🚘

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٢

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج

هدى الطالب إلى شرح المكاسب - ج ٢

المؤلف:

السيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج


الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد للَّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين ، لا سيما الإمام المبين وغياث المضطر المستكين عجل الله تعالى فرجه الشريف ، واللعن المؤبد على أعدائهم أجمعين.

٣
٤

وينبغي التنبيه على أمور (١) :

الأوّل (٢):

______________________________________________________

تنبيهات المعاطاة

(١) قد تقدم في أوّل بحث المعاطاة : أن المصنف قدس‌سره اقتصر على بيان الأقوال ، والاستدلال لما اختاره ، وأوكل جملة من أحكامها إلى التنبيهات ، ولمّا فرغ قدس‌سره عن إثبات صحة المعاطاة وكونها بيعا لازما نبّه على أمور تتميما للبحث. ولا يخفى أنّ بعض هذه الأمور مستغنى عنه ، لابتنائه على تأثير المعاطاة في الإباحة التعبدية أو الملك الجائز ، وكلا القولين ممنوع ، لما تقدم مفصّلا من كونها كالبيع بالصيغة مفيدة للملك اللازم ، لكن المصنف قدس‌سره تعرّض لملزماتها استقصاء لجهات البحث.

التنبيه الأوّل : جريان شروط البيع وأحكامه في المعاطاة

(٢) الغرض من عقد هذا الأمر تحقيق اشتراط المعاطاة بشرائط البيع العقدي المعتبرة فيه شرعا ، وجريان أحكامه فيها ، بعد وضوح اعتبار شرائط البيع العرفي فيها ، فيبحث عن أنّه هل يعتبر في المعاطاة ما يعتبر شرعا في البيع القولي ـ عدا الصيغة ـ من الشروط المعتبرة في المتعاقدين والعوضين أم لا؟ وكذا هل تجري فيها الأحكام الثابتة للبيع بالصيغة كحرمة الربا وكالخيارات ، وأنّ تلف المبيع قبل قبضه يكون من مال البائع ، أم لا تجري فيها؟

٥

الظاهر (١) أنّ المعاطاة

______________________________________________________

وتنقيح البحث في هذا التنبيه يتوقف على التكلم في مقامين ، أحدهما : في الشروط ، والآخر : في ما يستتبعه البيع الصحيح من الأحكام.

أما المقام الأول ففيه جهات تظهر من مطاوي كلمات المصنف قدس‌سره.

الأولى : أنّ المعاطاة المقصود بها الملك بيع عرفيّ قطعا سواء أفادت الملك اللازم أم الجائز أم الإباحة الشرعية.

الثانية : أنّ المعاطاة المقصود بها الإباحة ليست بيعا ولا محكومة بأحكامه.

الثالثة : أن شرائط البيع وأحكامه هل تجري في المعاطاة المقصود بها التمليك أم لا؟ وسيأتي الكلام في كلّ منها إن شاء الله تعالى.

(١) هذا شروع في الجهة الأولى ـ وهي إثبات بيعية المعاطاة المقصود بها الملك ـ وتقريبه : أنّه إن قلنا بترتب الملك الجائز على المعاطاة المقصود بها الملك ففي كونها بيعا عرفيا أو معاوضة مستقلّة قولان :

أحدهما : أنّها معاوضة مستقلة ، وهو محتمل المحكي عن حواشي الشهيد على القواعد ، فلا تكون حينئذ محكومة بأحكام البيع ، إذ المرجع في تعيين شرائطها وأحكامها أدلة أخرى.

ثانيهما : أنّها بيع.

والصحيح من هذين القولين هو الثاني ، بشهادة ما تقدّم عند نقل الأقوال في حكمها من رجوع الخلاف الى الحكم دون الموضوع. بل يظهر من كلام المحقق الثاني قدس‌سره أنّ كونها بيعا ممّا لا كلام فيه حتى عند القائلين بكون المعاطاة فاسدة كما ذهب إليه العلامة في النهاية. ويدلّ على بيعيّتها عندهم تمسّكهم لذلك بقوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) إذ لو لم تكن بيعا لم يصحّ هذا التمسك كما لا يخفى.

هذا في المعاطاة التي قصد بها التمليك والتملك مع إفادتها الملك. وأمّا مع إفادتها الإباحة فالظاهر أيضا أنّها بيع عرفي ، إذ المفروض قصد المتعاطيين التمليك

٦

قبل اللزوم (١) ـ على القول بإفادتها الملك (٢) ـ بيع (٣) ، بل (٤) الظاهر من كلام المحقق الثاني في جامع المقاصد

______________________________________________________

البيعي ، غاية الأمر أنّه لا يترتب عليها شرعا إلّا الإباحة ، فالمراد بنفي بيعيّتها في كلامهم ومعاقد إجماعهم هو نفي الملك فضلا عن اللزوم.

وأمّا المعاطاة المقصود بها الإباحة ـ كما احتمله بل استظهره صاحب الجواهر قدس‌سره وجعلها مصبّ الأقوال ـ فلا إشكال في عدم كونها بيعا عرفا ولا شرعا.

فالمتحصل : أنّ المعاطاة إمّا أن يقصد بها التمليك مع إفادتها الملكية ، وإمّا أن يقصد بها التمليك مع إفادتها الإباحة شرعا ، وإمّا أن يقصد بها الإباحة. فهذه صور ثلاث تتكفّلها الجهة الأولى التي تضمّنها كلام المصنف قدس‌سره من أوّل التنبيه إلى قوله : «وحيث ان المناسب لهذا القول التمسك في مشروعيته .. إلخ».

(١) التقييد ب «قبل اللزوم» لأجل أنه لا ريب في بيعيّة المعاطاة المفيدة للملك اللازم كما هو مختاره قدس‌سره ، أو بعد عروض أحد الملزمات.

(٢) وكذا بناء على إفادتها الإباحة شرعا ، كما سيأتي بقوله : «وأما على القول بإفادتها للإباحة فالظاهر أنّها بيع عرفي» فتقييد صدق البيع على المعاطاة بإفادة الملك الجائز لعلّه من جهة كونه أقوى بحسب الاستظهار من الكلمات ، وأنّ احتمال عدم بيعيتها موهون جدّا لا يعتنى به.

(٣) يعني : ليست معاملة مستقلة ، كما يظهر من الشهيد قدس‌سره في الحواشي على ما ينقله المصنف قدس‌سره هنا وفي الأمر السابع ، بل في مفتاح الكرامة : «نسبة كونها معاملة مستقلة إلى ظاهر كلامهم» (١). وعليه فلا يشترط فيها شي‌ء من شروط البيع.

(٤) مقصوده الإضراب عن مجرّد ظهور كون المعاطاة بيعا إلى أنّ بيعيّتها من المسلّمات ، لا مجرّد الظهور الذي يبقى معه احتمال كونها معاملة مستقلة.

__________________

(١) : مفتاح الكرامة ، ج ٤ ، ص ١٥٨

٧

أنّه (١) ممّا لا كلام فيه (٢) ، حتّى عند القائلين بكونها فاسدة ، كالعلّامة في النهاية (١). ودلّ على ذلك (٣) تمسّكهم له (٤) بقوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ).

وأمّا (٥) على القول بإفادتها للإباحة (٦) فالظاهر أنّه (٧) بيع عرفي لم يؤثّر.

______________________________________________________

(١) أي : أنّ كون المعاطاة بيعا ممّا لا كلام فيه.

(٢) حيث قال المحقق الثاني : «وقوله تعالى (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) يتناولها ، لأنّها بيع بالاتفاق ، حتى عند القائلين بفسادها ، لأنّهم يقولون : هي بيع فاسد» (٢).

(٣) أي : على كونها بيعا.

(٤) أي : تمسّكهم لكون المعاطاة بيعا ، وجه الدّلالة : أنّها لو لم تكن بيعا لم تكن الآية المباركة متكفلة لحكم المعاطاة كأجنبيتها عن حكم الصلح والهبة ونحوهما من المعاملات ، فالاستدلال بالآية على مملّكية المعاطاة كاشف عن تسالمهم على كونها بيعا عرفا. وقد نبّه المصنف قدس‌سره على هذا المطلب في الاستدلال بالآية الشريفة على صحة المعاطاة وفي أدلة اللزوم أيضا ، فقال في الموضع الأوّل : «وإنكار كونها بيعا مكابرة» فراجع.

(٥) هذا عدل قوله : «على القول بإفادتها الملك» يعني : أنّ المعاطاة المقصود بها التمليك بيع عرفي سواء ترتب الملك عليها أم الإباحة تعبدا.

(٦) يعني : مع قصد المتعاطيين للتمليك ، فالمعاطاة حينئذ بيع عرفي ، إلّا أنّها لا تؤثّر في ما قصداه من التمليك ، بل تؤثّر بحكم الشارع في إباحة التصرفات ، فنفي بيعيّة المعاطاة حينئذ لا يكون بحسب الموضوع ، بل بحسب الحكم الشرعي ، إذ المفروض صدق البيع العرفي عليها.

(٧) أي : أنّ المعاطاة. وتذكير الضمير باعتبار الخبر ، أو باعتبار رجوعه إلى التعاطي.

__________________

(١) : نهاية الاحكام ، ج ٢ ، ص ٤٤٩

(٢) جامع المقاصد ، ج ٤ ، ص ٥٨

٨

شرعا إلّا الإباحة ، فنفي البيع عنها في كلامهم (١) ومعاقد إجماعهم هو البيع المفيد شرعا للّزوم زيادة على الملك (٢).

هذا (٣) على ما اخترناه سابقا (٤) من أن مقصود المتعاطيين في المعاطاة التملّك والبيع.

وأمّا على ما احتمله بعضهم (٥) ـ بل استظهره ـ من أنّ محلّ الكلام هو ما

______________________________________________________

(١) قد تقدمت هذه الكلمات في أوّل بحث المعاطاة عند بيان الأقوال ، فراجع (١).

(٢) لعلّ الأولى بسلاسة العبارة أن يقال : «هو البيع المفيد شرعا للملك فضلا عن لزومه» وجه الأولوية : أنّ نفي بيعية المعاطاة في كلمات القدماء ومعاقد إجماع مثل السيد أبي المكارم ابن زهرة قدس‌سره يراد به عدم تأثيرها في الملك أصلا ، لا اللازم منه ولا المتزلزل ، لتصريحهم بإفادتها للإباحة خاصة. وأمّا المحقق الثاني القائل بالملك الجائز فقد صرّح بصدق البيع عليها شرعا ، ولم ينكر ذلك أصلا. نعم لو كان مقصود المصنف أنّ المنفي شرعا هو الملك واللزوم معا كان ملتئما مع كلمات القدماء القائلين بالإباحة المجرّدة عن الملك. ولكن يبقى التنافي بين استظهار المصنف عدم البيعية شرعا وبين قول المحقق الثاني بالبيعية شرعا وبعدم اللزوم.

(٣) يعني : ما ذكرناه من صدق البيع على المعاطاة المقصود بها الملك ، سواء أثّرت فيه أم أفادت الإباحة خاصة.

(٤) حيث قال في تحرير محلّ النزاع في المعاطاة : «والذي يقوى في النفس إبقاء ظواهر كلماتهم على حالها ، وأنّهم يحكمون بالإباحة المجرّدة عن الملك في المعاطاة ، مع فرض قصد المتعاطيين التمليك ..» (٢).

(٥) كصاحب الجواهر قدس‌سره وقد تقدم كلامه في تحرير محلّ النزاع في المعاطاة ، فراجع (٣).

__________________

(١) : لاحظ الجزء الأوّل من هذا الشرح. ص ٣٣٦ إلى ٣٤٤

(٢) المصدر ، ص ٣٤٧

(٣) المصدر ، ص ٣٣٢

٩

إذا قصدا مجرّد الإباحة فلا إشكال في عدم كونها بيعا عرفا ولا شرعا (١).

وعلى هذا (٢) فلا بدّ عند الشك في اعتبار شرط فيها من الرجوع إلى

______________________________________________________

وبالجملة : فالمقصود في الجهة الأولى هو : انقسام المعاطاة إلى ما يقصد به التمليك وإلى ما يقصد به الإباحة. ولا إشكال في كون الأوّل بيعا ، كما لا إشكال في عدم كون الثاني بيعا.

(١) عدم بيعية المعاطاة المقصود بها الإباحة يكون من السالبة بانتفاء الموضوع ، لتقوّم البيع بقصد المبادلة والتمليك.

(٢) أي : وبناء على كون محل الكلام هو المعاطاة المقصود بها الإباحة لا التمليك فلا بدّ .. وهذا شروع في الجهة الثانية ، ومحصّلها : أنّ المعاطاة المقصود بها الإباحة لمّا لم تكن بيعا لم تكن شرائط البيع معتبرة فيها ، فإذا شكّ في اعتبار شرط فيها كان المرجع دليل مشروعية الإباحة المعوّضة ، والدليل منحصر في أمرين ، أحدهما :

إطلاق الأدلة اللفظية ، والثاني : السيرة.

فإن اعتمدنا على الدليل اللفظي كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الناس مسلّطون على أموالهم» ـ بالتقريب المتقدم في أدلة المعاطاة ـ كان مقتضى إطلاق سلطنة الملّاك على أموالهم جواز هذه الإباحة المعوّضة سواء أكانت واجدة لشرائط البيع أم فاقدة لها ، لاقتضاء الإطلاق نفي ما يشك دخله فيها ، فتجوز إباحة جنس ربوي بمثله مع التفاضل بينهما ، إذ ليست المعاطاة بيعا حتى تتوقّف مشروعيتها على رعاية شرائط البيع فيها.

وإن اعتمدنا على السيرة العقلائية الممضاة أو على السيرة المتشرعية تعيّن الاقتصار في مشروعية الإباحة المعوّضة على ما إذا روعي فيها شرائط البيع من معلومية العوضين ومساواتهما فيما كانا ربويّين وغير ذلك. وجه الاقتصار واضح ، إذ السيرة دليل لبّيّ لا بدّ من الأخذ بالمتيقن منها ، فلو لم يحرز أنّ مورد عمل العقلاء أو المتشرعة هو الإباحة المعوّضة مطلقا أو خصوص الواجد لشرائط البيع لزم الأخذ

١٠

الأدلة الدالّة على صحّة هذه الإباحة العوضية من خصوص (١) أو عموم.

وحيث إنّ المناسب لهذا القول التمسّك في مشروعيّته بعموم (٢) : «الناس مسلّطون على أموالهم» (١) كان مقتضى القاعدة (٣) هو نفي شرطية غير ما ثبت شرطيّته (*).

______________________________________________________

بالمتيقن من مورد إمضاء الشارع كما هو واضح.

(١) المراد بالدليل الخاص هو السيرة القائمة بين الناس في الإباحات المعوّضة ، ووجه خصوصيتها اقتصارها على إعطاء كل منهما ماله للآخر بقصد إباحة التصرف ، لا التمليك.

(٢) المراد بالعموم مطلق الشمول سواء أكان وضعيا أم حكميّا. والمراد به هنا هو الثاني أي إطلاق حديث السلطنة كمّا وكيفا ، لدلالته على مشروعية كل تصرف في المال وبأيّ سبب من الأسباب عدا ما خرج بالدليل.

(٣) وهو الأصل اللفظي أعني به إطلاق قاعدة السلطنة المقتضي لمشروعية كل تصرف في مال كمّا وكيفا.

__________________

(*) وأضاف إليه في الجواهر الاستدلال على ذلك بقاعدة طيب النفس المستفادة من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «فإنه لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله إلّا بطيبة نفسه» ومن مفهوم قوله عليه‌السلام : «فلا يحلّ لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه» والتجارة عن تراض ، ونحو ذلك (٢). فالمراد بالأصل الذي تمسّك به في الجواهر لعدم اعتبار العلم بالعوضين في هذه الإباحة المعوّضة هو إطلاق أدلته المذكورة ، هذا.

لكن الأدلة المزبورة لا يخلو الاستدلال بأوّلها وثالثها عن المناقشة ، إذ في أوّلها عدم كون قاعدة السلطنة مشرّعة بالنسبة إلى الأسباب على ما أفاده المصنف قدس‌سره في أدلّة

__________________

(١) : بحار الأنوار ، ج ٢ ، ص ٢٧٢

(٢) جواهر الكلام ، ج ٢٢ ، ص ٢١٨

١١

كما أنّه لو تمسّك لها (١) بالسيرة كان مقتضى القاعدة العكس (٢).

والحاصل : أنّ المرجع على هذا (٣) عند الشك في شروطها هي أدلة هذه المعاملة ، سواء اعتبرت (٤) في البيع أم لا.

______________________________________________________

(١) أي : للمعاطاة المقصود بها الإباحة ، ويمكن أن يستأنس لانعقاد السيرة عليها بمثل كلام شيخ الطائفة قدس‌سره من قوله : «وإنما هي استباحات بين الناس» لظهور باب الاستفعال في قصد ذلك ، كما أنّ الإضافة إلى الناس أمارة شيوعها ودورانها بينهم.

(٢) للزوم الاقتصار على القدر المتيقن ، وهو ما إذا جمعت هذه المعاطاة ـ المقصود بها الإباحة ـ جميع شرائط البيع ، فإذا شكّ في شرطية شي‌ء فيها كان مقتضى السيرة ـ التي هي دليل لبّيّ ـ اعتباره.

(٣) أىّ : على تقدير قصد الإباحة بالمعاطاة.

(٤) أي : الشروط ، كما إذا شك في اختصاص جواز الإباحة المعوّضة بكون المال حقيرا ، وعدم جريانها في الخطير ، فإن كان المرجع مثل إطلاق دليل السلطنة قلنا بها في الخطير ، وإن كان هو السيرة اقتصر على الحقير.

__________________

مملّكية المعاطاة ، (١) ، فالتمسك بها على مشروعية المعاطاة المقصود بها الإباحة ينافي ما سبق منه قدس‌سره من الإشكال في مشرّعيّة قاعدة السلطنة للأسباب.

إلّا أن يقال : إنّ مقصود المصنف قدس‌سره توجيه هذه الإباحة المعوّضة التي قال بمشروعيتها صاحب الجواهر قدس‌سره مستدلّا بقاعدة السلطنة ، وبحديث الحل ، وحينئذ لا سبيل للجزم بأنّ المصنف قدس‌سره بصدد تصحيح الإباحة المعوّضة بقاعدة السلطنة حتى يتّجه عليه التنافي في كلاميه هنا وفي أدلة مملّكية المعاطاة ، فراجع.

وفي ثالثها : اختصاصه بالاكتساب ، فلا تشمل آية التجارة إباحة التصرف.

نعم لا بأس بالتشبث بعموم «لا يحل مال امرء إلّا بطيب نفسه» إلّا على تأمّل فيه

__________________

(١) : راجع الجزء الأوّل من هذا الشرح ، ص ٣٩٥

١٢

.................................................................................................

__________________

تقدّم في أدلة لزوم المعاطاة (١) وبعموم الوفاء بالعقود بناء على صدق العقد على المعاطاة المقصود بها الإباحة.

وعليه فلو شكّ في اعتبار شي‌ء فيها فالمرجع إطلاق هذه الأدلة المقتضي لعدم الاعتبار ، إذ الموضوع للحلّ ـ بناء على التمسك بطيب النفس ـ هو الطيب المتحقق بالتعاطي من دون دخل شي‌ء في ذلك ، وهو كاف في دفع الشك في اعتبار الشرائط المعتبرة في البيع في المعاطاة المقصود بها الإباحة كتقدم الإيجاب على القبول ، وشرائط المتعاملين ، والعوضين ، وكاعتبار التقابض في الصرف ، والتساوي في المكيل والموزون ، وغير ذلك من الشرائط المعتبرة في البيع ، فإنّه لا دليل على اعتبار شي‌ء منها في المعاطاة المذكورة.

فإن قلت : إنّ دليل النهي عن الغرر يوجب اعتبار العلم بالعوضين في المعاطاة.

قلت : إنّ النهي عن الغرر مختص بالبيع الذي ليس منه المعاطاة المذكورة ، والنهي عن الغرر مطلقا غير ثابت بنحو يعتمد عليه.

نعم بناء على التمسك بعموم الوفاء بالعقود يعتبر شروط العقد كالتنجيز فيه ، ويرجع إليه في رفع احتمال شروط أخر. لكن صدق العقد على المعاطاة المقصود بها الإباحة لا يخلو عن خفاء.

والتمسّك بالسيرة أيضا مشكل جدّا ، لعدم تحققها ، إذ المفروض ـ كما تقدم آنفا وسابقا ـ أنّ المعاطاة المتداولة بين الناس هي المقصود بها التمليك. والسيرة العقلائية كالمتشرعية جارية على معاملة الملك مع المأخوذ بالمعاطاة المزبورة.

ولا يخفى أن الموجود في الجواهر في الاستدلال على هذه الإباحة المعوضة هو الأدلة اللفظيّة المتقدّمة ، وليس فيها من السيرة عين ولا أثر. فلعلّ تعرض المصنف للسيرة لأجل استقصاء جهات البحث وإن لم يوجد بينهم من يعتمد عليها. ويمكن

__________________

(١) : راجع الجزء الأوّل من هذا الشرح ، ص ٥١٩

١٣

وأمّا (١) على المختار من أنّ الكلام فيما قصد به البيع ، فهل يشترط فيه شروط البيع مطلقا (٢) ، أم لا كذلك (٣) ، أم يبتني (٤) على القول بإفادتها للملك والقول بعدم إفادتها إلّا الإباحة؟ وجوه.

______________________________________________________

(١) إشارة إلى الجهة الثالثة ، وهي ما إذا قصد بالمعاطاة التمليك ، وهو مختار المصنف ، وحاصلها : أنّه هل يعتبر في المعاطاة المقصود بها التمليك شروط البيع مطلقا أم لا تعتبر كذلك ، أم يفصّل في المعاطاة المقصود بها الملك بين ما يترتب عليها ما قصده المتعاطيان من التمليك ، وبين ما يترتب عليها الإباحة بحكم الشارع ، بأن يقال باعتبار شروط البيع في المعاطاة المؤثّرة في الملكية دون المؤثّرة في الإباحة؟ فيه وجوه أوّلها : الاعتبار مطلقا ، ثانيها : عدم الاعتبار مطلقا ، ثالثها : التفصيل بين ترتب الملك وبين ترتب الإباحة ، وسيأتي الاستدلال على كلّ منها.

(٢) يعني : سواء أفادت المعاطاة الملكية التي قصدها المتعاطيان ، أم الإباحة التي لم يقصداها لكن الشارع حكم بها. كما أنّه بناء على إفادة الملك لم يفرق بين ترتب الملك اللازم عليه أم الجائز ، عملا بإطلاق الملك.

(٣) أي : مطلقا ، وقد عرفت المراد بهذا الإطلاق.

(٤) هذا إشارة إلى التفصيل المزبور.

__________________

استفادة عدم صلاحية السيرة من تعبيره ب «لو» الامتناعية.

وعلى هذا فينحصر الوجه في هذه الإباحة بما دل على حلية المال بطيب نفس مالكه ، ومقتضى حصر الحلّ بطيب النفس هو كون الموضوع المنحصر للحلّ مجرّد طيب النفس ، فإطلاقه ينفي احتمال شرطية كل ما يشكّ في شرطيته للإباحة المترتبة على المعاطاة.

فالمتحصل : أنّ المعاطاة المقصود بها الإباحة ليست بيعا ، ولا محكومة بشرائطه وأحكامه كالخيار ، لانتفاء موضوعها. وإذا شك في شرطيّة شي‌ء من شرائط البيع في المعاطاة المذكورة يتمسك لنفيها بإطلاق دليل مشروعيتها ، وهو قاعدة طيب النفس.

١٤

يشهد (*) للأوّل (١) كونها بيعا عرفا ، فيشترط فيها جميع ما دلّ على اشتراطه في البيع.

______________________________________________________

(١) يعني : للوجه الأوّل ، وهو اعتبار شروط البيع في المعاطاة المقصود بها التمليك مطلقا. وحاصل ما استدل به المصنف قدس‌سره على الوجه الأوّل هو : أنّ البيع يصدق على المعاطاة بحيث تكون من أفراده ومصاديقه ، فيشملها حينئذ ما دلّ على اعتبار شروط فيه كالقبض في بيع الصرف ، ومعلومية العوضين ، وتساويهما في المكيل والموزون مع وحدة الجنس. أمّا صدق البيع العرفي على المعاطاة المقصود بها التمليك فظاهر ، ومع صدقه عليها يشملها أدلّة الشرائط الثابتة للبيع. وعليه فيشترط في المعاطاة المذكورة جميع ما يشترط في البيع بالصيغة.

__________________

(١) مجرّد صدق البيع العرفي على المعاطاة لا يشهد باعتبار شروط البيع فيها ، إلّا إذا أفادت الملكية التي قصدها المتعاطيان ، لأنّ المعاطاة حينئذ بيع عرفي وشرعي ، ومن المعلوم أنّ موضوع الشروط الشرعية هو البيع الصحيح أي المؤثّر في الملكيّة في نظر الشارع حتى يكون وجوده مساوقا لنفوذه ، والمفروض كون المعاطاة كذلك. نعم موضوع دليل الإمضاء هو البيع العرفي ، وأدلّة الشروط تقيّد البيع العرفي بالشرعي ، يعني : أنّ البيع النافذ شرعا هو المقيد بالشروط الكذائية ، لا البيع العرفي بما هو بيع عرفي.

وأمّا إذا أفادت الإباحة فليست المعاطاة حينئذ بيعا شرعيا أي ليست مشمولة لدليل الإمضاء والنفوذ كقوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) ومن المعلوم أنّ الشروط لا تعتبر في غير البيع الشرعي الموضوع للأثر ، والمفروض أنّ المعاطاة المذكورة ليست بيعا مؤثّرا ، فلا تعتبر فيها شرائط البيع.

إلّا أن يقال : إنّ المعاطاة المقصود بها التمليك بيع حقيقة ، فيعتبر فيها جميع ما يعتبر في البيع القولي ، ولا يقدح في بيعيتها عدم إمضاء الشارع الملكية المنشئة بها إلى زمان طروء أحد ملزمات المعاطاة ، وذلك لإمكان أن يكون توقف الملكية في المعاطاة على ملزماتها كتوقفها على القبض في بيع الصرف والسّلم ، فكما يكونان بيعا

١٥

.................................................................................................

__________________

عرفا وشرعا ، ولا يخرجهما التوقف المزبور عن البيع العرفي والشرعي ، فكذلك المعاطاة المفيدة للإباحة إلى زمان عروض أحد الملزمات.

وإن أبيت عن ذلك ، لكونه قياسا ـ مضافا إلى أنه مع الفارق ، لثبوت الإباحة في المعاطاة إلى حصول الملزم دون بيع الصرف والسّلم ، لعدم ثبوت إباحة التصرف فيهما بنفس العقد ، بل لا يترتب عليهما إلّا الملك بعد القبض ـ فيمكن أن نقول : إنّ هذه المعاطاة المقصود بها التمليك وإن كانت فاسدة ، لعدم إمضاء الشارع لها ، فلا يترتب عليها الأثر المقصود وهو الملكية ، إلّا أنّ الإجماع قام على جواز تصرف المتعاطيين في المالين ، ولم يقم على جوازه في سائر العقود الفاسدة ، وحيث إنّ الإجماع من الأدلّة اللّبّيّة فيقتصر على ما هو المتيقّن وهو كون المعاطاة واجدة لجميع شرائط البيع حتى المختلف فيها ، إلّا الصيغة.

وإن شئت فقل : إنّ مقتضى عموم حرمة التصرف في مال الغير إلّا بإذنه هو حرمة التصرف في المأخوذ بالمعاطاة التي قصد بها التمليك ولم يمضها الشارع ، لكن المخصّص وهو الإجماع دلّ على جواز التصرف فيه ، ولمّا كان لبّيّا فيقتصر في تخصيصه للعام على القدر المتيقن ، وهو ما إذا استجمع المعاطاة شرائط البيع بأسرها ، ويبقى الباقي تحت العام.

فقد ظهر من هذا البيان عدم الفرق في الشرائط المعتبرة في المعاطاة المذكورة بين كون مستندها دليلا لفظيا وبين كونه لبّيّا. ولا منافاة بين الإجماع على إباحة التصرفات في المأخوذ بالمعاطاة ، وبين إجماعهم على نفي بيعيتها حتى يتوهم عدم الأخذ بالقدر المتيقن من الإجماع هنا بعد تصريحهم بأنّها ليست بيعا.

وجه عدم المنافاة : أنّ المقصود بنفي البيعية هو نفيها حدوثا ، لاعترافهم بإفادتها الملك بعد طروء الملزمات.

وعليه لا مانع من الأخذ بالقدر المتيقن من الإجماع. هذا.

لكن قد عرفت سابقا عدم إجماع تعبدي على الإباحة ، فالتوجيه الثاني أيضا في غير محله.

١٦

ويؤيّده (١) أنّ محل النزاع بين العامة والخاصة في المعاطاة هو : أنّ الصيغة معتبرة في البيع كسائر الشرائط أم لا؟ كما يفصح عنه (٢) عنوان المسألة في كتب كثير من العامة والخاصة ، فما (٣) انتفى فيه غير الصيغة من شروط البيع خارج عن هذا العنوان وإن (٤) فرض

______________________________________________________

(١) معطوف على «يشهد» والضمير البارز راجع الى الأوّل. وحاصل وجه التأييد : أنّهم جعلوا محل النزاع بين العامة والخاصة اعتبار الصيغة في البيع وعدمه ، فمن قال باعتبار الصيغة فيه نفى بيعيّة المعاطاة ، ومن قال بعدم اعتبار الصيغة فيه قال بصحة المعاطاة ، ولذا فرّعوا عدم كفاية المعاطاة على اعتبار الصيغة فيه ، فيظهر من هذا التفريع أنّ الفارق بين البيع القولي والمعاطاتي هو وجود الصيغة وعدمها ، دون غير الصيغة من الشرائط. ولا يصح هذا التفريع إلّا مع اعتبار جميع شرائط البيع في المعاطاة إلّا الصيغة ، فلو لم يكن سائر شرائط صحة البيع مجتمعة فيها لم يصدق عليها عنوان البيع قطعا.

ثمّ إنّ التعبير عن هذا الوجه بالتأييد ـ دون الدلالة والشهادة ـ إنّما هو لكونه استشهادا بما صنعه الفقهاء من تفريع بحث المعاطاة على بحث ألفاظ العقود ، وهو ليس دليلا شرعيا من الكتاب والسنة والإجماع ، ولكن هذا المقدار صالح للتأييد كما لا يخفى.

(٢) أي : عن كون محل النزاع في المعاطاة هو .. إلخ.

(٣) أي : فالمعاطاة الفاقدة لشرط آخر ـ غير الصيغة ـ من شروط البيع خارجة عن المعاطاة التي هي مورد البحث بين العامة والخاصة ، وجه الخروج اتفاق الكل على اعتبار شرائط البيع القولي في المعاطاة ، وأنّ الفارق بينهما مجرّد الصيغة.

(٤) وصلية ، يعني : أنّه بعد وضوح استجماع شرائط العوضين والمتعاقدين في المعاطاة ، نقول : لو فرض قيام دليل على أنّ المعاطاة الفاقدة لشرط معلومية العوضين مثلا تفيد الإباحة أو الملك كالمعاطاة المستجمعة للشرائط لم يكن هذا الاشتراك في الأثر كاشفا عن بيعية المعاطاة الفاقدة لبعض الشرائط حتى يتوهم عدم اعتبار

١٧

مشاركا له (١) في الحكم ، ولذا (٢) ادّعى في الحدائق «ان المشهور بين القائلين بعدم لزوم المعاطاة صحة المعاطاة المذكورة إذا استكمل شروط البيع غير الصيغة المخصوصة ، وأنّها (٣) تفيد إباحة تصرف كل منهما فيما صار إليه من العوض» (١) ومقابل المشهور في كلامه قول العلامة في النهاية (٢) بفساد المعاطاة ، كما صرّح به بعد ذلك (٤) ، فلا يكون كلامه (٥) موهما لثبوت الخلاف في اشتراط صحة

______________________________________________________

شرائط البيع القولي في المعاطاة ، بل الاشتراك المزبور حكم تعبدي ، مع تعدد الموضوع. كما أنّ البيع والهبة متحدان في اعتبار كون المبيع والموهوب عينا لا منفعة وإن كان لكلّ منهما أحكام مختصة.

(١) أيّ : للبيع المعاطاتي المستجمع لشرائط البيع القولي عدا الصيغة.

(٢) ولأجل لزوم اجتماع الشرائط إلّا الصيغة في المعاطاة ادّعى في الحدائق .. إلخ.

(٣) معطوف على «صحة» ومفسّر لها ، حيث إنّ ظاهر الصحة هو ترتب الأثر المقصود أعني الملكية ، والمفروض عدم ترتبها على المعاطاة. فالمراد بصحتها حينئذ هو ترتب الإباحة عليها بحكم الشارع لا الملكية المقصودة للمتعاطيين.

(٤) حيث قال المحدث البحراني بعد العبارة المتقدمة : «وعن العلّامة في النهاية القول بفساد بيع المعاطاة ، وأنّه لا يجوز لكل منهما التصرف فيما صار إليه ، من حيث الإخلال بالصيغة».

(٥) أي : كلام الحدائق. وحاصل كلامه : أنّ موضوع كلام المشهور من إفادة المعاطاة للإباحة وقول العلامة بفسادها وعدم ترتب أثر عليها هو المعاطاة الجامعة لجميع شرائط البيع ، فيكون قول المشهور بالإباحة مقابلا لقول العلامة ، لا مقابلا لاستكمال شروط البيع ، فموضوع الحكم بالصحة عند المشهور وبالفساد عند العلّامة هو استكمالها لشرائط البيع ، فلو لم تستكملها كانت فاسدة عند الكلّ.

__________________

(١) : الحدائق الناضرة ، ج ١٨ ، ص ٣٥٦ ، والعبارة منقولة باختلاف يسير عمّا في الحدائق.

(٢) نهاية الأحكام ، ج ٢ ، ص ٤٤٩

١٨

المعاطاة باستجماع شرائط البيع.

ويشهد للثاني (١) أنّ البيع في النص (٢) والفتوى (٣) ظاهر فيما حكم فيه باللزوم ، وثبت له الخيار في قولهم : «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا»

______________________________________________________

(١) أي : للوجه الثاني وهو عدم اعتبار شروط البيع القولي في المعاطاة المقصود بها التمليك مطلقا سواء أفادت الملكية أم الإباحة. أمّا على الثاني فواضح ، لعدم كون هذه المعاطاة بيعا لا في نظر الشارع ولا في نظر المتشرعة ، لأنّ الأثر المقصود من البيع ـ وهو التمليك أو التبديل ـ لا يترتب عليها ، فلا تكون المعاطاة حينئذ بيعا حتى يعتبر فيها شروطه.

وأمّا على الأوّل فلأنّ البيع في النص والفتوى ظاهر في البيع المبنيّ على اللزوم لو لا الخيار ، لأنّه مفاد دليل الإمضاء كآيتي (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) بحيث يكون الخيار على خلاف مقتضى طبعه.

وإن شئت فقل : إنّه لا إطلاق لأدلّة شروط البيع حتى يشمل البيع العرفيّ المفيد شرعا للإباحة أو الملك الجائز ، ومع عدم الإطلاق من هاتين الجهتين لا يمكن التمسّك بأدلّة الشروط.

كما أنّه بناء على الإطلاق من كلتا الجهتين المذكورتين تكون المعاطاة المقصود بها التمليك مشمولة لأدلة شروط البيع وإن كانت مفيدة للإباحة.

وبناء على الإطلاق من الجهة الثانية ـ وهي إفادة البيع الملك اللازم أو الجائز ـ تكون المعاطاة المقصود بها التمليك المفيدة شرعا للملك الجائز أو اللازم صحيحة ومشمولة لأدلة الشروط المعتبرة في البيع.

(٢) يعني : النصوص المتكفلة لأحكام البيع ، مثل «أقاله في البيع» و «نهي النبي عن بيع الغرر» ونحوهما.

(٣) كقول الفقهاء : «الأصل في البيع اللزوم» و «البيع هو العقد الدّال على نقل العين ..» ونحوهما من الإطلاقات التي يراد بالبيع فيها ما هو المبني على اللزوم ، لا الأعم منه ومن الجائز.

١٩

ونحوه (*). أمّا على القول بالإباحة ، فواضح (١) ، لأنّ المعاطاة ليست على هذا القول بيعا في نظر الشارع والمتشرعة ، إذ لا نقل (٢) فيه عند الشارع ، فإذا ثبت (٣) إطلاق الشارع عليه في مقام فنحمله على الجري على ما هو بيع باعتقاد العرف ، لاشتماله على النقل في نظرهم. وقد تقدّم سابقا (٤) في تصحيح دعوى الإجماع (٥)

______________________________________________________

(١) يعني : فعدم صدق البيع على المعاطاة واضح.

(٢) يعني : والمفروض أنّ البيع هو النقل ، فعدم النقل يكشف عن عدم البيع.

(٣) غرضه قدس‌سره التفكيك بين نظر المتشرعة بما هم متشرعة وبين نظر العقلاء بما هم عقلاء ، فإنّهم بما هم متديّنون يلتزمون بعدم بيعية المعاطاة ، لكونها مؤثّرة في الإباحة خاصة. ولكنّهم بما هم عقلاء لا يفرّقون بين البيع القولي والفعلي بعد اشتراكهما في قصد التمليك والنقل. وعلى هذا فلو أطلق الشارع البيع على المعاطاة أحيانا ـ مع سلب العنوان عنها حقيقة ـ كان المراد صدقه بنظر العرف الّذين لا عبرة بنظرهم ما لم يمضه الشارع.

(٤) يعني : في المعاطاة ، حيث قال في مقام التفكيك بين الصحة العرفية والشرعية : «فيصحّ على ذلك نفي البيعية على وجه الحقيقة في كلام كلّ من اعتبر في صحّته الصيغة» (١).

(٥) الذي ادّعاه في الغنية في مقام الاحتراز عن القول بانعقاد البيع بالاستدعاء من المشتري ـ بعد اعتبار الإيجاب والقبول ـ حيث قال : «واحترازا أيضا عن القول بانعقاده بالمعاطاة ، نحو أن يدفع إلى البقلي قطعة ويقول : أعطني بقلا ، فيعطيه ، فإنّ ذلك

__________________

(*) مرجع هذا الشاهد إلى منع إطلاق أدلة شروط البيع للبيع الشرعي اللازم والجائز ، بل تختص بالبيع النافذ اللازم ، فلا يشمل البيع النافذ الجائز كما هو مفروض المصنف قدس‌سره في المعاطاة المقصود بها التمليك.

__________________

(١) راجع الجزء الأول من هذا الشرح ، ص ٣٦١

٢٠