الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة - ج ٢٦

الشيخ محمد الصادقي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة - ج ٢٦

المؤلف:

الشيخ محمد الصادقي


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: انتشارات فرهنگ اسلامى
المطبعة: المطبعة أمير
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٨٢

١
٢

٣
٤

سورة فصّلت مكيّة

وآياتها اربع وخمسون

٥
٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ(٩)

٧

وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(١٢)

سورة فصلت : حم السجدة ـ مكية ـ وآياتها أربع وخمسون

حم فصلت : السجدة هي ثانية الحواميم السبع المكية ، وهنا (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وفي المؤمن الغافر قبلها وهي أولاها : (تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) وفي الشورى ثالثة الحواميم (كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وفي رابعتها الزخرف (وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفي خامستها الدخان (وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) وفي سادستها الجاثية (تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) وفي سابعتها الأحقاف : (تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).

فثلاث منها تشرك في (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) قد يشركها في أن آيها تحمل عزة من الله وحكمة ام ولسائر القرآن ككلّ ، وواحدة (الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)

٨

فهكذا الأمر ، واثنتان ليس فيها صفة من هذه أو تلك أمّاذا ، وهذه السجدة تنفرد في (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قد تلمحان أن آيها تحمل الوصفين وكما في سائر القرآن ، فهذه مواصفات خمس في هذه الخمس ، تصوغ سورها والقرآن كله بعزة الله وعلمه وحكمته ورحمتيه رحمانية ورحيمية ، وفي (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) نجد جمعية الصفات التي تمتّ بصلة للكمال القمة في هذا الذكر من العزيز العليم الحكيم الرحمن الرحيم! خمس في المحور وسائرها تحور حولها.

وهذه من العزائم الأربع «اقرء باسم .. : النجم ـ ألم تنزيل : السجدة و «حم : السجدة» (١) حيث تجب السجدة عند استماع او سماع آية السجدة فيها.

وفي هامة حم روايات عدة تقول كلمة واحدة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قرء آيا من أولها إلى (أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً) أماذا؟ فأعجبت وحيّرت نفرا من الناكرين لرسالته المستهزئين به ، المتهددين له ، فآمن قوم وكفر آخرون (٢).

__________________

(١) نور الثقلين ٤ : ٥٣٨ ح ٣ في كتاب الخصال عن أبي عبد الله (عليه السلام) : ...

(٢) من ذلك ما في الدر المنثور ٥ : ٣٥٩ ـ اخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال قال ابو جهل والملأ من قريش قد انتشر علينا امر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر فقال عتبة علمت من ذلك علما وما يخفى علي ان كان كذلك فأتاه فلما أتاه قال له يا محمد أنت خير ام هاشم أنت خير ام عبد المطلب فلم يجبه قال : فيم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا فان كنت إنما بك الرياسة عقدنا الويتنا لك فكنت رأسنا ما بقيت ، وان كان بك الباءة زوجناك عشرة نسوة تختار من اي بنات قريش وان كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) ساكت لا يتكلم فلما فرغ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) فقرأ حتى بلغ فان اعرضوا فقل أنذرتكم ـ

٩

ولقد فصلت في فصلت شطرات من الرحمتين ابتداء بالرحيمية الخاصة (كِتابٌ فُصِّلَتْ ... لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)» ومن ثم الرحمانية (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ ..) وبعدها خليطة من هذه وتلك ، دمجا برباط كامل شامل لكتابي التدوين التشريع والتكوين ، وأن كاتبهما واحد هو (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)!

(حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(٣)

هنالك إنزال للكتاب في إحكام : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وهنا تنزيل للكتاب في تفصيل تجمعهما (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (١١ : ٢).

في مرحلة الإنزال الإحكام لم يكن قرآنا يقرء ، ولا عربيا يعرب (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) إذ كان نازلا في محطة الوحي : القلب المحمدي ، ولما يبرز في تفصيل ، فلما فصّل في هذه الآيات المفصلات أصبح قرآنا عربيا : لائحا (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) وبطبيعة الحال غير عربي لا يلوح في حقائقه «لقوم يجهلون» (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ

__________________

ـ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود» فامسك عتبة على فيه وناشده الرحم ان يكف عنه ولم يخرج الى اهله واحتبس عنهم فقال ابو جهل يا معشر قريش ما نرى عتبة الا قد صبا الى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك الا من حاجة اصابته انتقلوا بنا اليه فاتوه فقال ابو جهل والله يا عتبة ما حسبنا الا انك صبوت الى محمد وأعجبك أمره فان كنت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد فغضب واقسم بالله لا يكلم محمدا ابدا وقال لقد علمتم أني اكثر قريش مالا ولكني أتيته فقص عليهم القصة فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة قرء (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم) حتى بلغ أنذرتكم صاعقة فأمسكت بفيه وناشدته الرحم فكيف وقد علمتم ان محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت ان ينزل بكم العذاب ، وفيه ان ممن سمعها سعد بن معاذ فرجع وقد هداه الله.

١٠

إِلَّا خَساراً) (١٧ : ٨٢) إنه في نفسه بيان للناس ، وعربي لا تعقيد فيه ولا خفاء يعتريه ، فإنه داعية العالمين (هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ) ولكنما الواجهة العالمة هي التي تهدي الناس بالقرآن ، والجاهلة المتجاهلة لا تزيدهم إلّا خسارا.

هنالك لتنزيل الرحمن الرحيم تفاصيل عدة تلو بعض ، تفصيل اوّل عن إحكامه هذا حتى برز آيات مفصلات «قرآنا» وتفصيل ثان «عربيا» واضحا حيث ينطق بعضه ببعض ويفسر بعضه بعضا ، في ترتيب التنزيل لبعد واحد ـ : الآيات المتشابهة ببعض ، تفسر بعضها بعضا ، وفي ترتيب التأليف لبعد ثان ، الآيات التي تحتف بها من قبل ومن بعد ، فإنها تساعد في تفصيل معانيها وتكميل مغازيها ، فهما إذا تفصيلان بعد الأول ، ومن ثم تفصيلها بالسنة حيث يفسرها الرسول والأئمة من آل الرسول صلوات الله عليهم أجمعين.

فهذه تفاصيل أربع للناس ، بعد إحكامه الخاص في قلب الرسول ، وكما يسبقه إحكام في علم الله قبل إنزاله على الرسول (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (٨٩ : ٤) احكامان اثنان ثم تفاصيل أربع.

أترى (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) بماذا تتعلق؟ علّما بكلّ من «تنزيل ـ فصلت ـ عربيا» فرغم أن الكل مبدئيا كافة لسائر المكلفين ، ولكنما التعرف إلى معارفه وتصديقها وتطبيقها ليس إلّا (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) على درجاتهم ، فالذي يتجاهل حق القرآن وحقيقته ليس هو له عربيا لائحا فلم يفصّل له ، ولم ينزّل ، إنما (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ) (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ).

والذي يؤمن به ولكنه لا يتخطى مداخل تفهمه ومخارجه وهو يهوى

١١

تفسيره بغير هدى أو أثارة من علم ، ليس له عربيا ولا فصلت له آياته ، وقد يصبح القرآن لهؤلاء وهؤلاء ضلالا ولا يزيد إلّا خسارا وملالا.

والذي يعرف مفاتح تفسيره ولكنه لا يطبّقه ليس له عربيا كما يحق ، حيث العمل بالقرآن مما يساعد على تفهمه ، فلكل من مراتب العلم حظ من درجات القرآن ، وللجاهل المتجاهل المتعنت دركات.

ثم وفي (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) استجاشة لكافة القدرات العلمية واستنهاض للعلماء ان يكرسوا طاقاتهم للحصول على الأكثر فالأكثر من معاني آي الذكر الحكيم ، مستنبطين متشابهه بمحكمه ، ومجملة بمبيّنه ، فحاصلين على العبارة ثم الإشارة ثم الطائف ومن ثم الحقائق ، دونما نظرة بيان في هذه السبيل سوى بيانه ، فإنه النور المبين وما بال النور يستنير بنور سواه ام بنور سواه ، اللهم إلّا استيضاحا من السنة القاطعة متطرقة طريق الدلالة صريحة وظاهرة.

فلا تعني عربية القرآن إلّا جزالة بيانه ووضوح تبيانه وبرهانه ، وإن كانت تزيد في عربيته تفهما عربيته لغويا.

(بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ)(٤).

(تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (.. بَشِيراً وَنَذِيراً) «كتاب» :

(بَشِيراً وَنَذِيراً) (فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) : (بَشِيراً وَنَذِيراً) للعالمين : من يعلمون ومن لا يعلمون (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ) وهم الذين لا يعلمون «فهم» بإعراضهم عن هذا الذكر العظيم جاهلين أو متجاهلين «لا يسمعون» (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) «لا يسمعون» بآذانهم مخافة الانتباه ، لحد (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ) فإذا سمعوه بآذانهم لا يسمعون بعقولهم وقلوبهم ، فإنه قول محطّته الأنفس : (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) (٤ : ٦٣).

١٢

(وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ)(٥).

أعذار ثلاثة زعم أنها تعذرهم عن سماعه (فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) إمعانا في العناد وتيئيسا للرسول ليذرهم كما هم فيذروه كما هو :

(قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ) ـ (وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ) (٢ : ٨٨). ترى وهم صادقون في أكنة قلوبهم؟ أجل! ولكنها امتناع باختيارهم إذ كفروا وأصروا واستكبروا (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) (٦ : ٢٥).

(وَفِي آذانِنا وَقْرٌ) ثقل عن الاستماع والسماع ، وإذا اعترض أسماعهم فلا يصل إلى قلوبهم لأنها في أكنتها.

(وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) نحن لا نفهمك وأنت لا تفهمنا لاختلاف المبادئ فيما بيننا وبينك ، وسدّ المداخل إلى قلوبنا ، والأكنة جمع كنان وهو الستر والغطاء كعنان وأعنّة وسنان وأسنّة ، وقولتهم هذه خارجة مخرج الدلالة على استثقالهم ما يسمعونه او يستمعون من قوارع القرآن ، وبوارع البيان ، فكأنهم من قوة الزهادة فيه وشدة الكراهية له ، قد وقرت أسماعهم عن سمعه وأكنّت قلوبهم دون علمه ، وقد أكنها الله وأوقرها جزاء الاكتنان والتوقر.

إن الأسماع هي مداخل القلوب تعي ما سمعت وتسمع ما وعت ، فإذا كانت القلوب في أكنّة ، لا تدخلها الذكرى وإن كانت الآذان تسمع ولكن (فِي آذانِنا وَقْرٌ) إذا ـ فقلوبنا بعد في بعدي الكنان ، ثم (وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) يعم كنان القلوب ووقر الآذان إلى عمى الأبصار وتعطل الحواس أمّاذا من مداخل الأعضاء إلى القلوب ، وقد تعني «من» أن الحجاب مبتدء منا ومبتدء منك ، فهو إذا حجابان ذاتيان ، لا حجاب واحد

١٣

في هذا البين ، منفصلا عنا ، فاصلا بيننا ، فالمسافة المفاصلة بيننا وبينك مستوعبة بحجاب ، دون إبقاء على جزء هو خلو من حجاب.

إذا ففي ثالوث المفاصلات بيننا وبينك لا تفيدك الدعوة ولا إيانا «فاعمل» كما تشاء ما تشاء تجاهنا في شأنك (إِنَّنا عامِلُونَ) تجاهك ما نشاء كما نشاء وفي شؤوننا ، أذان منا إليك لحرب شعواء عشواء ، وبلاء لأواء (فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ)!

«فاعمل» في حجابك عنا (إِنَّنا عامِلُونَ) في حجابنا عنك ، فكل يعمل على شاكلته ، ثم «فاعمل» في إبطال أمرنا (إِنَّا عامِلُونَ) في إبطال أمرك ، «فاعمل» كما تستطيع في دعوتك سلبا وإيجابا (إِنَّنا عامِلُونَ) كما نستطيع ، فقد وقعت المفاصلة التامة ثم لا يرجى تأثير أية دعوة.

أتراهم صادقين فلا يمكنهم الاهتداء بما كفروا وختم الله؟ لقد صدق البعض وهم الذين (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ..) وكذب الآخرون ، فنجى الكاذبون (١) وهلك الصادقون!.

__________________

(١) الدر المنثور ٥ : ٣٦ ـ اخرج ابو سهل السري ابن سهل الجنديسابوري في حديثه من طريق عبد القدوس عن نافع بن الأزرق عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب في قوله (وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ ..) قال : أقبلت قريش الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لهم ما يمنعكم من الإسلام فتسودوا العرب فقالوا يا محمد ما نفقه ما تقول ولا نسمعه وان على قلوبنا لغلفا وأخذ ابو جهل ثوبا فمد فيما بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا محمد! (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ..) فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أدعوكم الى خصلتين ان تشهدوا ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واني رسول الله فلما سمعوا شهادة ان لا اله الا الله ولّوا على ادبارهم نفورا وقالوا اجعل الآلهة إلها واحدا ان هذا لشيء عجاب وقال بعضهم لبعض امشوا واصبروا على آلهتكم ان هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ان هذا الا اختلاق أأنزل ـ

١٤

وهذا نموذج مما كان يواجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته على طول الخط ، ولكنه ليس ليكفّ عن الدعوة او ييأس من تيئيسهم ، وليس ليجيب عن قولتهم الهباء الخواء إلّا بيانا لكيانه بالوحي :

(قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ)(٦).

آية لا ثانية لها في سائر القرآن إلّا التي في الكهف إلّا في ذيلها (.. فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (١١٠) (١).

إنني لا أحمل من بشريتكم إلّا ظاهر القالب ، وأما باطن القلب فإنه (يُوحى إِلَيَّ) دون قلوبكم المقلوبة الخاوية ، غير المهدية بهدى الوحي ، فأنا وحي في الفطرة والعقل والصدر والقلب والفؤاد واللب أماذا من جنبات الروح ، وأنا اكمّل بالوحي ما قصرتم او قصّرتم!

(أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أماثلكم في القلب ومداخله ومخارجه ، ولا أفاصلكم

__________________

ـ عليه الذكر من بيننا ، وهبط جبرئيل فقال يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول أليس يزعم هؤلاء ان على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي آذانهم وقر فليس يسمعون قولك ، كيف وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ادبارهم نفورا لو كان كما زعموا لم ينفروا ولكنهم كاذبون يسمعون ولا ينتفعون بذلك كراهية له ، فلما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلا الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا يا محمد! اعرض علينا الإسلام فلما عرض عليهم الإسلام اسلموا عن آخرهم فتبسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : الحمد لله ألستم بالأمس تزعمون ان على قلوبكم غلفا وقلوبكم في اكنة مما ندعوكم اليه وفي آذانكم وقرا وأصبحتم اليوم مسلمين ، فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كذبنا والله بالأمس لو كان كذلك ما اهتدينا ابدا ولكن الله الصادق والعباد الكاذبون عليه وهو الغني ونحن الفقراء اليه.

(١) راجع تفسير الآية الى الكهف تجد تفصيلها فيها فلا نعيدها هنا.

١٥

تلك المفاصلة التي تجعل من بيني وبينكم حجابا ، وفي قلوبكم أكنة وفي آذانكم وقرا ، فلا أفهمكم ولا تفهمونني ، لا أتحملكم ولا تتحملونني!

لا! أنا بشر كما أنتم ، أسمع وأبصر وأحس كما أنتم ، وأعي بقلبي ذاتيا ومن مداخله كما أنتم ، إلّا أن قلبي أوعى من قلوبكم إذ (يُوحى إِلَيَّ) دونكم ، وليست هذه المفاصلة بفاصلي عنكم ، وإنما هي مواصلة أخرى فيما لا تنالون بكامله ، وإن كنتم تنالونه دون كامله (أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) فلا حجاب بيني وبينكم إلّا منكم ، ولا كنان عما أذكّركم إلّا على قلوبكم منكم ، ولا وقر لما أسمعكم إلّا في أسماعكم منكم ، ثم من الله جزاء وفاقا : (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) (٦ : ٢٥) (بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ) (٢ : ٨٨)! (ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ) فأنا بشر كما هم وأنتم ، ولا بدعا فيما ادعو ف (إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) كما الرسل كلهم ، وهو قضية الفطرة والعقل وكافة البراهين حسية وعقلية ، فلما ذا الحجاب بكنانه ووقره أماذا؟ (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ) استقامة على قضية العقل والفطرة ، والعدل في القوامة والفضيلة ، دونما اعوجاج عنها ولا ارتتاج ، ثم الاستقامة «إليه» لا «له» فليس هو المستفيد من تلك الاستقامة ، وإنما هو المفيد المستقيمين إليه ، القاصدين سبيله «إليه» لا زمانا ولا مكانا ، وإنما مكانة وإمكانية في بعدي التكامل شرعة وتطبيقا «واستغفروه» عما يبعدكم عنه ويضلكم عن سبيله ـ : (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ..).

(الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)(٨).

المشرك بالله ـ بطبيعة الحال ـ لا يدين بدين الله فلا يؤتي الزكاة زيادة مالية على أية حال ، فإنها مطلق الزيادة ولا سيما قبل نزول آيات الزكوة

١٦

الخاصة ، والآية من أقدم المكيات ، ولمّا تفرض هذه الزكوة ، ولا يؤتي الزكوة حاليا أن يزكى نفسه كما تقول شريعة الله ، فلا له أموال زاكية ولا أحوال زاكية (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) فهم لمثلث الزمان هم خاسرون ، وأما حاله الدنيا فلا يزكيها لا مالا بتعطفه على عباد الله ، ولا حالا في انعطافه بنفسه تقربا إلى الله ، وأما مستقبله فهو كافر بالآخرة ، فهو ناكر للمبدء والمعاد وبينهما يعيش نكران الشرعة الحاكمة بين المبدء والمعاد ف «ويل لهم» بدء وعودا ، ويل لهم في أولاهم وويل لهم في أخراهم!

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بالله واليوم الآخر وبشرعة الله حيث تزكى أحوالهم وأموالهم (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) التي تتجاوب وإيمانهم (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) ولا مقطوع عطاء غير مجذوذ ، لأنه قضية فضل الله ، فليست له نهاية مهما كان الويل للمشركين ممنونا مقطوعا حين تخمد النار ومن في النار لأنه قضية عدل الله فله نهاية.

(قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(١٢).

آيات أربع من «فصّلت» هي منقطعة النظير في سائر القرآن بما فصّلت من أيام الخلق بين السماوات والأرض بعد إذ أجملت في آياتها

١٧

السبع (١) ولكنها تركت إجمالات بعد تفصيلاتها مما حيّرت ألباب الباحثين عنها فأصبحت معترك الآراء المتضاربة ، وقد توضحها هي بنفسها عند التأمل اللائق بها فيها ، والآيات التي تناظرها فتناصرها في إيضاح ما أجمل منها ما أجملها ، دون أن نمشي في تفسيرها مكبين على وجوهنا ، لاجئين في دراسة القرآن إلى نظريات العلماء القابلة للتبديل أو التعديل ، فلا نحمل على القرآن ما لا يتحمله من توجيهات ، أو هو ساكت عنها ، وإنما نستنبط من نصوصه وظواهره مشيا على صراط مستقيم ، حيث القرآن هو الإمام

__________________

(١) السبع هي التالية :

١ ـ (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٧ : ٥٤).

٢ ـ (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٥٧ : ٤).

٣ ـ (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ...) (١١ : ٧).

٤ ـ (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (١٠ : ٣).

٥ ـ (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) (٢٥ : ٥٩).

٦ ـ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) (٢٥ : ٣٩).

٧ ـ (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (٣٢ : ٤).

١٨

الذي لا بديل عنه. ولا دليل أوضح وأتقن منه ، فهو ـ فقط ـ المحور وسائر الأنظار حائرة حوله ، نصدق منها ما صادقه نصه دون تمحّل ، ونرجّح ما يصادق ظاهرا منه ثابتا متظاهرا بتفسير منه ، ونضرب عرض الحائط ما يخالفه نصا أو ظاهرا جليا أم لا يوافقه!

هنالك تساؤلات حول أيام الخلق ماهية؟ وما هما اليومان تارة لخلق الأرض ، وأخرى لتسبيع السماء ، وما هي الأربعة بينهما ولماذا هيه والجمع ثمانية؟ أو قد يزيد عليها يوم لأقل تقدير نصيبا مفروضا لخلق الدخان. فأين الثمانية او التسعة أما هيه؟ واين الستة الثابتة بآياتها السبع؟ (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)؟.

ثم ومن (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) نتلمح كصراحة أن خلق الأرض كان قبل السماوات بمرحلة ، فهو قبل خلق الأنجم في السماء الدنيا بمرحلتين ، فهي ـ إذا ـ قبل الشمس المخلوقة مع الأنجم ، وقد تنازع ذلك السبق آيات النازعات : (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها. رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها. وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها. أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها. وَالْجِبالَ أَرْساها. مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) (٢٧ ـ ٣٣).

وعلى ضوءها النظريات العلمية القائلة أن الأرض هي من مواليد الشمس المنفصلة عنها ، المستضيئة منها! ومن ثم فما ذا تعني (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) من الإستواء ومن الدخان؟ وما هي المقاولة بين رب العالمين والأرض ودخان السماء؟ وما هو إتيانهما طوعا أو كرها وقولهما : (أَتَيْنا طائِعِينَ) وإلى م يرجع ضمير الجمع في «فسواهن» ولا يسبقه جمع؟ وما هو الوحي في كل سماء ، دون إلى كل سماء أم لكل سماء؟

١٩

ما هو اليوم؟.

اليوم في مطلق ما يعنيه هو واحد الزمان حقيقيا أو نسبيا ، فالواحد الحقيقي هو واحد الحركة في المادة الاولية ولا يعلمها إلّا الله أو من علّمها إياه ك (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (٥٥ : ٢٩).

والنسبي ـ فيما نعرف ـ يعم اليوم الإلكتروني وهو مقطع من الزمان للدور الإلكتروني حول شمسها البروتوني ، وسنته ١ / ٠٠٠ ، ٥٠ ثانية أرضيه .. ثم اليوم الأرضي نهارا أم بليله كما في آيات قد لا تعدو عشرين (١) بين الآي التي تحمل اليوم وهي تذرف أربعمائة وتسعة وأربعين.

ثم أيام عمر الإنسان طفولة وكهولة وشيخوخة ، إلى ايام السلطة لآل فلان وفلان ، إلى يومي الدهر ف «الدهر يومان يوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فبكلاهما ستختبر» وإلى أيام عمر الكون منذ البداية حتى الآن ، وإلى يوم القيامة ، وإلى ايام السنة الأربع وهي فصولها التي يتقدر فيها الأرزاق كلها ، وإلى الأيام النجومية ، ثم الأيام الكونية التي خلقت فيها السماوات والأرض ، وقد تعد يوما واحدا بحساب المجموعة : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ..) (٩ : ٣٦) حيث اعتبرت الستة يوما واحدا ، والأيام التكاملية للأرض والسماوات بعد خلقهما ، أمّاذا من أيام ابتداء من (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) وانتهاء إلى يوم الكون كله منذ خلق حتى النهاية ، وبينهما متوسطات من هذه وسواها (٢).

إن الأيام المذكورة في آيات التقسيم ليست هي الوليدة عن دوران

__________________

(١) وهي الآيات ٢ : ٢٠٣ و ٣ : ٤١ وأضرابهما.

(٢) راجع ج ٢٩ : ١١٦ ستجد تفاصيل لليوم على ضوء آية المعارج.

٢٠