣٥٨.

٤٢

وإنما أخبر بحقيقة ما يعلمه ، وقد عكس الفراء (١) قوله فاختار النصب ؛ لأن المعنى عنده عليه أولى لأنه يستبعد وأقلّ من نصفه : لأنه إنما يبين القليل عنده لا أقلّ القليل ، ولو كان كما قال لكان نصفه بغير واو حتى يكون تبيينا لأدنى ، والسلامة من هذا عند أهل الدين إذا صحّت القراءتان عن الجماعة أن لا يقال إحداهما أجود من الأخرى لأنهما جميعا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيأثم من قال ذلك. وكان رؤساء الصحابة رحمهم‌الله ينكرون مثل هذا وقد أجاز الفراء (٢). (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) نصب «ثلثه» عطفا على «أدنى» وخفض (نِصْفَهُ) عطفا على (ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) واحتجّ بالحديث : انتهت صلاة النبي إلى ثلث الليل (٣) وهذا أيضا مما يكره أن تعارض به قراءة الجماعة بما لم يقرأ به وبحديث إن صح لم تكن فيه حجّة (وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) احتجّ بعض العلماء بهذا واستدل على أن صلاة الليل ليست بفرض. قال : ولو كانت فرضا لقاموا كلّهم. (وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) أي يقدّر ساعاتهما وأوقاتهما (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) قال الحسن وسعيد بن جبير : أن لن تطيقوه ، وقال الفراء : أن لن تحفظوه (فَتابَ عَلَيْكُمْ) رجع لكم إلى ما هو أسهل عليكم. والتوبة في اللغة الرجوع (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى) والتقدير عند سيبويه أنّثه وذكّر سيكون ؛ لأنه تأنيث غير حقيقي (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ) عطف على «مرضى» وكذا (وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) فلهذا استحبّ جماعة من العلماء من العلماء قيام الليل ، ولو كان أدنى شيء والحديث فيه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مؤكد. (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً) قال ابن زيد : النوافل سوى الزكاة. (وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) أي مما أنفقتم ونصبت «خيرا» لأنه خبر «تجدوه» و (هُوَ) زائدة للفصل (وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ) أي من ذنوبكم وتقصيركم (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) أي على سائر عقوبة من تاب (رَحِيمٌ) به لا يعذّبه بعد التّوبة.

__________________

(١) و (٢) انظر معاني الفراء ٣ / ١٩٩.

(٣) انظر تفسير الطبري ١٩ / ٣٣.

٤٣

(٧٤)

شرح إعراب سورة المدّثّر

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (١)

الأصل المتدثر أدغمت التاء في الدال ؛ لأنها من موضع واحد. قال إبراهيم النخعي : كان متدثّرا بقطيفة. وقال عكرمة : أي دثّرت هذا الأمر فقم به.

(قُمْ فَأَنْذِرْ) (٢)

قال قتادة : أي أنذر عذاب الله وقائعه بالأمم. قال أبو جعفر : فالتقدير على قول قتادة فأنذرهم بهذه الأشياء ثم حذف هذا للدلالة.

(وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (٣)

أي عظّمه بعبادته وحده ، وهو نصب بكبّر.

(وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (٥)

(وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) (٤) نصب بطهّر (وَالرُّجْزَ) نصب ب فاهجر ولو كانت في الأفعال الهاء لكان النصب أولى أيضا ؛ لأن الأمر بالفعل أولى.

(وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (٦)

(وَلا تَمْنُنْ) جزم بالنهي ، وأظهرت التضعيف لسكون الثاني ولو كان في الكلام لجاز لا تمنّ بفتح النون وكسرها وضمها ، وروى حصيف عن مجاهد قال : (لا تَمْنُنْ) لا تضعف ، قال أبو جعفر : ويكون مأخوذا من المنين وهو الضعيف ، ويكون التقدير ولا تضعف أن تستكثر من الخير فحذفت «أن» ورفع الفعل ، وقال ابن زيد : ولا تمنن على الناس بتأدية الرسالة لتستكثر منهم. قال أبو جعفر : وأولى ما قيل في المعنى والله جلّ وعزّ أعلم ـ ولا (تَمْنُنْ) بطاعتك وتأديتك الرسالة (تَسْتَكْثِرُ) ذلك ، وهذا معنى

٤٤

قول الحسن (١). قال أبو جعفر : فقلنا : هذا أولى ؛ لأنه أشبه بسياق الكلام ؛ لأن في الكلام تحذيرا وأمرا بالصبر والجدّ في الطاعة.

(وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (٧)

أي على طاعته.

(فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) (٨)

اسم ما لم يسمّ فاعله على قول سيبويه : في الناقور ، وعلى قول أبي العباس مضمر دل عليه الفعل.

(فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) (١٠)

(فَذلِكَ) مبتدأ (يَوْمَئِذٍ) يكون بدلا منه وفتح لأنه مبني كما قرئ (مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ)] المعارج : ١١] ، ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى أعني ، (يَوْمٌ) خبر الابتداء (عَسِيرٌ) من نعته وكذا (غَيْرُ يَسِيرٍ).

(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) (١١)

(مَنْ) في موضع نصب على أنها مفعول معه أو عطف على النون والياء (وَحِيداً) نصب على الحال.

(وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً) (١٢)

(لَهُ) في موضع المفعول الثاني.

(وَبَنِينَ شُهُوداً) (١٣)

لما تحرّكت حذفت ألف الوصل ، وعلى هذا قالوا : في النسب بنويّ وأجاز سيبويه (٢) : «ابنيّ» ، ومنعه بعض الكوفيين.

(وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً) (١٤)

مصدر مؤكّد.

(ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً) (١٦)

(كَلَّا) ردّ لطعمه وردع له (إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً) بمعنى معاند.

(سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً) (١٧)

__________________

(١) انظر البحر المحيط ٨ / ٣٦٤.

(٢) انظر الكتاب ٣ / ٣٩٥.

٤٥

روى عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يكلّف صعود عقبة إذا جعل يده عليها ذابت وإذا جعل رجله عليها ذابت» (١).

(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (١٩)

(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ) (١٨) أي فكّر في ردّ آيات الله جلّ وعزّ ، وقد رجع مرة بعد مرة ينظر هل يقدر أن يردّها وهو الوليد بن المغيرة بلا اختلاف. قال قتادة : زعموا أنه فكر فيما جاء به النبي فقال : والله ما هو بشعر ، وإن له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة وما هو عندي إلا سحر. فأنزل الله تعالى : (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (١٩) قال أبو جعفر : قول الفراء قتل بمعنى لعن. قال أبو جعفر : هذا يجب على كلام العرب أن يكون قتل بمعنى أهلك ؛ لأن المقتول مهلك.

(ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ) (٢٢)

أي قبض بين عينيه وقطّب لمّا عسر عليه الردّ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ) (٢٣)

(ثُمَّ أَدْبَرَ) عن الحق (وَاسْتَكْبَرَ) فأخبر الله بجهله أنه تكبّر أن يصدّق بآيات الله ورسوله بعد أن يتهيأ له ردّ ما جاء به ، ولم يتكبّر أن يسجد لحجارة لا تنفع ولا تضر.

(فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ) (٢٥)

(فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) (٢٤) لما لم يجد حجّة كفر ثم قال (إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (٢٥) فزاد في جهله ما لم يخف ؛ لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد تحدّاهم وهم عرب مثله على أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عن ذلك ، ولو كان قول البشر لساغ لهم ما ساغ له.

(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) (٢٦)

قيل : لم ينصرف لأنها اسم لمؤنث ، وقيل : إنها اسم أعجمي والأول الصّواب لأن الأعجمي إذا كان على ثلاثة أحرف انصرف وإن كان متحرّك الأوسط ، وأيضا فإنه اسم عربيّ مشتقّ يقال : سقرته الشمس إذا أحرقته ، والسّاقور حديدة تحمى ويكوى بها الحمار.

(وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ) (٢٧)

الجملة في موضع نصب بإدراك إلّا أن الاستفهام لا يعلم فيه ما قبله.

(لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ) (٢٨)

يقال : لم حذفت الواو من «تذر»؟ وإنما تحذف في «يذر»؟ فإن قيل : أصله يفعل

__________________

(١) انظر البحر المحيط ٨ / ٣٦٦.

٤٦

قيل : فتح وليس فيه حرف من حروف الحلق؟ فالجواب قاله ابن كيسان : لمّا كان يذر بمعنى يدع في أنه لا ينطق منه بماضي ومعناهما واحد اتبعوه إياه.

(لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) (٢٩)

على إضمار مبتدأ أي هي لوّاحة للبشر أي للخلق ، ويجوز أن يكون جمع بشرة.

(عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (٣٠)

في موضع رفع بالابتداء إلا أنه فتح لأن واو العطف حذفت منه فحرّك بحركتها ، وقيل : ثقل فأعطي أخفّ الحركات لأنهما اسمان في الأصل واختلف النحويون في النسب إليهما فمذهب سيبويه (١) وجماعة من النحويين أنك إذا نسبت إليهما حذفت الثاني ونسبت إلى الأول فقلت : تسعيّ ، وأحدي إلى أحد عشر وبعلي في النسب إلى بعلبكّ ، والقول الآخر أن النسب إليهما جميعا لا غير وأنه يقال تسعة عشريّ وبعلبكيّ وردّ أبو العباس أحمد بن يحيى القول الأول وقال : هما اسمان يؤدّيان عن معنى فإذا أسقطت الثاني ذهب معناه ولم يجز إلا النسب إليهما جميعا ، واحتجّ بما أجمع عليه النحويون من قولهم : هذا حبّ رمانيّ وجحر ضبيّ فأضاف إلى الثاني ولم يحذف ، وكذا هذا أبو عمريّ. قال أحمد بن يحيى : فهذا في النسب أوكد. يعني هذا تسعة عشريّ ومعدي كربيّ وبعلبكيّ. وأجاز الفراء (٢) : جاءني أحد عشر بإسكان العين ، وكذا ثلاثة عشر إلى تسعة عشر ، ولا يجيز هذا في اثني عشر لئلا يجمع بين ساكنين ، ولا يجيزه في المؤنّث لئلا يجمع بين ساكنين. قال أبو جعفر : والذي قاله لا يبعد قد روي عن أبي جعفر أنه قرأ (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (٣).

(وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاَّ وَالْقَمَرِ) (٣٢)

(أَصْحابَ) جمع صاحب على حذف الزائد ؛ لأن أفعالا ليس بجمع فاعل بغير حذف ، وأفعال جمع ثمانية أمثلة ليس منها فاعل ولا فعل (وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي شدّة وتعبدا ليكفروا فيعلموا أن الله قادر على تقوية هؤلاء الملائكة وتأييدهم (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) لام كي وأصلها أنها لام الخفض لأن المعنى : لاستيقان الذين

__________________

(١) انظر الكتاب ٣ / ٤١٢.

(٢) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٠٣.

(٣) انظر المحتسب ٢ / ٣٣٨ ، والبحر المحيط ٨ / ٣٦٨.

٤٧

أوتوا الكتاب (وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً) عطف على الأول ، وكذا (وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ) ثم أعيدت اللّام ، ولو لم يؤت بها لجاز في (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً) «ما» في موضع نصب بأراد ، وهي وذا بمنزلة شيء واحد فإن جعلت «ذا» بمعنى الذي فما في موضع رفع بالابتداء وذا خبره وما بعده صلة له (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) الكاف في موضع نصب نعت لمصدر. (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) رفع بيعلم ، ولا يجوز النصب على الاستثناء ، وكذا (وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ) قال مجاهد : أي وما النار إلا ذكرى للبشر ، وذكر محمد بن جرير أن التمام (لَّا) على أن المعنى ليس القول على ما قال المشرك لأصحابه المشركين أنا أكفيكم أمر خزنة النار (وَالْقَمَرِ) قسم أي وربّ القمر.

(وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ) (٣٣) (١)

قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وأبي جعفر وشيبة وابن كثير وأبي عمرو وعاصم ، وقرأ الحسن وابن محيصن وحمزة ونافع (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ). قال أبو جعفر : الصحيح أن دبر وأدبر بمعنى واحد. على هذا كلام أهل التفسير وأكثر أهل اللغة. و «إذا» للمستقبل و «إذ» للماضي. وأما قول أبي عبيد أنه يختار «إذا دبر» لأن بعده (وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ) لأن الله تعالى يقسم بما شاء ولا يتحكّم في ذلك بأن يكونا جميعا مستقبلين أو ماضيين.

(إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ) (٣٥)

أن إن النار لإحدى الأمور العظام قال أبو رزين : «إنها» أي إن جهنّم و (الْكُبَرِ) بالألف واللام لا يجوز حذفهما عند أحد من النحويين ، ولم يجيء في كلام العرب شيء من هذا بغير الألف واللام إلّا أخر ، ولذلك منعت من الصرف.

(نَذِيراً لِلْبَشَرِ) (٣٦)

قال الحسن : ليس نذير أدهى من النار أو معنى هذا. قال أبو رزين : يقول الله تعالى أنا نذير للبشر ، وقال ابن زيد : محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم نذير للبشر. قال أبو جعفر : فهذه أقوال أهل التأويل وقد يستخرج الأقراب منها. وفي نصب نذير سبعة أقوال : يكون حالا من المضمر في «أنا» ، ويجوز أن يكون حالا من إحدى الكبر. وهذان القولان مستخرجان من قول الحسن لأنه جعل النار هي المنذرة ، ويجوز أن يكون التقدير : وما يعلم جنود ربّك إلا هو نذيرا للبشر ، ويجوز أن يكون التقدير : صيّرها الله جلّ وعزّ

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٧٦ ، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٥٩ ، والبحر المحيط ٨ / ٣٦٩.

٤٨

كذلك نذيرا للبشر ، وهذان القولان مستخرجان من قول أبي رزين وقال الكسائي : أي قم نذيرا. وهذا يرجع إلى قول ابن زيد. ويجوز أن يكون نذير بمعنى إنذار كما قال : «فكيف كان نذير» (١) ويكون التقدير : وما جعلنا أصحاب النار إلّا ملائكة إنذارا. قال أبو جعفر : وسمعت علي بن سليمان يقول : يكون التقدير : أعني نذيرا. قال أبو جعفر : وحذف الياء من نذير إذا كان للنار بمعنى النسب.

(لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) (٣٧)

بدل بإعادة اللام ، ولو كان بغير اللام لجاز.

(كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (٣٨)

(رَهِينَةٌ) محمول على المعنى ، ولو كان على اللفظ كان رهين.

(إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (٤٢)

نصب على الاستثناء وقد صحّ عن رجلين من أصحاب النبي أنه يراد بأصحاب اليمين هاهنا الملائكة والأطفال ، ويدلّ على هذا أن بعده (يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) فهذا كلام من لم يعمل خطيئة ، وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت ابن الزبير يقرأ (يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ) يا فلان ما سلكك في سقر وهذه القراءة على التفسير ، والإسناد بها صحيح.

(ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (٤٤)

(وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) حذفت النون لكثرة الاستعمال ولو جيء بها لكان جيدا في غير القرآن ، وقال محمد بن يزيد : أشبهت النون التي تحذف في الجزم في قولنا : يقومان ويقومون ، وقال أحمد بن يحيى ثعلب : أخطأ ، ولو كان كما قال لحذفت في قولنا : لم يصن زيد نفسه.

(وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ) (٤٧)

(وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ) جيء بالكاف مضمومة ليدلّ ذلك على أنها من ذوات الواو فنقل فعل إلى فعل ، وكذا (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ) أي إلى أن و «أن» مضمرة بعد «حتى».

(فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) (٤٨)

أي ليس يشفع فيهم الشافعون ودلّ بهذا على أن الشفاعة تنفع غيرهم.

__________________

(١) هذه ليست آية وإنما الآية (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ)] الملك : ١٧] .

٤٩

(فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) (٤٩)

منصوب على الحال.

(كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ) (٥٠)

قراءة أهل المدينة والحسن ، وقراءة ابن كثير وعاصم والأعمش وحمزة وأبي عمرو (مُسْتَنْفِرَةٌ) (١) وعن الكسائي القراءتان جميعا. قال أبو جعفر : «مستنفرة» في هذا أبين أي مذعورة ومستنفرة مشكل ؛ لأن أكثر ما يستعمل استفعل إذا استدعى الفعل ، كما تقول : استسقى إذا استدعى أن يسقى والحمر لا تستدعي هذا ، ولكن مجاز القراءة أن يكون استنفر بمعنى نفر فيكون المعنى نافرة.

(فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (٥١)

فعولة من القسر. قال أبو جعفر : وقد ذكرنا ما قال أهل التفسير فيها.

(بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) (٥٢)

(أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) على تأنيث الجماعة ووحّد لأنه أكثر في العدد.

(كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ) (٥٣)

لا يجوز إلا الإدغام ؛ لأن الأول ساكن.

(فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) (٥٥)

أي إنّ القرآن.

(وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) (٥٦)

«وما تذكرون» قراءة نافع على تحويل المخاطبة ، وأكثر الناس يقرأ (وَما يَذْكُرُونَ) ليكون مردودا على ما تقدّم وما تشاؤون (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) على حذف المفعول لعلم السامع (هُوَ أَهْلُ التَّقْوى) مبتدأ وخبره (وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) أعيدت «أهل» للتوكيد والتفخيم ، ولو لم تعد لجاز.

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٧٦ ، والبحر المحيط ٨ / ٧٤.

٥٠

(٧٥)

شرح إعراب سورة القيامة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ) (١)

كذا يقرأ أكثر القراء ، وعن الحسن والأعرج «لأقسم بيوم القيامة» (١) على أنها لام قسم لا ألف فيها قال أبو جعفر : وهذا لحن عند الخليل وسيبويه وإنما يقال بالنون : لأقومن والقراءة الأولى فيها أقوال منها أنّ «لا» زائدة للتوكيد مثل (ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ)] الأعراف : ١٢] وهذا القول عند الفراء (٢) خطأ من جهتين : إحداهما أن «لا» إذا كانت زائدة لم يبتدأ بها ، والأخرى أنه أن «لا» إنما تزاد في النفي ، كما قال :] البسيط]

٥١١ ـ ما كان يرضى رسول الله فعلهما

والطيّبان أبو بكر ولا عمر (٣)

أي أبو بكر وعمر و «لا» زائدة. قال أبو جعفر : أما قوله إنّ «لا» لا تزاد في أول الكلام فكما قال ، لا اختلاف فيه لأن ذلك يشكل ولكنه قد عورض فيما قال ، كما سمعت علي بن سليمان يقول ، إن هذا القول صحيح. يعني قول من قال ؛ إن «لا» زائدة قال : وليس قوله بأنها في أول الكلام مما يردّ هذا القول ؛ لأن القرآن كلّه بمنزلة سورة واحدة ، وعلى هذا نظمه ورصفه وتأليفه. وقد صحّ عن ابن عباس : أن الله جلّ وعزّ أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان ثم نزل متفرّقا من السماء ، وإنما يردّ هذا الحديث أهل البدع. قال أبو جعفر: وأما قول الفراء إنّ «لا» لا تزاد إلا في النفي فمخالف فيه. حكى ذلك من يوثق بعلمه من البصريين منهم أبو عبيدة (٤). وأنشد :] الرجز]

٥١٢ ـ في بئر لا حور سرى وما شعر (٥)

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٧٦ ، والمحتسب ٢ / ٣٤١.

(٢) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٠٧.

(٣) الشاهد لجرير في ديوانه ٢٦٣ ، والكامل ١٢٥ ، وبلا نسبة في رصف المباني ٢٧٣ ولسان العرب (لا).

(٤) انظر مجاز القرآن ١ / ٢٥.

(٥) الرجز للعجاج في ديوانه ٢٠ ، والأزهيّة ١٥٤ ، والأشباه والنظائر ٢ / ١٦٤ ، وخزانة الأدب ٤ / ٥١ ، ـ

٥١

قال : يريد في بئر حور أي هلكة فزاد «لا» في الإيجاب ، وخالفه الفراء في هذا فجعل «لا» نفيا هاهنا أي في بئر لا ترد شيئا وزعم الفراء (١) أن «لا» من قوله «لا أقسم» ردّ لكلامهم كما تقول : لا والله ما أفعل فالوقوف عنده (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ) (١) مستأنف.

(وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (٢)

لا اختلاف في هذا أن الألف فيه بعد «لا» فقول الحسن أنّ «لا» نافية وقد بيّنا قول غيره.

(أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) (٣)

وقراءة الكوفيين (أَيَحْسَبُ) والماضي حسب بلا اختلاف فالقياس في المستقبل يحسب إلا أنه روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم الكسر (٢).

(بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) (٤)

(قادِرِينَ) في موضع نصب ، وفي نصبه أقوال : منها أنه قيل : التقدير : بلى نقدر فلمّا حوّل نقدر إلى قادرين نصب كما قال الفرزدق :] الطويل]

 ٥١٣ ـ على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما

ولا خارجا من فيّ زور كلام (٣)

بمعنى ولا يخرج فلما حوّل يخرج إلى خارج نصبه. وهذا خطأ لأن لكلّ إعرابه تقول : جاءني زيد يضحك ، وجاءني زيد ضاحكا ، ومررت برجل يضحك ، وبرجل ضاحك ، «ولا خارجا» معطوف على موضع «لا أشتم» قال أبو جعفر : هذا أصحّ ما قيل فيه ، وقيل التقدير : بلى نقوى على ذلك قادرين ، هذا قول الفراء (٤) وقال سيبويه : أي بلى نجمعها قادرين. وقول الفراء مستخرج من هذا ، وبنان جمع بنانة. ومن حسن ما قيل فيه قول ابن عباس : نحن نقدر أن نجعل بنانه شيئا واحدا كخفّ البعير وحافر

__________________

ـ وشرح المفصل ٨ / ١٣٦ وتاج العروس (حور) و (لا) ، وتهذيب اللغة ٥ / ٢٢٨ ، وبلا نسبة في لسان العرب (حور) و (غير) ، وخزانة الأدب ١١ / ٢٢٤ ، والخصائص ٢ / ٤٧٧ ، وجمهرة اللغة ٥٢٥ ، ومجمل اللغة ٢ / ١٢٠.

(١) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٠٧.

(٢) انظر إعراب الآية ٨٨ ـ النمل.

(٣) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٢١٢ ، والكتاب ١ / ٤١١ ، وأمالي المرتضى ١ / ٦٣ ، وتذكرة النحاة ٨٥ ، وخزانة الأدب ١ / ٢٢٣ وشرح أبيات سيبويه ١ / ١٧٠ ، وشرح المفصل ٢ / ٥٩ ، ولسان العرب (خرج) والمحتسب ١ / ٥٧ ، والمقتضب ٤ / ٣١٣ وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب ١ / ١٧٧ ولسان العرب (رتج) ، والمقتضب ٣ / ٢٦٩.

(٤) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٠٨.

٥٢

الحمار فلا يقدر يأكل بها كالبهائم فتفضّل الله جلّ وعزّ عليه وفضّله ، وقال الحسن : كنا نقدّر أن نجعل أصابعه قدرا واحدا ولا يكون لها حسن ولا يكاد ينتفع بها.

(بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ) (٥)

هذه لام كي وقولهم لام «إنّ» لا معنى له ، ولكن يريد يدلّ على الإرادة أي إرادته ليفجر أمامه.

(يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) (٦)

التقدير أي وقت يوم القيامة ، وفتحت النون من إيان لالتقاء الساكنين.

(فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ) (٨)

(فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ) (٧) قراءة أبي عمرو وعاصم وشيبة وحمزة والكسائي ، وقرأ نصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو جعفر ونافع (فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ) (١) بفتح الراء ومعنى الكسر بيّن أي حار وفزع من الموت ومن أمر القيامة وبرق ولمع. قال الحسن وقتادة : (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) (٨) ذهب ضوءه.

(وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (٩)

يقال : الشّمس مؤنثة بلا اختلاف فكيف لم يقل ، وجمعت ففي هذا أجوبة منها أن التقدير وجمع بين الشمس والقمر فحمل التذكير على بين ، وقيل : لما كان وجمع الشمس لا يتمّ به الكلام حتى يقال : والقمر وكان القمر مذكّرا كان المعنى جمعا فوجب أن يذكر فعلهما في التقديم كما يكون في التأخير. وأولى ما قيل فيه قول الكسائي ، قال : المعنى : وجمع النوران أي الضياءان وفي موضع آخر : (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي)] الأنعام : ٧٨] وأما محمد بن يزيد فيقول : هذا كلّه تأنيث غير حقيقي ؛ لأنه لم يؤنّث للفرق بين شيء وشيء فلك تذكيره ؛ لأنه بمعنى شخص وشيء.

(يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) (١٠)

فهذا مصدر بلا اختلاف أي أين الفرار؟ وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال : سمعت ابن عباس يقرأ (أَيْنَ الْمَفَرُّ) (٢) قال أبو جعفر : هذا إسناد مستقيم ، وهو عند البصريين اسم للمكان وزعم الفراء (٣) : إنه يجيز في المصدر الكسر.

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٠٩ ، وتيسير الداني ١٧٦.

(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١٦ ، والبحر المحيط ٨ / ٣٧٧.

(٣) انظر معاني الفراء ٣ / ٢١٠.

٥٣

(كَلاَّ لا وَزَرَ) (١١)

وهو الملجأ فقيل : وزير مشتقّ من هذا ؛ لأن صاحبه قد سلم إليه أموره فلجأ إليه واعتمد عليه ، وقيل : لأن أوزار ما يتقلّده صاحبه بيده والأوزار ما كان من الذهب والفضة وغيرهما.

(إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) (١٢)

قال قتادة : المنتهى.

(يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ) (١٣)

من أحسن ما قيل فيه قول قتادة قال : بما قدّم من طاعة الله جلّ وعزّ وأخّر من حقّه ينبأ به كلّه ، وقد روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس بما قدّم من خير أو شرّ بعده.

(بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (١٤)

مشكل الإعراب والمعنى ، فقول ابن عباس سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه شاهدة عليه. قال أبو جعفر : فعلى هذا القول (الْإِنْسانُ) مرفوع بالابتداء و (بَصِيرَةٌ) ابتداء ثان و «على نفسه» خبر الثاني والجملة خبر الأول. وشرحه بل الإنسان على نفسه من نفسه رقباء تحفظه وتشهد عليه فهذا قول وقول سعيد بن جبير وقتادة : إن الإنسان هو البصيرة. قال سعيد بن جبير : الإنسان والله بصيرة على نفسه ، وقال قتادة : تراه والله عارفا بذنب غيره وعيبه متغافلا عن نفسه فعلى هذا القول «الإنسان» مرفوع بالابتداء و «بصيرة» خبره فإن قيل : لم دخلت الهاء والإنسان مذكّر؟ ففيه جوابان أحدهما أن الهاء للمبالغة كما يقال : رجل راوية وعلّامة وقيل : دخلت الهاء لأن المعنى بل الإنسان حجّة على نفسه.

(وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ) (١٥)

جمع على غير قياس عند سيبويه (١) لأن عذرا ليس جمعه معاذير وإنما معاذير جمع معذار.

(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) (١٧)

(إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) (١٧) فيضمن الله جلّ وعزّ جمعه فبهذا كفّر الفقهاء من زعم أنه قد بقي منه شيء لأنه ردّ على ظاهر التنزيل ، وسئل سفيان بن عيينة كيف غيّرت التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟ فقال : إن الله جلّ وعزّ وكل حفظهما إليهم فقال جل ثناؤه (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ)] المائدة : ٤٤] ولم يكل حفظ القرآن إلى أحد

__________________

(١) انظر الكتاب ٣ / ٢٥٠.

٥٤

فقال : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)] الحجر : ٩] وما حفظه لم يغيّر.

(فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (١٨)

اختلف العلماء في معنى هذا. فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس : فإذا أنزلناه فاستمع له ، وقال قتادة : أي فاتبع حلاله وحرامه. ومن حسن ما قيل فيه ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس (فَإِذا قَرَأْناهُ) قال : يقول : فإذا بيّناه (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) قال : يقول : فاعمل بما فيه.

(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (١٩)

قال قتادة : بيان الحلال من الحرام عن ابن عباس (بَيانَهُ) بلسانك.

(كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ) (٢٠)

أي الحال العاجلة أو الدنيا العاجلة.

(وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) (٢١)

لأنها بعد الأولى.

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (٢٣)

(وُجُوهٌ) رفع بالابتداء (ناضِرَةٌ) نعت لها و (ناظِرَةٌ) خبر الابتداء ، ويجوز أن يكون «ناضرة» خبر «وجوه» و (ناظِرَةٌ) خبرا ثانيا ، ويجوز أن يكون ناضرة نعتا لناظرة أو لوجوه ويقال : أجوه وهو جمع للكثير وللقليل أوجه وفي (ناظِرَةٌ) ثلاثة أقوال : منها أن المعنى منتظرة ومنها أن المعنى إلى ثواب ربّها ، ومنها أنها تنظر إلى الله جلّ وعزّ. قال : ويعرف الصواب في هذه الأجوبة من العربية فلذلك وغيره أخّرنا شرحه لنذكره في الإعراب. قال أبو جعفر : أما قول من قال : معناه منتظرة فخطأ. سمعت علي بن سليمان يقول : نظرت إليه بمعنى انتظرته وإنما يقال: نظرته وهو قول إبراهيم بن محمد بن عرفة وغيره ممن يوثق بعلمه وأما من قال : إن المعنى إلى ثواب ربّها فخطأ أيضا على قول النحويين الرؤساء لأنه لا يجوز عندهم ولا عند أحد علمته نظرت زيدا أي نظرت ثوابه. ونحن نذكر الاحتجاج في ذلك من قول الأئمة والعلماء وأهل اللغة إذا كان أصلا من أصول السنة ، ونذكر ما عارض به أهل الأهواء ونبدأ بالأحاديث الصحيحة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا كان المبين عن الله جلّ وعزّ. كما قرئ على أحمد بن شعيب بن علي عن إسحاق بن راهويه ثنا بقيّة بن الوليد ثنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عمرو بن الأسود أن قتادة بن أبي أمية حدثهم عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إني حدّثتكم عن المسيح الدجّال حتى خفت ألّا تعقلوه إنه قصير أفحج جعد أعور مطموس العين اليسرى ليست بناتئة ولا جحرا فإن التبس عليكم فاعلموا أن ربكم

٥٥

ليس بأعور إنكم لن تروا ربّكم جلّ ثناؤه حتى تموتوا» (١). قال أحمد بن شعيب : ثنا محمد بن بشار قال : ثنا أبو عبد الصمد ثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس الأشعري عن أبيه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «جنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما ، وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم جلّ ثناؤه إلّا رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن» (٢). وقرئ على أبي القاسم عبد الله بن محمد البغويّ عن هدبة بن خالد عن حمّاد بن سلمة عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال : قرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذه الآية : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ)] يونس : ٢٦] قال : «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنّة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون : ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيّض وجوهنا ويدخلنا الجنّة ويجرنا من النار فيكشف لهم عن الحجاب ، فينظرون إلى الله عزوجل فما شيء أعطوه أحبّ إليهم من النظر إليه ، وهي الزيادة» (٣). قال أبو القاسم وحدّثني جدّي قال : ثنا يزيد بن هارون إن حماد بن سلمة بإسناده مثله. قال أبو القاسم وحدّثني هارون بن عبد الله ، قال : سمعت يزيد يعني ابن هارون لما حدّث بهذا الحديث قال : من كذّب بهذا الحديث فهو زنديق أو كافر. قال أبو القاسم : حدثنا عبد الله بن عمر وأبو عبد الرّحمن الكوفي عن حسين بن علي الجعفي عن زائدة ثنا بيان البجليّ عن قيس بن أبي حازم قال : حدثنا جرير قال : خرج علينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «إنّكم ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته» (٤) يعني القمر. قال حسين الجعفي : على رغم أنف جهيم والمريسي. قال أبو القاسم : وحدّثنا أحمد بن إبراهيم العبدي وأبو بكر بن أبي شيبة قالا : حدّثنا عبد الله بن إدريس ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدريّ قال : قلنا يا رسول الله أنرى ربّنا جلّ ثناؤه قال : «أتضارون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب؟» قلنا لا. قال : أفتضارّون في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب؟» قلنا : لا قال : «فإنكم لا تضارّون في رؤيته كما لا تضارّون في رؤيتهما». قال أبو القاسم : وحدّثت عن أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش. قال : قال الأعمش : لا تضارّون يعني لا تمارون. قال أبو القاسم : وحدّثنا هدبة بن خالد ثنا وهيب بن خالد ثنا مصعب بن محمد عن أبي صالح السمّان عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول الله أكلنا يرى ربه جل ذكره يوم القيامة؟ قال :

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٧٦ (قرأ الكوفيون ونافع «تحبون» و «تذرون» بالتاء والباقون بالياء).

(٢) انظر حلية الأولياء ٥ / ١٥٧ ، ومشكاة المصابيح (٥٤٨٥).

(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٦ / ١٨١ ، ومسلم في صحيحه ، الإيمان ٢٩٦ ، وابن ماجة في سننه ١٨٦ ، والحديث في إتحاف السادة المتقين ١٠ / ٥٢٤ ، وتفسير ابن كثير ٤ / ١١٥.

(٤) أخرجه الترمذي في سننه ١١ / ٢٦٩.

٥٦

«أكلّكم يرى الشّمس نصف النهار وليس في السماء سحابة؟» قالوا نعم. قال : «أفكلكم يرى القمر ليلة البدر وليس في السماء سحابة؟» قالوا : نعم. قال : «فو الذي نفسي بيده لترونّ ربكم جلّ وعزّ يوم القيامة لا تضارّون في رؤيته كما لا تضارون في رؤيتهما» قال أبو القاسم: وحدّثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا أبو أسامة : ثنا الأعمش أخبرني خيثمة بن عبد الرّحمن عن عديّ بن حاتم الطائي قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما من أحد منكم إلّا سيكلّمه ربه جلّ وعزّ ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب يحجبه فينظر أيمن منه فلا يرى إلّا شيئا قدمه ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلّا شيئا قدمه ثم ينظر أمامه فلا يرى شيئا إلّا النار فاتقوا النار ولو بشقّ تمرة» (١) لم يقل في هذا الحديث عن الأعمش : ولا حاجب يحجبه ، إلا أبو أسامة وحده. ومن ذلك ما حدّثناه أحمد بن علي بن سهيل ثنا زهير يعني ابن حرب ثنا إسماعيل عن هشام الدستوائي عن قتادة عن صفوان بن محرّر قال : قال رجل لابن عمر : كيف سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول في النجوى؟ قال : سمعته يقول : «يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه جلّ وعزّ حتى يضع عليه كنفه فيقرّره بذنوبه فيقول : هل تعرف فيقول : ربّ أعرف قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم ـ قال فيعطى صحيفة حسابه وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله» (٢). قال أبو جعفر : وهذا الباب عن أنس وعن أبي رزين عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وفيه عن الصحابة رضي الله عنهم منهم أبو بكر الصديق وحذيفة عن التابعين إلا إنّا كرهنا الإطالة إذ كان ما ذكرناه من الحديث كفاية. وقد حدّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السّلام سمعت محمد بن يحيى النيسابوري يقول : السّنّة عندنا وهو قول أئمتنا مالك بن أنس وأبي عبد الرّحمن بن عمر ، والأوزاعي وسفيان بن سعيد الثوري وسفيان بن عيينة الهلالي وأحمد بن حنبل وعليه عهدنا أهل العلم أنّ الله جلّ وعزّ يرى في الآخرة بالأبصار يراه أهل الجنة ، فأما سواهم من بني آدم فلا قال : والحجة في ذلك أحاديث مأثورة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قيل له : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة وذكر الحديث. قال محمد بن يحيى : وإن الإيمان بهذه الأحاديث المأثورة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في رؤية الربّ في القيامة والقدر والشفاعة وعذاب القبر والحوض والميزان والدّجال والرجم ونزول الربّ تبارك وتعالى في كلّ ليلة بعد النصف أو الثلث الباقي والحساب والنار والجنة أنّهما مخلوقتان غير فانيتين ، وأنه ليس أحد سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له ونحوها من الأحاديث ،

__________________

(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨ / ٣٠٥. وابن أبي عاصم في السنة ١ / ١٩٦ ، والبغوي في شرح السنة ٢ / ٢٢٤ ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ١٠ / ٥٥٣.

(٢) أخرجه الترمذي في صفة القيامة ٩ / ٢٥٢ ، وابن ماجة باب ١٣ حديث ١٨٥.

٥٧

والتصديق بها لازم للعباد أن يؤمنوا بها وإن لم تبلغه عقولهم ولم يعرفوا تفسيرها فعليهم الإيمان بها والتسليم بلا كيف ولا تنفير ولا قياس لأن أفعال الله لا تشبّه بأفعال العباد. قال أبو جعفر : فهذا كلام العلماء في كل عصر المعروفين بالسّنة حتى انتهى ذلك إلى أبو جعفر محمد بن جرير ، فذكر كلام من أنكر الرؤية واحتجاجه وتمويهه وردّ ذلك عليه وبيّنه ونحن نذكر كلامه (١) نصا إذ كان قد بلغ فيه المراد إن شاء الله فذكر اعتراضهم بقوله تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ)] الأنعام : ١٠٣] فأما قوله جلّ وعزّ (قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي)] الأعراف : ١٤٣] فمما لا يحتاج إلى حجّة لأن فيه دليلا على النظر إذ كان موسى صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع محلّه لا يجوز أن يسأل ما لا يكون فدلّ على أن هذا جائز أن يكون ، وكان الوقت الذي سأله في الدنيا ، فالجواب أنه لا يراه في الدنيا أحد واحتجّ في تمويههم بقوله عزوجل لا تدركه الأبصار بقول عطية العوفي في قول الله جلّ وعزّ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) قال : هم ينظرون إلى الله عزوجل لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم فذلك قوله : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) قال : واعتلّ قائلو هذه المقالة بقوله جلّ وعزّ : (حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ)] يونس : ٩٠] والغرق غير موصوف بأنه رآه قالوا : فمعنى «لا تدركه الأبصار» من معنى لا تراه بعيدا ؛ لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه مثل «حتّى إذا أدركه الغرق» فكذا قد يرى الشيء الشيء ولا يدركه ومثله : (قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)] الشعراء : ٦١] وقد كان أصحاب فرعون رأوهم ولم يدركوهم وقد قال جلّ ثناؤه (لا تَخافُ دَرَكاً)] طه : ٧٧] فإذا كان الشيء قد يرى الشيء لا يدركه ويدركه ولا يراه علم أنّ «لا تدركه الأبصار» من معنى لا تراه الأبصار بمعزل ، وأن معنى ذلك لا تحيط به الأبصار لأن الإحاطة به غير جائزة. والمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم جلّ وعزّ ولا تدركه أبصارهم بمعنى لا تحيط به إذ كان غير جائز أن يكون يوصف الله بأن شيئا يحيط به ونظير جواز وصفه بأنه يرى ولا يدرك جواز وصفه بأنه يعلم ولا يحاط به. قال تبارك وتعالى : (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ)] البقرة : ٢٥٥] ومعنى العلم هنا المعلوم فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء نفي عن أن يعلموه وإنما هو نفي الإحاطة به ، كذا ليس في نفي إدراك الله جلّ وعزّ البصر في رؤيته له نفي رؤيته له فكما جاز أن يعلم الخلق شيئا ولا يحيطون به علما كذا جاز أن يروا ربهم بأبصارهم ولا تدركه أبصارهم إذ كان معنى الرؤية غير معنى الإدراك ، ومعنى الإدراك غير معنى الرؤية لأن معنى الإدراك الإحاطة كما قال ابن عباس : لا تحيط به الأبصار وهو يحيط بها. فإن قيل : وما أنكرتم أن يكون معنى «لا تدركه الأبصار» لا

__________________

(١) أخرجه ابن ماجة في سننه باب ١٣ الحديث ١٨٣.

٥٨

تراه؟ قلنا له : أنكرنا ذلك لأن الله أخبر في كتابه أن وجوها في القيامة إلى الله سبحانه ناظرة ، وأخبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنهم سيرون ربهم جلّ وعزّ يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر وكما يرون الشمس ليس دونها سحابة. فكتاب الله يصدّق بعضه بعضا ، فعلم أن معنى (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) غير معنى (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ). قال : وقيل المعنى لا تدركه أبصار الخلق في الدنيا وتدركه في الآخرة فجعلوا هذا مخصوصا. قال (١) : وقيل : المعنى لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة وتدركه أبصار المؤمنين ، وقيل : «لا تدركه الأبصار» بالنهاية والإحاطة. فأما الرؤية فنعم ، وقيل : لا تدركه الأبصار كإدراكه الخلق ، لأن أبصارهم ضعيفة ، وقال آخرون : الآية على العموم ولن يدرك الله جلّ ثناؤه بصر أحد في الدنيا والآخرة ، ولكن الله جلّ وعزّ يحدث لأوليائه يوم القيامة حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس فيرونه بها. والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنكم سترون ربكم فالمؤمنون يرونه والكافرون عند يومئذ محجوبون» (٢). ولأهل هذه المقالة أشياء يلبسون بها فمنهم من يدفع الحديث مكابرة وطعنا على أهل الإسلام ، ومنهم من يأتي بأشياء نكره ذكرها. قال محمد بن جرير : وإنما ذكرنا هذا ليعرف من نظر نعني فيه أنهم لا يرجعون من قولهم إلّا إلى ما لبّس عليهم الشيطان مما يسهل على أهل الحق البيان عن فساده ، ولا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل ، ولا رواية عن الرسول صحيحة ولا سقيمة ، فهم في الظلماء يخبطون وفي العمياء يترددون نعوذ بالله من الحيرة والضلالة. قال أبو جعفر : فأما شرح «تضارون» واختلاف الرواية فيه فنمليه. فيه ثمانية أوجه : يروى «تضارون» بالتخفيف و «تضامون» مخففا ، ويجوز تضامّون وتضامّون بضم التاء وتشديد الميم والراء ، ويجوز تضامّون على أن الأصل تتضامّون حذفت التاء كما قال جلّ وعزّ (وَلا تَفَرَّقُوا)] آل عمران : ١٠٣] ، ويجوز تضّامّون تدغم التاء في الضاد ، ويجوز تضارّون على حذف التاء ، ويجوز تضّارّون على إدغام التاء في الضاد والذي رواه المتقنون مخفّف تضامون وتضارون. سمعت أبا إسحاق يقول: معناه لا ينالكم ضيم ولا ضير في رؤيته أي ترونه حتى تستووا في الرؤية فلا يضيم بعضكم بعضا ، ولا يضير بعضكم بعضا وقال أهل اللغة قولين آخرين قالوا : لا تضارّون بتشديد الراء ، ولا تضامّون بتشديد الميم مع ضم التاء ، وقال بعضهم : بفتح التاء وتشديد الراء والميم على معنى تتضامّون وتتضارّون ، ومعنى هذا أنه لا يضار بعضكم بعضا أي لا يخالف بعضكم بعضا في ذلك. يقال ضاررت فلانا أضارّه مضارّة وضرارا إذا خالفته. ومعنى لا تضامّون في رؤيته أنه لا يضمّ بعضكم إلى بعض فيقول واحد للآخر أرنيه كما يفعلون عند النظر إلى الهلال.

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ٧ / ٢٩٩.

(٢) انظر تفسير الطبري ٧ / ٣٠٢.

٥٩

قال أبو جعفر : الذي ذكرناه من تفسير الأعمش أن معناه لا تضارّون يوجب أن تكون روايته لا تضارّون والأصل لا تضارون ثم أدغمت الراء في الراء ، ومن قال معناه لا تضارّون فالأصل عنده لا تضارون ثم أدغم ، وهذا كله من ضارّه إذا خالفه كما حكاه أبو إسحاق وخالفه وما رآه واحد. ويقال : نضر وجهه نضرا ونضارة ونضرة ونضره الله ينضره وأنضره ينضره من الإشراق والنعمة وحسن العيش والغنى.

(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ) (٢٤)

مبتدأ وخبره.

(تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) (٢٥)

ولا يجوز رفع يفعل وجاز في (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ)] المائدة : ٧١] لأن «لا» عوض ، والفاقرة الداهية والأمر العظيم.

(كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ) (٢٧)

(كَلَّا) تكون بمعنى حقا ، وتكون مبتدأ على هذا هاهنا. وزعم محمد بن جرير (١) أن التمام هنا «كلا» وأن المعنى ليس الأمر كما يقول المشركون من أنهم لا يجازون على شركهم ومعصيتهم (إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ) يكون العامل في إذا «باسرة» أو «بلغت» فإذا كان العامل فيها «بلغت» كان الجواب فيما بعد وحذفت الياء من (مَنْ راقٍ) (٢) لسكونها وسكون التنوين وأثبتت في التراقي ؛ لأنه لا تنوين فيه.

(إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) (٣٠)

في موضع جواب إذا.

(فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (٣٢)

(فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى لا) هاهنا نفي ، وليست بعاطفة ، ولا يجوز عند النحويين : ضربت زيدا لا ضربت عمرا ، والعلّة في ذلك أنه كره أن يشبه الثاني الدعاء. وفي الآية المعنى لم يصدّق ولم يصلّ يدل على هذا (وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى).

(ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) (٣٣)

أي ذهب معرضا عن طاعة الله جلّ وعزّ متهاونا بالموعظة و (يَتَمَطَّى) في موضع نصب على الحال.

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ٢٩ / ١٦٢.

(٢) انظر البحر المحيط ٨ / ٣٨١.

٦٠