🚖

المحاضرات المنبريّة في المجالس الصفريّة

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »

المحاضرات المنبريّة في المجالس الصفريّة

المؤلف:

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
ISBN: 964-8163-14-6
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وهكذا دواليك مصير كل ظالم إلى الزوال ، أين يزيد الظالم الذي لا يعرف له قبر ، وهذه بنت الامام الحسين عليه‌السلام السيدة رقية (٤) سنوات عمرها وقد شيّد لها مرقد يبهر النظار إليه هذا يزيد الذي ليس له ذرّة من الإنسانية والعطف والشفقة على آل رسول الله .

يقول الراوي حملت النساء والأطفال على ظهر الجمال العارية مرّبقات مكتّفات ، وكانت كل امرأة بمجرد أن يرتفع صوتها بالبكاء يضربها زجر بكعب الرمح ويمنعها من البكاء ـ حتى أدخلوهن الشام ـ ولكن بأيّ حالة ؟ يقول إمامنا زين العابدين عليه‌السلام لما قربنا من الشام انزلونا عن الجمال وجاءوا بحبال وربّقونا بها ، وكان الحبل ممدوداً ـ من عنقي إلى اكتف عمّتي زينب وأُم كلثوم وباقي بنات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وكنّا كلما قصرنا عن المشي ضربونا بالسياط ، وكلما عثر طفل أو سقط تنهال عليه السياط إلى أن أدخلونا على يزيد ، فوقفنا بين يديه ثلاث ساعات من النهار .

فقال له الامام زين العابدين عليه‌السلام يا يزيد ما ظنّك بجدّي رسول الله لو رآنا على مثل هذه الحال ؟ قالوا فأمر يزيد بالحبال فقطّعت عن أعناقهم واكتافهم ، ثم أمر يزيد باحضار رأس الحسين عليه‌السلام فأُحضر الرأس الشريف في طشت من ذهب وجعلوه بين يدي يزيد وهو لا يتمالك نفسه من شدة الفرح والسرور ، فأخذ يزيد عود الخيزران وصار يضرب شفتي ابي عبد الله وهو يقول :

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأمل

لأهلوا واستهلوا فرحاً

ثم قالوا يا يزيد لا تشل

لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل

لستُ من خندق إن لم انتقم

من بني أحمد ما كان فعل

قد قتلنا القرم من ساداتهم

وعدلنا ميل بدر فاعتدل

٤١

التفت إليه سفير ملك الروم ، قال ليزيد رأس من هذا ؟ قال رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ، قال أليس هذا ابن بنت نبيّكم ؟ قال : بلى ، فقال : أُفٍّ لك يا يزيد ، نحن معاشر النصارىٰ عندنا في بعض الجزائر أثر حافر حمار عيسىٰ ونحن نحجّ إليه كل عام من الاقطار وانتم تقتلون ابن بنت نبيّكم ؟ فأشهد انكم على باطل ، فأغضب يزيد هذا الكلام وأمر بقتله فقام إلى الرأس الشريف فقبّله وتشهد الشهادتين ثم قُتل .

ثم إنّ عدو الله جعل يضرب شفتي الحسين بالعصا أمام اخواته وبناته وعائلته ، كانت فاطمة بنت الامام الحسين عليه‌السلام تنظر إلى رأس أبيها فأخبرت عمتها ما يصنع يزيد برأس أبيها فلما نظرت صاحت وا أخاه وا حسيناه يابن مكة ومنىٰ يابن زمزم والصفا أهكذا يصنع برأسك يا حبيب رسول الله ، فبكى الحاضرون لندبتها .

راسك يخويه حين شفته

تلعب عصا ايزيد اعلى شفته

ذاك الوكت وجهي لطمته

صديتله ابحرگه وندهته

شلّت يمينك يالضربته

من شافتي الظالم عذلته

شتمني وتعدتله شتمته

يا سلوة الهادي او مهجته

يا أخو المثلك ضيّع أخته

* * *

انه امنين ابو فاضل اجيبه

وراويه حال اخته الغريبه

الما مثل امصيبتها مصيبه

* * *

٤٢

اتمنّه يابن سفيان سبع الگنطره موجود

ويشوفك تحاچيني وتضرب راس اخوي ابعود

لاچن بطل حيلي اعليه ظل اعله النهر ممدود

* * *

انه ويني او وين الدواوين

مني امخدرة عباس وحسين

واولاد عمّي الهاشميين

شسوي وهلي عنّي بعيدين

* * *

وأعظم ما يشجي الغيور دخولها

إلى مجلس ما بارح اللهو والخمرا

* * *

٤٣

الأدوار المهمّة للأئمة عليهم‌السلام تجاه ثورة الحسين عليه‌السلام

وقالوا لم يغسّل شبل طه

ألم يك غسله فيضُ الوريد

وقالوا لم يكفّن والسوافي

عليه نسجن ضافية البرود

وقالوا لم يقلّب والعوادي

تقلّبه على وجه الصعيد

وقالوا لم يشيّع فوق نعش

كتشيع الجنائز للحود

فقلت إذاً لمن في الرمح رأسٌ

يطاف به البلاد إلى يزيد

وتلك بنات نعش أم نساء

سرين توابعاً قمر السعود

* * *

خيالي چنت اگود الابل وحدي

وعگب ذاك الاخو ظليت وحدي

يحگ لي البس ثياب الحزن وحدي

على أهلي البگو بأرض الغاضريه

* * *

خويه مشينه اعلى الهزل ومچتفينه

أو مشينه ابها اليسر غصبن علينه

وياكم نظل لو يحصل بيدينه

لمن يحسين يلفينه المحتم

* * *

٤٤

يحسين لا تلفت لينه

وتشوفنه نشگف بيدينه

* * *

ناداها من فوگ الرمح الله يرعاچ

صبري يخيتي وسلّمي امرچ المولاچ

راسي على راس الرمح هالرايح اوياچ

وياچ يبره العايله ويرعه اليطيحون

* * *

يختي استعدي للهظم والهظم جدام

او لابد يودوكم يساره الطاغي الشام

او لابد تسمعون المسبة ابمجلس العام

او لابد تشوفون المذلّه الوان وفنون

* * *

لهفي لرأسك وهو يرفع مشرقاً

كالبدر فوق الذابل الميّاد

يتلو الكتاب وما سمعت يواعظ

اتخذ القنا بدلاً من الأعواد

* * *

بعض الأدوار المهمة التي قام بها أهل البيت عليهم‌السلام بالنسبة لثورة الحسين عليه‌السلام :

١ ـ ترسيخ الثورة في ضمير الأُمة : وذلك من خلال وسائل متعددة منها ذكر تفاصيل عن مظلومية الحسين عليه‌السلام فمثلاً امامنا الرضا عليه‌السلام قال : « ومن ذكّر بمصابنا فبكىٰ وأبكىٰ لم تبك عينه يوم تبكي العيون » أو من خلال عقد هذه المجالس واحياء ذكر أهل البيت عليهم‌السلام فمثلاً قال الرضا عليه‌السلام : « ومن جلس مجلساً يحيىٰ فيه امرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب » .

وكذلك عن طريق ذكر يوم الثورة ويوم الشهادة وهو اليوم العاشر من المحرّم يعتبر يوم عظيم مشهود فمن أجل أن تترسخ الثورة في جسم الامة يتطلب احياء هذا اليوم وفعلاً كان عمل الأئمة عليهم‌السلام في هذا اليوم متميّزاً بارزاً .

٤٥

اعلان حالة الحداد العام تعطيل الأعمال : فقد روي عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام : « من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة » (١) .

اظهار المصيبة : كان الأئمة يتفاعلون مع المصيبة تفاعلاً حقيقياً وحيّاً فقد روي عن الامام الرضا عليه‌السلام قوله : « كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرىٰ ضاحكاً وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي عشرة أيام منه فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ويقول هو اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه‌السلام » (٢) .

وكذلك روي عن الإمام الرضا عليه‌السلام قوله : « من كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه جعل الله عزّ وجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره وقرّت في الجنان عينه » (٣) .

تبنّي القضية : كان الأئمة عليهم‌السلام يدفعون أصحابهم إلى تبنّي قضية الامام الحسين عليه‌السلام على ان يكون هو صاحب العزاء ولهذا عليه أن يثأر لتلك الدماء الطاهرة كما وردت روايات تطلب من المؤمنين ان يعزي بعضهم البعض الآخر في يوم عاشوراء كما روي ذلك عن الإمام الباقر عليه‌السلام قال الراوي قلت كيف يعزي بعضهم بعضاً ؟ قال يقولون : « عظم الله أُجورنا بمصابنا بالحسين عليه‌السلام وجعلنا وإياكم من الطالبين بثأره مع وليّه المهدي من آل محمد » (٤) . وكذلك الأئمة كانوا يبيّنون للأُمة للتبري ولعن قتلة الحسين عليه‌السلام كما روي الريان بن شبيب عن الرضا عليه‌السلام : « يابن شبيب ان سرك ان تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي وآله صلوات الله عليهم فالعن قتلة الحسين عليه‌السلام » (٥) . كذلك تعليم المحب لزيارة عاشوراء عليهم‌السلام هذه الزيارة التي لها آثار كثيرة وقد ذكر المحدث القمي قدس‌سره قصة عن

______________________

(١ ـ ٣) بحار الأنوار ج ١٠١ ، ص : ١٠٢ .

(٤ و ٥) نفس المصدر : ١٠٣ .

٤٦

امرأة كانت ملتزمة بزيارة عاشوراء ولما ماتت ودفنت زارها الامام الحسين عليه‌السلام ثلاث مرّات وفي المرّة الثالثة تشفع في مجاوري قبرها حيث امر أن يرفع العذاب عنهم لأجلها ، نعم أنّ الحسين عليه‌السلام هو البرّ الوفي « من زارني زرته » ومن هنا أكّد الأئمة عليهم‌السلام على ضرورة زيارة قبره عليه‌السلام يوم العاشر وذلك لما روي عن أبي عبد الله عليه‌السلام : « من زار قبر الحسين بن علي عليه‌السلام يوم عاشوراء عارفاً بحقّه كان كمن زار الله في عرشه » (١) .

العمل المضاد : ومقابل عمل الأئمة عليهم‌السلام باتجاه ترسيخ الثورة والثوار في جسم الأُمة كان هناك عملاً مضادّاً من قبل الطغاة واعوانهم من أجل محو آثار الثورة وانعكاساتها فقد اشاع الطغاة وعملوا على تلك الإشاعة ، وهي ان يوم العاشر من محرم يوم فرح وبركة ويستحب فيه الصوم وينبغي إظهار الفرح وإقامة الزينة ، كما لاحظنا في بعض مناطق الخليج ومما يؤسف له ، ان زواجهم يجعلونه ليلة العاشر من المحرّم وليس ذلك إلّا لفرحهم بقتل الحسين عليه‌السلام كما ورد في زيارة عاشوراء « وهذا يوم فرحت به آل زياد وآل مروان ... » . فقد روى عبد الله بن الفضل قال قلت للصادق عليه‌السلام يابن رسول الله كيف سمّت العامة يوم عاشوراء يوم بركة ؟

فبكى عليه‌السلام ثم قال : « لمّا قتل الحسين عليه‌السلام تقرّب الناس بالشام إلى يزيد فوضوعوا له الأخبار وأخذوا عليها جوائز من الأموال فكان مما وضعوا له أمر هذا اليوم وانه يوم بركة ، ليعدل الناس فيه من الجزع والبكاء والمصيبة والحزن إلى الفرح والسرور والتبرك والاستعداد فيه ، حكم الله بيننا وبينهم » (٢) .

وفي رواية أُخرى يسأل أحدهم الامام الرضا عليه‌السلام عن صوم يوم عاشوراء وما يقول الناس فيه ؟ فقال الإمام الرضا عليه‌السلام عن صوم ابن مرجانة تسألني ؟ ذلك يوم

______________________

(١) البحار ج ١٠١ ، ص : ١٠٥ .

(٢) بحار الأنوار ج ١٠١ ، ص : ١٠٤ .

٤٧

صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين عليه‌السلام (١) . نعم ورد عندنا ليس صوماً كاملاً وليكن الافطار بعد الزوال بساعتين أو ثلاث فهو ليس صوماً حقيقياً كاملاً ، وانما صامه الأدعياء باعتبار ظفر يزيد بالحسين عليه‌السلام فيصومون شكراً خذلهم الله ولعنهم .

٢ ـ تركيز روح الثورة والتضحية عند الأُمة : وذلك من خلال نقل الصور الرائعة في التضحية لكل الثوار المشتركين مع الحسين عليه‌السلام ، كما هو واضح من خلال إذن الحسين عليه‌السلام لهم بالانصراف لكنّهم أصرّوا على البقاء مع والفداء دونه خصوصاً لما طلب منهم الحسين عليه‌السلام ليلة العاشوراء ان يأخذ كل رجل من الأنصار بيد رجل عن بني هاشم ويتفرقوا في الليل « هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ... » فلم ينصرفوا وقام زهير بن القين فقال : « والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أُقتل هكذا ألف مرّة وإنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك » (٢) . أو فيما ينقل عن هذه المرأة الصالحة التي قتل زوجها في المعركة بين يدي الحسين عليه‌السلام وكان عندها ولو صغير فقالت : ولدي قم وانصر الحسين عليه‌السلام وبيّض وجهي عند فاطمة الزهراء عليها‌السلام فاستجاب لطلب أُمّه وأقبل نحو الحسين عليه‌السلام فلما نظر إليه الحسين عليه‌السلام لم يأذن له قال له بنيّ إنّي لا أُحبّ أن أجمع على أُمك مصيبتين في يوم واحد الآن قتل ابوك إذهب إلى أُمّك لتأنس بك ، فرجع إلى أُمّه وأخبرها بما قال الامام الحسين عليه‌السلام قالت ولدي لعلّ الحسين عليه‌السلام استصغر سنّك فرفعت حمائل السيف وقصّرت ثيابه ثم قالت ولدي امشي على طرف أصابعك فلمّا توجه نحو الحسين عليه‌السلام كأني بالحسين اغرورقت عيناه بالدموع واذن له إلى أن قتل رضوان الله عليه .

______________________

(١) بحار الأنوار ج ٤٥ ، ص : ٩٥ .

(٢) بحار الأنوار ج ٤٤ ، ص : ٣٩٣ ـ ٣٩٤ .

٤٨

هذه الصور المشرقة تعطي نموذجاً رائعاً في التضحية والفداء وإنّ هؤلاء الذين ضحّوا بأنفسهم في سبيل الله قد فازوا وحصلوا على مرتبة لا يمكن لأحد الحصول عليها إلّا بالتضحية والسير على هذا الخط .

عن الريان بن شبيب عن الإمام الرضا عليه‌السلام : « يابن شبيب أيسرك أن يكون لك من الثواب مثل لما استشهد مع الحسين عليه‌السلام فقل متىٰ ما ذكرته : يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً » .

ثم ان الامام الرضا عليه‌السلام شدّ ابن شبيب وقرأ له العزاء والمصيبة على جدّه الحسين بقوله : « يابن شبيب ان كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي فانه ذُبح كما يُذبح الكبش » اقول سيدي أبا الحسن الرضا عليه‌السلام ان الكبش لا يذبح حتى يسقىٰ الماء وقد ذبح جدك الحسين ظمآنا .

أيقتل ظمآناً حسين بكربلا

وفي كل عضوٌ من أنامله بحر

ووالده الساقي على الحوض في غدٍ

وفاطمةٌ ماء الفرات لها مهر

انه اشرب لذيذ الماي حاشه

وأهلي گضوا كلهم عطاشه

وابونه الرمل امسىٰ فراشه

* * *

وزينب :

أخي لم تذق من بارد الماء شربه

واشرب ماء المُزن بعدك صافيا

يا ناس درب المشرعه امنين

عطشان أخيّ يا مسلمين

انه بيدي لجييب الماي لحسين

* * *

٤٩

والزهراء عليه‌السلام :

عجيب الشرب ماي ابشربته اتهنه

او مات حسين ظامي او لا شرب منّه

منهو الشاف مثل احسين وامصابه

ابگلبه انصاب وايده انشلّت الصابه

يطلب ماي منه احسين طلّابه

هاذا الماي لا دونه ولا عنّه

* * *

وحتى جبرئيل عليه‌السلام يقرأ هذه المصيبة لأبناء آدم عليهم‌السلام لما سأله عن السبب في دخول حالة الحزن والكآبة عليه إذا ذكر الحسين عليه‌السلام دون الأربعة من أهل الكساء ، فقال له يا آدم إنّ ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب ولو تراه يا آدم وهو ينادي وا عطشاه وا قلّة ناصراه حتى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان .

شيعتي مهما شربتم عذب ماء فاذكروني

أو سمعتم بغريب أو قتيل فاندبوني

فأنا السبط الذي من غير جرم قتلوني

فبجرد الخيل بعد القتل عمداً سحقوني

ليتكم في يوم عاشورا جميعاً تنظروني

كيف استسقي لطفلي فأبوا أن يرحموني

وسقوه سهم بغي عوض الماء المعين

* * *

٥٠

الجانب الأخلاقي والاجتماعي عند زين العابدين عليه‌السلام

ما للعيون دموعهن غوادي

تهمي فلا تطفي لهيب فؤادي

لهفي له يوم الطفوف مقيّداً

بالسقم والأغلال والأصفاد

يحدو به الحادي على مهزولة

في أسر تلك الطغمة الأوغاد

يرنوا إلى تلك الضحايا صرّعاً

فوق الصعيد سليبه الأبراد

مهشومة الأضلاع تحت سنابك

الخيل الجياد لقً بذاك الوادي

ويرىٰ مصونات الرسالة سيّرت

أسرىٰ بأيدي شامت ومعادي

ويرىٰ الرؤوس على القنا مهدية

ليزيد والمهدي لها ابن زياد

ويرى اليتيمة واليتيم بعجّ من

الام سائقها وسب الحادي

ويرىٰ بكفوان الجموع تجمهرت

من شامتين بهم ومن حسادي

فيصيح وا ذلاه اين عشيرتي

وسراة قومي أين أهل ودادي

* * *

هم مصايب كربله او هم علته

وفگد اخوته او ذبح ابوه او غربته

وگطعوا بالسم يويلي چبدته

ليش ابن حامي الحمه ايسمونه

* * *

٥١

علي حايز مراجلها وسمها

علامه الغصص يجرعها وسمها

گضه والجامعه ابچده وسمها

وسمّه بالچبد ناره سريه

* * *

سمعنه العليل ايباشرونه

صباح ومسه يتفگدونه

وعن حاله دايم ينشدونه

مشفنه العليل ايگيدونه

وبحبال خشنه يچتفونه

صيحوا البني هاشم يجونه

وحبل البمتنه يحلونه

* * *

وقسوا حيث لم يعضّوا بناناً

لعليل عضّت عليه القيود

* * *

الجانب الأخلاقي والاجتماعي عند الامام زين العابدين عليه‌السلام :

« اللهمّ صلّ على محمد وآله وحلّني بحلية الصالحين وألبسني زينة المتقين في بسط العدل وكظم الغيظ وإطفاء النائرة وضمّ أهل الفرقة واصلاح ذات البين إفشاء العارفة وتستّر العائبة ولين العريكة وخفض الجناح وحسن السيرة » (١) .

المقدمة :

البشرية في هذا اليوم وصلت إلى مستوى من التقدم والتطور العلمي والتكنلوجي الذي أبهر الناس ولكن يا للأسف من الناحية الأخلاقية رجوع إلى

______________________

(١) من دعاء مكارم الأخلاق .

٥٢

الوراء وإلى الخلف فنشاهد الانحطاط الخلقي ( الأخلاقي ) والمفاسد الاجتماعية والقتل والسرقات والتهم الرخيصة وما يجري اليوم على الأرض المحتلة في فلسطين انموذج واضح وصريح لما وصلت إليه الحضارة الغربية .

والسر في ذلك هو عدم التوازن بين الجانب المادي والجانب الروحي بل انعدام الجانب الروحي لد الانسان الغربي سبّب له المشاكل النفسية والاجتماعية . ومن هنا نلاحظ الدين الاسلامي وباعتباره خاتم الأديان ركّز وبشكل أساسي على الجانب الأخلاقي لصياغة الانسان الكامل ، الانسان الذي لا تجد منه إلّا الخير الذي لا شرّ ، ومن هنا ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنما بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق » ونحن نعلم أنّ النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله مدحه الله عزّ وجل في القرآن الكريم : ( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) وفيها تلويح إلى أهمية هذا الجانب ومن هنا تشير بعض الروايات : « إنّ الله عزّ وجل ليعطي العبد على حسن خلقه ما يعطي من الثواب أجر الصائم النائم » و « علامة وعنوان للايمان بشكل واضح أكثركم ايماناً أحسنكم أخلاقاً » ، « عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه وحب علي بن أبي طالب » جمعاً بين الروايتين ، وعلى العكس من ذلك فان سوء الخلق يفسد الايمان كما يفسد الخلّ العسل ، وحسن الخلق لا يقتصر على مورد واحد أي مثلاً بين الزوج وزوجته ، بل في كل الجوانب ، بين الأخ وأخيه بين الوالد وولده ، وبين الرحم ورحمه ، وبين الصديق وصديقه ، وبين الجار وجاره ، بين الرجل وخادمه ، بين الرجل والحيوانات التابعة له وهكذا .

ولذا كان من الحكمة الإلهية ومن باب اتمام الحجة على الناس ولرحمته ولطفه بالعباد سبحانه وتعالى أن جعل للناس إلى جنب الرسالة السماوية التي جاء بها الاسلام والتي تحمل الدورس الأخلاقية والتربوية لهذا الانسان وتضمن له السعادة ألا وهو القرآن الكريم جعل إلى جنبه للناس قدوات صالحة تطبّق تعاليم

٥٣

هذه الرسالة وتجسّد الحقائق بشكل عملي أمام الناس لكي تكون الصورة والرسالة حيّة فاعلة ومؤثرة أكثر في ضمير الأُمة لتأخذ بيدها إلى شاطئ الأمان إذا سارت على هديها فكان الرسول والأئمة الطاهرون أعلام هداية وقدوات واضحة ننهل منها الأخلاق العالية .

فها هو زين العابدين عليه‌السلام صاحب هذه الليلة والذي اجتمعنا من أجله ولاحياء ذكره الشريف يُجسِّد خلق جده الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وسوف أذكر للتبرك وللاستفادة نماذج من أخلاقه العالية عسىٰ أن ننتفع بها جميعاً والله من وراء القصد .

أولاً ـ كظمه للغيظ : القتال النيسابوري يروي ان جارية لعلي بن الحسين عليهما‌السلام كانت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الابريق من يدها فشجّ رأس الامام ، فرفع الامام رأسه إليها فقالت الجارية ان الله يقول والكاظمين الغيظ ، قال : كظمتُ غيظي قالت والعافين عن الناس قال عفا الله عنك ، قالت والله يحب المحسنين قال فاذهبي أنت حرّة لوجه الله .

تعليق : نلاحظ من هذه القضية ان ثقافة الجواري بسبب صحبتهم وعيشهم في بيت الامام تكون ثقافةً قرآنية والتربية كذلك وهذا يدعونا وينبغي أن نأخذ درساً كيف نؤثّر على من يعيش معنا في البيت من الأولاد والجواري أو بعض الاصدقاء أن تكون ثقافتهم وأخلاقهم دروساً مستوحاة من القرآن الكريم .

ثانياً ـ الإعراض عن المسيء والسكوت عنه : سبّه رجل فسكت عنه ، فقال إياك أعني فسكت عنه إلى أن اعادها عليه فقال عليه‌السلام وعنك أُغضي .

تعليق : النفس الكبيرة تأبىٰ أن تنزل إلى مستوى الجهّال وهو عليه‌السلام يجسّد لنا ويترجم لنا الآية الشريفة التي تعطي مواصفات عباد الرحمن بشكل عملي ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ) .

٥٤

ثالثاً ـ كان يصلُ أرحامه حتى من كان يؤذيه منهم : القرآن الكريم يقول : ( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ) فيما يُروىٰ أنّ الامام عليه‌السلام يخرج بالليل وهو يحمل المتاع والدقيق والشكر وغيرها من الأُمور اضافة إلى بعض المبالغ إلى بعض أرحامه كما أنه عليه‌السلام كان يصل الفقراء بشكل عام وكان ملثّماً فكان يعطي بعض أرحامه وهو يسمع رحمه يقول « الناسُ تصلنا وعلي بن الحسين لا يصلنا بشيء » كان يسمع ذلك ولكنه لا يقطع صلته عنه ولمّا استشهد الامام ودفن عرف ذلك الرجل أنّ الذي كان يصله هو زين العابدين عليه‌السلام .

تعليق : بعض الاخوة عندهم أرحام داخل العراق حتى لو فرضنا أنّه كان قاطعاً لك فأنت بادر إلى إعادة العلاقة والصلة به هذه هي أخلاق الأئمة خلاصة في الحديث المختصر « صل من قطعك وأعطي من حرمك واعفو عمّن ظلمك » . وهذه تدخل السرور على الرسول والأئمة إذا تخلّقنا بأخلاقهم .

رابعاً ـ مقابلة الاساءة بالاحسان : أكثر من مروان وعدائه لأهل البيت واضح ولكن لما دخل الجيش الاموي المدينة واستباخوا المدينة أقبل مروان بعائلته وأودعها عند الامام زين العابدين عليه‌السلام لأنّ الامام عليه‌السلام كان في مأمن وقبلها الامام وكانت عائلة تلاقي من الاكرام أكثر من مما كانت عليه في السابق وشهدت بذلك بعد تمام الازمة .

تعليق : لاحظوا أولاً هذه القصة تعطي انطباعاً لامانة الإمام عليه‌السلام أي فيها إيحاء لامانة الامام بحيث يؤتمن على الأعراض كما يؤتمن على الأموال هكذا ينبغي ان يكون المؤمن وثانياً مقابلة الامام بالاساءة لمروان بالاحسان إليه ويعكس لنا الامام خلق القرآن في ذلك ( وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) كذلك يصوّرها لنا في صورة جميلة في إحدى أدعية الصحيفة السجادية الرائعة التي وردتنا عن

٥٥

الامام عليه‌السلام والتي قيل في حقّها انها زبور آل محمد أو انجيل آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله والتي يذكر المولى محمد تقي المجلسي انها وردت بـ (٦٠٠) طريق باسناد عالي وإلّا عدد الطرق للصحيفة السجادية أكثر من هذا بكثير والدعاء في يوم الجمعة يقرأ والأعياد وبدايته « يا من يرحم من لا يرحمه العباد ويا من يقبلُ من لا تقبله البلاد ... إلى أن يقول عادتك الاحسان إلى المسيئين وسبيلك الابقاء على المعتدين حتى لقد غرّتهم أناتك عن الرجوع وصدّهم إمهالك عن النزوع وإنّما تأنيت بهم ليفيؤا إلى أمرك وأمهلتهم ثقة بدوام ملكك فمن كان من أهل السعادة ختمت له بها ومن كان من أهل الشقاوة خذلته لها كلّهم صائرون إلى أمرك » .

خامساً ـ اهتمامه بجيرانه : كان عليه‌السلام يستقي لضعفة جيرانه وذلك عملاً بوصايا القرآن للاهتمام بالجار وبوصية جده الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كما يروي ذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام : « الله الله في جيرانكم فما زال رسول الله يوصينا بالجار حتى ظننا إنّه سيورثه » .

سادساً ـ صبره : من جملة الأخلاق التي يؤكّد عليها في كتب الأخلاق الصبر ولأهميته ذكر في القرآن في نيف وسبعين آية وإمامنا زين العابدين عليه‌السلام جسّد للأُمة الاسلامية مفهوم الصبر على أحسن حالة في وقعة صبر على الطاعة فكان كثير الصلاة والصيام وتلاوة القرآن ويكفيه في هذا ما روي شاهداً له انه ينادي مناد من بطنان العرش أو في يوم القيامة أين زين العابدين عليه‌السلام فيقوم علي بن الحسين يتخطىٰ رقاب الخلائق .

وتقول مولاة له ما قدّمت له طعام في نهار قط ولا فرشت له فراش في ليل قط ، وكان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الكريم حتى كان السقاؤون يمرّون على دار الإمام فإذا سمعوا صوته وهو يتلو القرآن يقفون عن داره لحُسن صوته وتأثرهم بقراءته . وصبر عن المعصية فهو المعصوم وصبر على المصائب الكثيرة ولو لم تمرّ

٥٦

على الامام زين العابدين عليه‌السلام إلّا مصيبة كربلا لكفىٰ مرّوا به يوم الحادي عشر من المحرّم على جثث القتلى مع عمّاته وأخواته وقد سيّروهم على أقتاب الجمال بغير وطاء كما يساق سبي الترك والروم وهنّ ودائع خير الأنبياء ومعهن السجاد وهو على بعير ظالع بغير وطاء وقد أنهكته العلة ولما نظر إلى أهله مجزرين وبينهم مهجة الزهراء بحالة تنفطر لها السماوات وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا عظم ذلك عليه واشتدّ قلقه فلما نظرت إليه عمته زينب قالت له : « ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وأخوتي فو الله انّ هذا لعهد من الله إلى جدّك وأبيك ولقد أخذ الله ميثاق أُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات انهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرّجة فيوراونها وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يُمحىٰ اسمه على كرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلّا علواً » .

ثم أخذوه أسيراً إلى الشام وكان أصعب شيء عليه شماتة الأعداء وفرحهم بقتل الحسين عليه‌السلام حتى أسكنوهم في خربة لا تقيهم من حرارة الشمس ولا من برد الشتاء وكان الامام عليه‌السلام في بعض الأحيان يخرج من هذه الخربة ليروّح عن ضعف بدنه ، قال المنهال التقيت بالامام زين العابدين عليه‌السلام وساقاه كالقصبتين محمرّتين وقلت له كيف امسيت يا ابن رسول الله فقال امسينا كمثل بني اسرائيل في آل فرعون يذبّحون ابناءهم ويستحيون نساءهم يا منهال امست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمد منها وامست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمداً منها وامسينا معشر أهل بيته ونحن مقتولون مشردون ، يا منهال ان الخربة التي نحن فيها لا تقينا من حرارة الشمس ولا من برد الشتاء حتى لقد تقشّرت وجوه عماتي واخواتي من حرارة الشمس ، قال المنهال بينما كنت

٥٧

أُكلّمه ويكلمني وإذا بأمرأة وقفت على باب الخربة وهي تنادي بصوت يقرح القلوب إلى أين يا حمانا إلى أين يا رجانا إلى أين يا نعم الخلف تركني وعاد إليها سألت عنها قيل عمته زينب .

من عگب كربلا

وغربة العايله

ابو الباقر گضه

بگلبه نار العضه

بمالصايب والنوايب

گضه العمر بالحزن

* * *

ما منّا إلّا مسموم أو مقتول ، اكرمهم الله بالشهادة توّج عمره وختمه بالشهادة على يد أشر خلق الله في زمانه وهو الوليد بن عبد الملك أوعز إلى واليه بأن يدس السم إلى إمامنا وفي مثل هذه الليلة إمامكم يلوج بنفسه من حرارة السم يقبض يميناً ويبسط شمالاً .

طول الليل ما فتّر ونينه

بعد ما صد لبو جعفر ابعينه

يبويه امودعين الله گضينه

بچوا حنوا حنين فراگ شفجين

* * *

وقع عليه ولده الباقر يقبّله ، سلّمه مواريث الأنبياء والأوصياء وأوصاه بوصاياه ، ثم عرق جبينه وسكن أنينه ، ثم قال وعليكم السلام يا ملائكة ربي هذا جدي رسول الله ، وهذه أُمي فاطمة وهذا جدي أمير المؤمنين وهذا عمي الحسن وهذا أبي الحسين ثم غمض عينيه وأسبل يديه ومدّد رجليه وفاضت روحه الطاهرة رحم الله المنادي وا إماماه وا علياه ، وقع عليه الباقر ولسان حاله :

يبويه انروح كل احنه فداياك

اخذنه يا عزيز الروح ويّاك

أهي غيبه يبويه واگعد اتناك

واگولن سافر ويومين يسدر

* * *

٥٨

گام شبله ايغسّله والدمع من عينه همه

او مدده على المغسّل والماي جاه امن السما

وبالطفوف احسين ابوه اتغسّل ابفيض الدمه

جثته ظلّت على حزّ الصعيد امرضضه

* * *

يا سائلاً وشظايا القلب في شجن

هل جهزّوا لقتيل مات ممتحن

اجبته بقلب واله حزن

ما غسّلوه ولا لفوه في كفن

يوم الطفوف ولا مدو اعليّه ردّا

* * *

٥٩

مناسبة العشرين من صفر ( آثار زيارة الحسين عليه‌السلام )

قم جدّد الحزن في العشرين من صفر

ففيه ردّت رؤوس الآل للحفر

يا زائري بقعة أطفالهم ذبحت

فيها خذوا تربها كحلاً إلى البصر

والهفتاه لبنات الطهر يوم رنت

إلى مصارع قتلاهنّ والحفر

رمين بالنفس من فوق النياق على

تلك القبور بصوت هائل ذعر

فتلك تدعو حسيناً وهي لاطمة

منها الخدود ودمع العين كالمطر

وتلك تصرخ وا جدّاه وا أبتاه

وتلك تصرخ وا يتماه في الصغر

فلو تروا أُم كلثوم مناشدة

ولهىٰ وتلثم ترب الطف كالعِطر

يا دافني الرأس عند الجثة احتفظوا

بالله لا تنثروا ترباً على قمر

* * *

للسجاد اجت زينب

تگله گل لحادينه

يعرّج عالطفوف نريد

نمرّ بگبر والينه

* * *

نوصل للگبر نگعد

نبچي ونكشف ترابه

ونصل ليه ونتچيله

ونعتبه ونچثر اعتابه

٦٠