🚘

البحر المحيط في التّفسير - ج ١٠

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ١٠

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

بالياء مضارع أعظم ؛ والأعمش : نعظم بالنون ، خروجا من الغيبة للتكلم ؛ وابن مقسم : بالياء والتشديد مضارع عظم مشددا.

ولما كان الكلام في أمر المطلقات وأحكامهن من العدد وغيرها ، وكن لا يطلقهن أزواجهن إلا عن بغض لهن وكراهة ، جاء عقيب بعض الجمل الأمر بالتقوى من حيث المعنى ، مبرزا في صورة شرط وجزاء في قوله : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ) ، إذ الزوج المطلق قد ينسب إلى مطلقته بعض ما يشينها به وينفر الخطاب عنها ، ويوهم أنه إنما فارقها لأمر ظهر له منها ، فلذلك تكرر قوله : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ) في العمل بما أنزله من هذه الأحكام ، وحافظ على الحقوق الواجبة عليه من ترك الضرار والنفقة على المعتدات وغير ذلك مما يلزمه ، يرتب له تكفير السيئات وإعظام الأجر. ومن في (مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) للتبعيض : أي بعض مكان سكناكم. وقال قتادة : إن لم يكن له إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه ، قاله الزمخشري. وقال الحوفي : من لابتداء الغاية ، وكذا قال أبو البقاء. و (مِنْ وُجْدِكُمْ). قال الزمخشري : فإن قلت : فقوله : (مِنْ وُجْدِكُمْ). قلت : هو عطف بيان ، كقوله : (مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) وتفسير له ، كأنه قيل : أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما تطيقونه ، والوجد : الوسع والطاقة. انتهى. ولا نعرف عطف بيان يعاد فيه العامل ، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر ، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلا من قوله : (مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ).

وقرأ الجمهور : (مِنْ وُجْدِكُمْ) بضم الواو ؛ والحسن والأعرج وابن أبي عبلة وأبو حيوة : بفتحها ؛ والفياض بن غزوان وعمرو بن ميمون ويعقوب : بكسرها ، وذكرها المهدوي عن الأعرج ، وهي لغات ثلاثة بمعنى : الوسع. والوجد بالفتح ، يستعمل في الحزن والغضب والحب ، ويقال : وجدت في المال ، ووجدت على الرجل وجدا وموجدة ، ووجدت الضالة وجدانا والوجد بالضم : الغنى والقدرة ، يقال : افتقر الرجل بعد وجد. وأمر تعالى بإسكان المطلقات ، ولا خلاف في ذلك في التي لم تبت. وأما المبتوتة ، فقال ابن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء والشعبي والحسن ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي وأبو عبيد : لها السكنى ، ولا نفقة لها. وقال الثوري وأبو حنيفة : لها السكنى والنفقة. وقال الحسن وحماد وأحمد وإسحاق وأبو ثور : لا سكنى لها ولا نفقة. (وَلا تُضآرُّوهُنَ) : ولا تستعملوا معهن الضرار ، (لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ) في المسكن ببعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن ، أو يشغل مكانهن ، أو غير ذلك حتى تضطروهن إلى

٢٠١

الخروج. وقيل : هذه المضارة مراجعتها إذا بقي من عدتها قليل ، ثم يطلقها فيطول حبسها في عدته الثانية. وقيل : إلجاؤها إلى أن تفتدي منه.

(وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ) : لا خلاف في وجوب سكناها ونفقتها ، بتت أو لم تبت. فإن كانت متوفى عنها ، فأكثر العلماء على أنها لا نفقة لها ؛ وعن علي وابن مسعود : تجب نفقتها في التركة. (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) : أي ولدن وأرضعن المولود وجب لها النفقة ، وهي الأجر والكسوة وسائر المؤن على ما قرر في كتب الفقه ، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد بينهن ما لم يبن ، ويجوز عند الشافعي. وفي تعميم المطلقات بالسكنى ، وتخصيص أولات الأحمال بالنفقة دليل على أن غيرها من المطلقات لا يشاركها في النفقة ، وتشاركهن في السكنى. (وَأْتَمِرُوا) : افتعلوا من الأمر ، يقال : ائتمر القوم وتأمروا ، إذا أمر بعضهم بعضا ؛ والخطاب للآباء والأمهات ، أي وليأمر بعضكم بعضا (بِمَعْرُوفٍ) : أي في الأجرة والإرضاع ، والمعروف : الجميل بأن تسامح الأم ، ولا يماكس الأب لأنه ولدهما معا ، وهما شريكان فيه ، وفي وجوب الإشفاق عليه. وقال الكسائي : (وَأْتَمِرُوا) : تشاوروا ، ومنه قوله تعالى : (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) (١) ، وقول امرئ القيس :

ويعدو على المرء ما يأتمر

وقيل : المعروف : الكسوة والدثار. (وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ) : أي تضايقتم وتشاكستم ، فلم ترض إلا بما ترضى به الأجنبية ، وأبي الزوج الزيادة ، أو إن أبى الزوج الإرضاع إلا مجانا ، وأبت هي إلا بعوض ، (فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) : أي يستأجر غيرها ، وليس له إكراهها. فإن لم يقبل إلا ثدي أمه ، أجبرت على الإرضاع بأجرة مثلها ، ولا يختص هذا الحكم من وجوب أجرة الرضاع بالمطلقة ، بل المنكوحة في معناها. وقيل : فسترضع خبر في معنى الأمر ، أي فلترضع له أخرى. وفي قوله : (فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) يسير معاتبة للأم إذا تعاسرت ، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى : سيقضيها غيرك ، تريد : لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم. والضمير في له عائد على الأب ، كما تعدى في قوله : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) : أي للأزواج.

(لِيُنْفِقْ) الموسر والمقدور عليه ما بلغه وسعه ، أي على المطلقات والمرضعات ،

__________________

(١) سورة القصص : ٢٨ / ٢٠.

٢٠٢

ولا يكلف ما لا يطيقه. والظاهر أن المأمور بالإنفاق الأزواج ، وهذا أصل في وجوب نفقة الولد على الوالد دون الأم. وقال محمد بن المواز : إنها على الأبوين على قدر الميراث. وفي الحديث : «يقول لك ابنك أنفق عليّ إلى من تكلني» ، ذكره في صحيح البخاري. وقرأ الجمهور : (لِيُنْفِقْ) بلام الأمر ، وحكى أبو معاذ : لينفق بلام كي ونصب القاف ، ويتعلق بمحذوف تقديره : شرعنا ذلك لينفق. وقرأ الجمهور : (قُدِرَ) مخففا ؛ وابن أبي عبلة : مشدد الدال ، سيجعل الله وعد لمن قدر عليه رزقه ، يفتح له أبواب الرزق. ولا يختص هذا الوعد بفقراء ذلك الوقت ، ولا بفقراء الأزواج مطلقا ، بل من أنفق ما قدر عليه ولم يقصر ، ولو عجز عن نفقة امرأته. فقال أبو هريرة والحسن وابن المسيب ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق : يفرق بينهما. وقال عمر بن عبد العزيز وجماعة : لا يفرق بينهما.

قوله عزوجل : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً ، فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً ، أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ، رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً ، اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً).

تقدم الكلام على كأين في آل عمران ، وعلى نكرا في الكهف. (عَتَتْ) : أعرضت ، (عَنْ أَمْرِ رَبِّها) ، على سبيل العناد والتكبر. والظاهر في (فَحاسَبْناها) الجمل الأربعة ، إن ذلك في الدنيا لقوله بعدها : (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً) ، وظاهره أن المعد عذاب الآخرة ، والحساب الشديد هو الاستقصاء والمناقشة ، فلم تغتفر لهم زلة ، بل أخذوا بالدقائق من الذنوب. وقيل : الجمل الأربعة من الحساب والعذاب والذوق والخسر في الآخرة ، وجيء به على لفظ الماضي ، كقوله : (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ) (١) ، ويكون قوله : (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ) تكريرا للوعيد وبيانا لكونه مترقبا ، كأنه قال : أعد الله لهم هذا العذاب. وقال الكلبي : الحساب في الآخرة ، والعذاب النكير في الدنيا بالجوع والقحط والسيف.

__________________

(١) سورة الأعراف : ٧ / ٤٤.

٢٠٣

ولما ذكر ما حل بهذه القرية العاتية ، أمر المؤمنين بتقوى الله تحذيرا من عقابه ، ونبه على ما يحض على التقوى ، وهو إنزال الذكر. والظاهر أن الذكر هو القرآن ، وأن الرسول هو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فإما أن يجعل نفس الذكر مجازا لكثرة يقدر منه الذكر ، فكأنه هو الذكر ، أو يكون بدلا على حذف مضاف ، أي ذكر رسول. وقيل : (رَسُولاً) نعت على حذف مضاف ، أي ذكرا ، ذا رسول. وقيل : المضاف محذوف من الأول ، أي ذا ذكر رسولا ، فيكون رسولا نعتا لذلك المحذوف أو بدلا. وقيل : رسول بمعنى رسالة ، فيكون بدلا من ذكر ، أو يبعده قوله بعده (يَتْلُوا عَلَيْكُمْ) ، والرسالة لا تسند التلاوة إليها إلا مجازا. وقيل : الذكر أساس أسماء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : الذكر : الشرف لقوله : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) (١) ، فيكون رسولا بدلا منه وبيانا له. وقال الكلبي : الرسول هنا جبريل عليه‌السلام ، وتبعه الزمخشري فقال : رسولا هو جبريل صلوات الله وسلامه عليه ، أبدل من ذكرا لأنه وصف بتلاوة آيات الله ، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر ، فصح إبداله منه. انتهى. ولا يصح لتباين المدلولين بالحقيقة ، ولكونه لا يكون بدل بعض ولا بدل اشتمال ، وهذه الأعاريب على أن يكون ذكرا ورسولا لشيء واحد. وقيل : رسولا منصوب بفعل محذوف ، أي بعث رسولا ، أو أرسل رسولا ، وحذف لدلالة أنزل عليه ، ونحا إلى هذا السدي ، واختاره ابن عطية. وقال الزجاج وأبو علي الفارسي : يجوز أن يكون رسولا معمولا للمصدر الذي هو الذكر. انتهى. فيكون المصدر مقدرا بأن ، والقول تقديره : إن ذكر رسولا وعمل منونا كما عمل ، أو (إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً) ، كما قال الشاعر :

بضرب بالسيوف رءوس قوم

أزلنا هامهن عن المقيل

وقرىء : رسول بالرفع على إضمار هو ليخرج ، يصح أن يتعلق بيتلو وبأنزل. (الَّذِينَ آمَنُوا) : أي الذين قضى وقدر وأراد إيمانهم ، أو أطلق عليهم آمنوا باعتبار ما آل أمرهم إليه. وقال الزمخشري : ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح ، لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين ، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ. انتهى. والضمير في (لِيُخْرِجَ) عائد على الله تعالى ، أو على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو على الذكر. (وَمَنْ يُؤْمِنْ) : راعى اللفظ أولا في من الشرطية ، فأفرد الضمير في (يُؤْمِنْ) ، (وَيَعْمَلْ) ، و (يُدْخِلْهُ) ، ثم راعى المعنى في (خالِدِينَ) ، ثم راعى اللفظ في (قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ) فأفرد. واستدل النحويون بهذه الآية على مراعاة اللفظ أولا ، ثم مراعاة المعنى ، ثم مراعاة اللفظ. وأورد

__________________

(١) سورة الزخرف : ٤٣ / ٤٤.

٢٠٤

بعضهم أن هذا ليس كما ذكروا ، لأن الضمير في (خالِدِينَ) ليس عائدا على من ، بخلاف الضمير في (يُؤْمِنْ) ، (وَيَعْمَلْ) ، و (يُدْخِلْهُ) ، وإنما هو عائد على مفعول (يُدْخِلْهُ) ، و (خالِدِينَ) حال منه ، والعامل فيها (يُدْخِلْهُ) لا فعل الشرط.

(اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ) : لا خلاف أن السموات سبع بنص القرآن والحديث ، كما جاء في حديث الإسراء ، ولقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لسعد : «حكمت بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة» ، وغيره من نصوص الشريعة. وقرأ الجمهور : (مِثْلَهُنَ) بالنصب ؛ والمفضل عن عاصم ، وعصمة عن أبي بكر : مثلهن بالرفع فالنصب ، قال الزمخشري : عطفا على (سَبْعَ سَماواتٍ). انتهى ، وفيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف ، وهو الواو ، والمعطوف ؛ وهو مختص بالضرورة عند أبي عليّ الفارسي ، وأضمر بعضهم العامل بعد الواو لدلالة ما قبله عليه ، أي وخلق من الأرض مثلهن ، فمثلهن مفعول للفعل المضمر لا معطوف ، وصار ذلك من عطف الجمل والرفع على الابتداء ، (وَمِنَ الْأَرْضِ) الخبر ، والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف. فقال الجمهور : المثلية في العدد : أي مثلهن في كونها سبع أرضين. وفي الحديث : «طوقه من سبع أرضين» ، ورب الأرضين السبع وما أقللن» ، فقيل : سبع طباق من غير فتوق. وقيل : بين كل طبقة وطبقة مسافة. قيل : وفيها سكان من خلق الله. قيل : ملائكة وجن. وعن ابن عباس ، من رواية الواقدي الكذاب ، قال : في كل أرض آدم كآدم ، ونوح كنوح ، ونبي كنبيكم ، وإبراهيم كإبراهيمكم ، وعيسى كعيسى ، وهذا حديث لا شك في وضعه. وقال أبو صالح : إنها سبع أرضين منبسطة ، ليس بعضها فوق بعض ، تفرق بينها البحار ، وتظل جميعها السماء.

(يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ) : من السموات السبع إلى الأرضين السبع. وقال مقاتل وغيره : الأمر هنا الوحي ، فبينهن إشارة إلى بين هذه الأرض التي هي أدناها وبين السماء السابعة. وقال الأكثرون : الأمر : القضاء ، فبينهن إشارة إلى بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل : (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ) بحياة وموت وغنى وفقر. وقيل : هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبير. وقرأ الجمهور : (يَتَنَزَّلُ) مضارع تنزل. وقرأ عيسى وأبو عمرو ، في رواية : ينزل مضارع نزل مشدّدا ، الأمر بالنصب ؛ والجمهور : (لِتَعْلَمُوا) بتاء الخطاب. وقرىء : بياء الغيبة ، والله تعالى أعلم.

٢٠٥

سورة التّحريم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ

٢٠٦

وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ، وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ، إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ، عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

هذه السورة مدنية ، وسبب نزولها ما يأتي ذكره في تفسير أوائلها ، والمناسبة بينها وبين السورة قبلها أنه لما ذكر جملة من أحكام زوجات المؤمنين ، ذكر هنا ما جرى من بعض زوجات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

(يا أَيُّهَا النَّبِيُ) : نداء إقبال وتشريف وتنبيه بالصفة على عصمته مما يقع فيه من ليس بمعصوم ؛ (لِمَ تُحَرِّمُ) : سؤال تلطف ، ولذلك قدم قبله (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) ، كما جاء في قوله تعالى : (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) (١). ومعنى (تُحَرِّمُ) : تمنع ، وليس التحريم

__________________

(١) سورة التوبة : ٩ / ٤٣.

٢٠٧

المشروع بوحي من الله ، وإنما هو امتناع لتطييب خاطر بعض من يحسن معه العشرة. (ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) : هو مباشرة مارية جاريته ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم ألمّ بها في بيت بعض نسائه ، فغارت من ذلك صاحبة البيت ، فطيب خاطرها بامتناعه منها ، واستكتمها ذلك ، فأفشته إلى بعض نسائه. وقيل : هو عسل كان يشربه عند بعض نسائه ، فكان ينتاب بيتها لذلك ، فغار بعضهن من دخوله بيت التي عندها العسل ، وتواصين على أن يذكرن له على أن رائحة ذلك العسل ليس بطيب ، فقال : «لا أشربه». وللزمخشري هنا كلام أضربت عنه صفحا ، كما ضربت عن كلامه في قوله : (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) (١) ، وكلامه هذا ونحوه محقق قوي فيه ، ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا.

فلو حرم الإنسان على نفسه شيئا أحله الله ، كشرب عسل ، أو وطء سرية ؛ واختلفوا إذا قال لزوجته : أنت عليّ حرام ، أو الحلال علي حرام ، ولا يستثني زوجته ؛ فقال جماعة ، منهم الشعبي ومسروق وربيعة وأبو سلمة وأصبغ : هو كتحريم الماء والطعام. وقال تعالى : (لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) (٢) ، والزوجة من الطيبات ومما أحله الله. وقال أبو بكر وعمر وزيد وابن عباس وابن مسعود وعائشة وابن المسيب وعطاء وطاووس وسليمان بن يسار وابن جبير وقتادة والحسن والأوزاعي وأبو ثور وجماعة : هو يمين يكفرها. وقال ابن مسعود وابن عباس أيضا في إحدى روايتيه ، والشافعي في أحد قوليه : فيه تكفير يمين وليس بيمين. وقال أبو حنيفة وسفيان والكوفيون : هذا ما أراد من الطلاق ، فإن لم يرد طلاقها فهو لا شيء. وقال آخرون : كذلك ، فإن لم يرد فهو يمين. وفي التحرير ، قال أبو حنيفة وأصحابه : إن نوى الطلاق فواحدة بائنة ، أو اثنين فواحدة ، أو ثلاثا فثلاث ، أو لم ينو شيئا فيمين وهو مول ، أو الظهار فظهار. وقال ابن القاسم : لا تنفعه نية الظهار ويكون طلاقا. وقال يحيى بن عمر : يكون ، فإن ارتجعها ، فلا يجوز له وطئها حتى يكفر كفارة الظهار فما زاد من أعداده ، فإن نوى واحدة فرجعية ، وهو قول الشافعي. وقال الأوزاعي وسفيان وأبو ثور : أي أي شيء نوى به من الطلاق وقع وإن لم ينو شيئا ، فقال سفيان : لا شيء عليه. وقال الأوزاعي وأبو ثور : تقع واحدة. وقال الزهري : له نيته ولا يكون أقل من واحدة ، فإن لم ينو فلا شيء. وقال ابن جبير : عليه عتق رقبة وإن لم يكن ظهارا. وقال أبو قلابة وعثمان وأحمد وإسحاق : التحريم ظهار ، ففيه كفارة. وقال الشافعي : إن نوى أنها محرمة كظهر أمه ، فظهار أو تحريم عينها بغير طلاق ، أو لم ينو فكفارة يمين. وقال مالك : هي ثلاث في

__________________

(١) سورة التوبة : ٩ / ٤٣.

(٢) سورة المائدة : ٥ / ٨٧.

٢٠٨

المدخول بها ، وينوى في غير المدخول بها ، فهو ما أراد من واحدة أو اثنتين أو ثلاث. وقاله علي وزيد وأبو هريرة. وقيل : في المدخول بها ثلاث ، قاله عليّ أيضا وزيد بن أسلم والحكم. وقال ابن أبي ليلى وعبد الملك بن الماجشون : هي ثلاث في الوجهين ، ولا ينوي في شيء. وروى ابن خويز منداد عن مالك ، وقاله زيد وحماد بن أبي سليمان : إنها واحدة بائنة في المدخول بها وغير المدخول بها. وقال الزهري وعبد العزيز بن الماجشون : هي واحدة رجعية. وقال أبو مصعب ومحمد بن الحكم : هي في التي لم يدخل بها واحدة ، وفي المدخول بها ثلاث. وفي الكشاف لا يراه الشافعي يمينا ، ولكن سببا في الكفارة في النساء وحدهن ، وإن نوى الطلاق فهو رجعي. وعن عمر : إذا نوى الطلاق فرجعي. وعن علي : ثلاث ؛ وعن زيد : واحدة ؛ وعن عثمان : ظهارا. انتهى. وقال أيضا : ولم يثبت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال لما أحله : «هو حرام علي» ، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه ، وهو قوله : «والله لا أقربها بعد اليوم» ، فقيل له : (لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) : أي لم تمتنع منه بسبب اليمين؟ يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر ، ونحو قوله تعالى : (وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ) (١) : أي منعناه منها. انتهى. و (تَبْتَغِي) : في موضع الحال. وقال الزمخشري تفسير لتحرم ، أو استئناف ، (مَرْضاتَ) : رضا أزواجك ، أي بالامتناع مما أحله الله لك.

(قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) : الظاهر أنه كان حلف على أنه يمتنع من وطء مارية ، أو من شرب ذلك العسل ، على الخلاف في السبب ، وفرض إحالة على آية العقود ، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان. وتحلة : مصدر حلل ، كتكرمة من كرم ، وليس مصدرا مقيسا ، والمقيس : التحليل والتكريم ، لأن قياس فعل الصحيح العين غير المهموز هو التفعيل ، وأصل هذا تحللة فأدغم. وعن مقاتل : أعتق رقبة في تحريم مارية. وعن الحسن : لم يكفر. انتهى. فدل على أنه لم يكن ثم يمين. و (بَعْضِ أَزْواجِهِ) : حفصة ، والحديث هو بسبب مارية. (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) : أي أخبرت عائشة. وقيل : الحديث إنما هو : «شربت عسلا». وقال ميمون بن مهران : هو إسراره إلى حفصة أن أبا بكر وعمر يملكان إمرتي من بعدي خلافه. وقرأ الجمهور : (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) ؛ وطلحة : أنبأت ، والعامل في إذا : اذكر ، وذكر ذلك على سبيل التأنيب لمن أسرّ له فأفشاه. ونبأ وأنبأ ، الأصل أن يتعديا إلى واحد بأنفسهما ، وإلى ثان بحرف الجر ، ويجوز حذفه فتقول : نبأت به ، المفعول الأول

__________________

(١) سورة القصص : ٢٨ / ١٢.

٢٠٩

محذوف ، أي غيرها. و (مَنْ أَنْبَأَكَ هذا) : أي بهذا ، (قالَ نَبَّأَنِيَ) أي نبأني به أو نبأنيه ، فإذا ضمنت معنى أعلم ، تعدت إلى ثلاثة مفاعيل ، نحو قول الشاعر :

نبئت زرعة والسفاهة كاسمها

تهدي إليّ غرائب الأشعار

(وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ) : أي أطلعه ، أي على إفشائه ، وكان قد تكوتم فيه ، وذلك بإخبار جبريل عليه‌السلام. وجاءت الكناية هنا عن التفشية والحذف للمفشى إليها بالسر ، حياطة وصونا عن التصريح بالاسم ، إذ لا يتعلق بالتصريح بالاسم غرض. وقرأ الجمهور : (عَرَّفَ) بشد الرّاء ، والمعنى : أعلم به وأنب عليه. وقرأ السلمي والحسن وقتادة وطلحة والكسائي وأبو عمرو في رواية هارون عنه : بخف الراء ، أي جازى بالعتب واللوم ، كما تقول لمن يؤذيك : لأعرفن لك ذلك ، أي لأجازينك. وقيل : إنه طلق حفصة وأمر بمراجعتها. وقيل : عاتبها ولم يطلقها. وقرأ ابن المسيب وعكرمة : عراف بألف بعد الراء ، وهي إشباع. وقال ابن خالويه : ويقال إنها لغة يمانية ، ومثالها قوله :

أعوذ بالله من العقراب

الشائلات عقد الأذناب

يريد : من العقرب. (وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) : أي تكرما وحياء وحسن عشرة. قال الحسن : ما استقصى كريم قط. وقال سفيان : ما زال التغافل من فعل الكرام ، ومفعول عرّف المشدد محذوف ، أي عرّفها بعضه ، أي أعلم ببعض الحديث. وقيل : المعرّف خلافة الشيخين ، والذي أعرض عنه حديث مارية. ولما أفشت حفصة الحديث لعائشة واكتتمتها إياه ، ونبأها الرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم به ، ظنت أن عائشة فضحتها فقالت : (مَنْ أَنْبَأَكَ هذا) على سبيل التثبت ، فأخبرها أن الله هو الذي نبأه به ، فسكنت وسلمت. (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ) : انتقال من غيبة إلى خطاب ، ويسمى الالتفات والخطاب لحفصة وعائشة. (فَقَدْ صَغَتْ) : مالت عن الصواب ، وفي حرف عبد الله : راغت ، وأتى بالجمع في قوله : (قُلُوبُكُما) ، وحسن ذلك إضافته إلى مثنى ، وهو ضميراهما ، والجمع في مثل هذا أكثر استعمالا من المثنى ، والتثنية دون الجمع ، كما قال الشاعر :

فتخالسا نفسيهما بنوافذ

كنوافذ العبط التي لا ترفع

وهذا كان القياس ، وذلك أن يعبر بالمثنى عن المثنى ، لكن كرهوا اجتماع تثنيتين فعدلوا إلى الجمع ، لأن التثنية جمع في المعنى ، والإفراد لا يجوز عند أصحابنا إلا في الشعر ، كقوله :

٢١٠

حمامة بطن الواديين ترنمي

يريد : بطني. وغلط ابن مالك فقال في كتاب التسهيل : ونختار لفظ الإفراد على لفظ التثنية. وقرأ الجمهور : تظاهرا بشد الظاء ، وأصله تتظاهرا ، وأدغمت التاء في الظاء ، وبالأصل قرأ عكرمة ، وبتخفيف الظاء قرأ أبو رجاء والحسن وطلحة وعاصم ونافع في رواية ، وبشد الظاء والهاء دون ألف قرأ أبو عمرو في رواية ، والمعنى : وأن تتعاونا عليه في إفشاء سره والإفراط في الغيرة ، (فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ) : أي مظاهره ومعينه ، والأحسن الوقف على قوله : (مَوْلاهُ). ويكون (وَجِبْرِيلُ) مبتدأ ، وما بعده معطوف عليه ، والخبر (ظَهِيرٌ). فيكون ابتداء الجملة بجبريل ، وهو أمين وحي الله واختتامه بالملائكة. وبدى بجبريل ، وأفرد بالذكر تعظيما له وإظهارا لمكانته عند الله. ويكون قد ذكر مرتين ، مرة بالنص ومرة في العموم. واكتنف صالح المؤمنين جبريل تشريفا لهم واعتناء بهم ، إذ جعلهم بين الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون. فعلى هذا جبريل داخل في الظهراء لا في الولاية ، ويختص الرسول بأن الله هو مولاه. وجوزوا أن يكون (وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) عطفا على اسم الله ، فيدخلان في الولاية ، ويكون (وَالْمَلائِكَةُ) مبتدأ ، والخبر (ظَهِيرٌ) ، فيكون جبريل داخلا في الولاية بالنص ، وفي الظهراء بالعموم ، والظاهر عموم وصالح المؤمنين فيشمل كل صالح. وقال قتادة والعلاء بن العلاء بن زيد : هم الأنبياء ، وتكون مظاهرتهم له كونهم قدوة ، فهم ظهراء بهذا المعنى. وقال عكرمة والضحاك وابن جبير ومجاهد : المراد أبو بكر وعمر ، وزاد مجاهد : وعلي بن أبي طالب. وقيل : الصحابة. وقيل : الخلفاء. وعن ابن جبير : من برىء من النفاق ، وصالح يحتمل أن يراد به الجمع ، وإن كان مفردا فيكون كالسامر في قوله : (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً) (١) ، أي سمارا. ويحتمل أن يكون جمعا حذفت منه الواو خطأ لحذفها لفظا ، كقوله : (سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) (٢) ، وأفرد الظهير لأن المراد فوج ظهير ، وكثيرا ما يأتي فعيل نحو : هذا للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ المفرد ، كأنهم في المظاهرة يد واحدة على من يعاديه ، فما قدر تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه ، وذلك إشارة إلى تظاهرهما ، أو إلى الولاية.

وفي الحديث أن عمر قال : يا رسول الله لا تكثرت بأمر نسائك ، والله معك ، وجبريل معك ، وأبو بكر وأنا معك ، فنزلت. وروي عنه أنه قال لزوجات النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَ) الآية ، فنزلت. وقرأ الجمهور : طلقكن بفتح القاف ، وأبو عمرو في رواية ابن

__________________

(١) سورة المؤمنون : ٢٣ / ٦٧.

(٢) سورة العلق : ٩٦ / ١٨.

٢١١

عباس : بإدغامها في الكاف ، وتقدم ذكر الخلاف في (أَنْ يُبْدِلَهُ) في سورة الكهف ، والمتبدل به محذوف لدلالة المعنى عليه ، تقديره : أن يبدله خيرا منكن ، لأنهن إذا طلقهن كان طلاقهن لسوء عشرتهن ، واللواتي يبدلهن بهذه الأوصاف يكن خيرا منهن. وبدأ في وصفهن بالإسلام ، وهو الانقياد ؛ ثم بالإيمان ، وهو التصديق ؛ ثم بالقنوت ، وهو الطواعية ؛ ثم بالتوبة ، وهي الإقلاع عن الذنب ؛ ثم بالعبادة ، وهي التلذذ ؛ ثم بالسياحة ، وهي كناية عن الصوم ، قاله أبو هريرة وابن عباس وقتادة والضحاك. وقيل : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فسره بذلك ، قاله أيضا الحسن وابن جبير وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن. قال الفراء والقتيبي : سمي الصائم سائحا لأن السائح لا زاد معه ، وإنما يأكل من حيث يجد الطعام. وقال زيد بن أسلم ويمان : مهاجرات. وقال ابن زيد : ليس في الإسلام سياحة إلا الهجرة. وقيل : ذاهبات في طاعة الله. وقرأ الجمهور : سائحات ، وعمرو بن فائد : سيحات ، وهذه الصفات تجتمع ، وأما الثيوبة والبكارة فلا يجتمعان ، فلذلك عطف أحدهما على الآخر ، ولو لم يأت بالواو لاختل المعنى. وذكر الجنسين لأن في أزواجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من تزوجها بكرا ، والثيب : الراجع بعد زوال العذرة ، يقال : ثابت تثوب ثووبا ، ووزنه فعيل كسيد.

ولما وعظ أزواج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم موعظة خاصة ، أتبع ذلك بموعظة عامة للمؤمنين وأهليهم ، وعطف (وَأَهْلِيكُمْ) على (أَنْفُسَكُمْ) ، لأن رب المنزل راع وهو مسؤول عن أهله. ومعنى وقايتهم : حملهم على طاعته وإلزامهم أداء ما فرض عليهم. قال عمر : يا رسول الله ، نقي أنفسنا ، فكيف لنا بأهلينا؟ قال : «تنهونهن عما نهاكم الله تعالى عنه ، وتأمرونهن بما أمركم الله به ، فتكون ذلك وقاية بينهن وبين النار» ، ودخل الأولاد في (وَأَهْلِيكُمْ). وقيل : دخلوا في (أَنْفُسَكُمْ) لأن الولد بعض من أبيه ، فيعلمه الحلال والحرام ويجنبه المعاصي. وقرىء : وأهلوكم بالواو ، وهو معطوف على الضمير في (قُوا) وحسن العطف للفصل بالمفعول. وقال الزمخشري : فإن قلت : أليس التقدير قوا أنفسكم وليق أهلوكم أنفسهم؟ قلت : لا ، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو وأنفسكم واقع بعده ، فكأنه قيل : قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم. لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه. فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب. انتهى. وناقض في قوله هذا لأنه قدر وليق أهلوكم فجعله من عطف الجمل ، لأن أهلوكم اسم ظاهرة لا يمكن عنده أن يرتفع بفعل الآمر الذي للمخاطب ، وكذا في قوله : (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (١) ، ثم قال :

__________________

(١) سورة البقرة : ٢ / ٣٥.

٢١٢

ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو ، فناقض لأنه في هذا جعله مقارنا في التقدير للواو ، وفيما قبله رفعه بفعل آخر غير الرافع للواو وهو وليق ، وتقدم الخلاف في فتح الواو في قوله : (وَقُودُهَا) وضمها في البقرة. وتفسير (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) في البقرة (عَلَيْها مَلائِكَةٌ) : هي الزبانية التسعة عشر وأعوانهم. ووصفهم بالغلظ ، إما لشدة أجسامهم وقوتها ، وإما لفظاظتهم لقوله : (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ) (١) ، أي ليس فيهم رقة ولا حنة على العصاة. وانتصب (ما أَمَرَهُمْ) على البدل ، أي لا يعصون أمره لقوله تعالى : (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) (٢) ، أو على إسقاط حرف الجر. أي فيما أمرهم (وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ). قيل : كرر المعنى توكيدا. وقال الزمخشري : فإن قلت : أليس الجملتان في معنى واحد؟ قلت : لا فإن معنى الأولى : أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها ، ومعنى الثانية : أنهم يودون ما يؤمرون ، لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه. (لا تَعْتَذِرُوا) : خطاب لهم عند دخولهم المنار ، لأنهم لا ينفعهم الاعتذار ، فلا فائدة فيه.

قوله عزوجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ، ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ، وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ).

ذكروا في النصوح أربعة وعشرين قولا. وروي عن عمر وعبد الله وأبي ومعاذ أنها التي لا عودة بعدها ، كما لا يعود اللبن إلى الضرع ، ورفعه معاذ إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقرأ الجمهور : (نَصُوحاً) بفتح النون ، وصفا لتوبة ، وهو من أمثلة المبالغة ، كضروب وقتول. وقرأ الحسن والأعرج وعيسى وأبو بكر عن عاصم ، وخارجة عن نافع : بضمها ، هو مصدر وصف به ، ووصفها بالنصح على سبيل المجاز ، إذ النصح صفة التائب ، وهو أن ينصح نفسه بالتوبة ، فيأتي بها على طريقها ، وهي خلوصها من جميع الشوائب المفسدة لها ، من

__________________

(١) سورة آل عمران : ٣ / ١٥٩.

(٢) سورة طه : ٢٠ / ٩٣.

٢١٣

قولهم : عسل ناصح ، أي خالص من الشمع ، أو من النصاحة وهي الخياطة ، أي قد أحكمها وأوثقها ، كما يحكم الخياط الثوب بخياطته وتوثيقه.

وسمع عليّ أعرابيا يقول : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك ، فقال : يا هذا إن سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين ، قال : وما التوبة؟ قال : يجمعها ستة أشياء : على الماضي من الذنوب الندامة ، وعلى الفرائض الإعادة ، ورد المظالم واستحلال الخصوم ، وأن يعزم على أن لا يعودوا ، وأن تدئب نفسك في طاعة الله كما أدأبتها في المعصية ، وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعاصي ، وعن حذيفة : بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه. انتهى. ونصوحا من نصح ، فاحتمل ـ وهو الظاهر ـ أن تكون التوبة تنصح نفس التائب ، واحتمل أن يكون متعلق النصح الناس ، أي يدعوهم إلى مثلها لظهور أمرها على صاحبها. وقرأ زيد بن علي : توبا بغير تاء ، ومن قرأ بالضم جاز أن يكون مصدرا وصف كما قدمناه ، وجاز أن يكون مفعولا له ، أي توبوا لنصح أنفسكم. وقرأ الجمهور : (وَيُدْخِلَكُمْ) عطفا على (أَنْ يُكَفِّرَ). وقال الزمخشري : عطفا على محل عسى أن يكفر ، كأنه قيل : توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلكم. انتهى. والأولى أن يكون حذف الحركة تخفيفا وتشبيها لما هو من كلمتين بالكلمة الواحدة ، تقول في قمع ونطع : قمع ونطع.

(يَوْمَ لا يُخْزِي) منصوب يدخلكم ، ولا يخزي تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر ، والنبي هو محمد رسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفي الحديث أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم تضرع إلى الله عزوجل في أمر أمته فأوحى الله تعالى إليه : إن شئت جعلت حسابهم إليك ، فقال : «يا رب أنت أرحم بهم» ، فقال تعالى : إذا لا أخزيك فيهم. وجاز أن يكون : (وَالَّذِينَ) معطوفا على (النَّبِيَ) ، فيدخلون في انتفاء الخزي. وجاز أن يكون مبتدأ ، والخبر (نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ). وقرأ سهل بن شعيب وأبو حيوة : وبإيمانهم بكسر الهمزة ، وتقدم في الحديث. (يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا). قال ابن عباس والحسن : يقولون ذلك إذا طفىء نور المنافقين. وقال الحسن أيضا : يدعونه تقربا إليه ، كقوله : (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (١) ، وهو مغفور له. وقيل : يقوله من يمر على الصراط زحفا وحبوا. وقيل : يقوله من يعطى من النور مقدار ما يبصر به موضع قدميه. (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ) : تقدم نظير هذه الآية في التوبة.

__________________

(١) سورة يوسف : ١٢ / ٢٩.

٢١٤

(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) : ضرب تعالى المثل لهم بامرأة نوح وامرأة لوط في أنهم لا ينفعهم في كفرهم لحمة نسب ولا وصلة صهر ، إذ الكفر قاطع العلائق بين الكافر والمؤمن ، وإن كان المؤمن في أقصى درجات العلا. ألا ترى إلى قوله تعالى : (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) (١)؟ كما لم ينفع تينك المرأتين كونهما زوجتي نبيين. وجاءت الكناية عن اسمهما العلمين بقوله : (عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا) ، لما في ذلك من التشريف بالإضافة إليه تعالى. ولم يأت التركيب بالضمير عنهما ، فيكون تحتهما لما قصد من ذكر وصفهما بقوله : (صالِحَيْنِ) ، لأن الصلاح هو الوصف الذي يمتاز به من اصطفاه الله تعالى بقوله في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام : (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (٢) ، وفي قول يوسف عليه‌السلام : (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (٣) ، وقول سليمان عليه الصلاة والسلام : (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) (٤). (فَخانَتاهُما) ، وذلك بكفرهما وقول امرأة نوح عليه‌السلام : هو مجنون ، ونميمة امرأة لوط عليه‌السلام بمن ورد عليه من الأضياف ، قاله ابن عباس. وقال : لم تزن امرأة نبي قط ، ولا ابتلي في نسائه بالزنا. قال في التحرير : وهذا إجماع من المفسرين ، وفي كتاب ابن عطية. وقال الحسن في كتاب النقاش : فخانتاهما بالكفر والزنا وغيره. وقال الزمخشري : ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور ، لأنه سمج في الطباع نقيصة عند كل أحد ، بخلاف الكفر ، فإن الكفر يستسمجونه ويسمونه حقا. وقال الضحاك : خانتاهما بالنميمة ، كان إذا أوحى إليه بشيء أفشتاه للمشركين ، وقيل : خانتاهما بنفاقهما. قال مقاتل : اسم امرأة نوح والهة ، واسم امرأة لوط والعة. (فَلَمْ يُغْنِيا) بياء الغيبة ، والألف ضمير نوح ولوط : أي على قربهما منهما فرق بينهما الخيانة. (وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ) : أي وقت موتهما ، أو يوم القيامة ؛ (مَعَ الدَّاخِلِينَ) : الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو مع من دخلها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط. وقرأ مبشر بن عبيد : تغنيا بالتاء ، والألف ضمير المرأتين ، ومعنى (عَنْهُما) : عن أنفسهما ، ولا بد من هذا المضاف إلا أن يجعل عن اسما ، كهي في : دع عنك ، لأنها إن كانت حرفا ، كان في ذلك تعدية الفعل الرافع للضمير المتصل إلى ضمير المجرور ، وهو يجري مجرى المنصوب المتصل ، وذلك لا يجوز.

(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ) : مثل تعالى حال المؤمنين في أن

__________________

(١) سورة هود : ١١ / ٤٦.

(٢) سورة البقرة : ٢ / ١٣٠.

(٣) سورة يوسف : ١٢ / ١٠١.

(٤) سورة النمل : ٢٧ / ١٩.

٢١٥

وصلة الكفار لا تضرهم ولا تنقص من ثوابهم بحال امرأة فرعون ، واسمها آسية بنت مزاحم ، ولم يضرها كونها كانت تحت فرعون عدوّ الله تعالى والمدعي الإلهية ، بل نجاها منه إيمانها ؛ وبحال مريم ، إذ أوتيت من كرامة الله تعالى في الدنيا والآخرة ، والاصطفاء على نساء العالمين ، مع أن قومها كانوا كفارا. (إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ) : هذا يدل على إيمانها وتصديقها بالبعث. قيل : كانت عمة موسى عليه‌السلام ، وآمنت حين سمعت بتلقف عصاه ما أفك السحرة. طلبت من ربها القرب من رحمته ، وكان ذلك أهم عندها ، فقدمت الظرف ، وهو (عِنْدَكَ بَيْتاً) ، ثم بينت مكان القرب فقالت : (فِي الْجَنَّةِ). وقال بعض الظرفاء : وقد سئل : ابن في القرآن مثل قولهم : الجار قبل الدار ، قال : قوله تعالى (ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ) ، فعندك هو المجاورة ، وبيتا في الجنة هو الدار ، وقد تقدم (عِنْدَكَ) على قوله : (بَيْتاً). (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ) ، قيل : دعت بهذه الدعوات حين أمر فرعون بتعذيبها لما عرف إيمانها بموسى عليه‌السلام. وذكر المفسرون أنواعا مضطربة في تعذيبها ، وليس في القرآن نصا أنها عذبت. وقال الحسن : لما دعت بالنجاة ، نجاها الله تعالى أكرم نجاة ، فرفعها إلى الجنة تأكل وتشرب وتتنعم. وقيل : لما قالت : (ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ) ، أريت بيتها في الجنة يبنى ، (وَعَمَلِهِ) ، قيل : كفره. وقيل : عذابه وظلمه وشماتته. وقال ابن عباس : الجماع. (وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ، قال : أهل مصر ، وقال مقاتل : القبط ، وفي هذا دليل على الالتجاء إلى الله تعالى عند المحن وسؤال الخلاص منها ، وإن ذلك من سنن الصالحين والأنبياء.

(وَمَرْيَمَ) : معطوف على امرأة فرعون ، (ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) : تقدم تفسير نظير هذه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقرأ الجمهور : ابنت بفتح التاء ؛ وأيوب السختياني : ابنه بسكون الهاء وصلا أجراه مجرى الوقف. وقرأ الجمهور : (فَنَفَخْنا فِيهِ) : أي في الفرج ؛ وعبد الله : فيها ، كما في سورة الأنبياء ، أي في الجملة. وجمع تعالى في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها تسلية للأرامل وتطييبا لقلوبهن. وقرأ الجمهور : (وَصَدَّقَتْ) بشد الدال ؛ ويعقوب وأبو مجلز وقتادة وعصمة عن عاصم : بخفها ، أي كانت صادقة بما أخبرت به من أمر عيسى عليه‌السلام ، وما أظهر الله له من الكرامات. وقرأ الجمهور : وكلماته جمعا ، فاحتمل أن تكون الصحف المنزلة على إدريس عليه‌السلام وغيره ، وسماها كلمات لقصرها ، ويكون المراد بكتبه : الكتب الأربعة. واحتمل أن تكون الكلمات : ما كلم الله تعالى به ملائكته وغيرهم ،

٢١٦

وبكتبه : جميع ما يكتب في اللوح وغيره. واحتمل أن تكون الكلمات : ما صدر في أمر عيسى عليه‌السلام. وقرأ الحسن ومجاهد والجحدري : بكلمة على التوحيد ، فاحتمل أن يكون اسم جنس ، واحتمل أن يكون كناية عن عيسى ، لأنه قد أطلق عليه أنه كلمة الله ألقاها إلى مريم. وقرأ أبو عمرو وحفص : وكتبه جمعا ، ورواه كذلك خارجة عن نافع. وقرأ باقي السبعة : وكتابه على الإفراد ، فاحتمل أن يراد به الجنس ، وأن يراد به الإنجيل لا سيما إن فسرت الكلمة بعيسى. وقرأ أبو رجاء : وكتبه. قال ابن عطية : بسكون التاء وكتبه ، وذلك كله مراد به التوراة والإنجيل. وقال صاحب اللوامح أبو رجاء : وكتبه بفتح الكاف ، وهو مصدر أقيم مقام الاسم. قال سهل : وكتبه أجمع من كتابه ، لأن فيه وضع المضاف موضع الجنس ، فالكتب عام ، والكتاب هو الإنجيل فقط. انتهى.

(وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) : غلب الذكورية على التأنيث ، والقانتين شامل للذكور والإناث ، ومن للتبعيض. وقال الزمخشري : ويجوز أن تكون لابتداء الغاية على أنها ولدت من القانتين ، لأنها من أعقاب هارون أخي موسى ، صلوات الله وسلامه عليهما ، وقال يحيى بن سلام : مثل ضربه الله يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم ضرب لهما مثلا بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران ترغيبا في التمسك بالطاعات والثبات على الدّين. انتهى. وأخذ الزمخشري كلام ابن سلام هذا وحسنه وزمكه بفصاحة فقال : وفي طيّ هذين التمثيلين تعريض بأمّي المؤمنين المذكورتين في أول السورة ، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشدّه لما في التمثيل من ذكر الكفر ونحوه. ومن التغليظ قوله : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) (١) ، وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص والكتمان فيه كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن لا يشكلا على أنهما زوجتا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإن ذلك الفضل لا ينقصهما إلا مع كونهما مخلصين. والتعريض بحفصة أرج ، لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدّا يدق عن تفطن العالم ويزل عن تبصره. انتهى. وقال ابن عطية : وقال بعض الناس : إن في المثلين عبرة لزوجات النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين تقدم عتابهن ، وفي هذا بعد ، لأن النص أنه للكفار يبعد هذا ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

__________________

(١) سورة آل عمران : ٣ / ٩٧.

٢١٧

سورة الملك

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ

٢١٨

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)

(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ، وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ ، وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ، إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ، تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ، قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ، وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ، فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ ، إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ، وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).

هذه السورة مكية. ومناسبتها لما قبلها : أنه لما ضرب للكفار بتينك المرأتين المحتوم لهما بالشقاوة ، وإن كانتا تحت نبيين ، ومثلا للمؤمنين بآسية ومريم ، وهما محتوم لهما

٢١٩

بالجنة ، وإن كان قوماهما كافرين. كان ذلك تصرّفا في ملكه على ما سبق قضاؤه ، فقال : (تَبارَكَ) : أي تعالى وتعاظم ، (الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) : وهو كناية عن الإحاطة والقهر ، وكثيرا ما جاء نسبة اليد إليه تعالى كقوله : (فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) (١) ، (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) (٢) ، وذلك في حقه تعالى استعارة لتحقيق الملك ، إذ كانت في عرف الآدميين آلة للتملك ، والملك هنا هو على الإطلاق لا يبيد ولا يختل. وعن ابن عباس : ملك الملوك لقوله تعالى : (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ) (٣) ، وناسب الملك ذكر وصف القدرة والحياة ما يصح بوجوده الإحساس. ومعنى (خَلَقَ الْمَوْتَ) : إيجاد ذلك المصحح وإعدامه ، والمعنى : خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ، وسمى علم الواقع منهم باختيارهم بلوى وهي الحيرة ، استعارة من فعل المختبر. وفي الحديث أنه فسر (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) : أي أحسن عقلا وأشدّكم خوفا وأحسنكم في أمره ونهيه نظرا ، وإن كان أقلكم تطوعا. وعن ابن عباس والحسن والثوري : أزهدكم في الدنيا. وقيل : كنى بالموت عن الدنيا ، إذ هو واقع فيها ، وعن الآخرة بالحياة من حيث لا موت فيها ، فكأنه قال : هو الذي خلق الدنيا والآخرة ، وصفهما بالمصدرين ، وقدّم الموت لأنه أهيب في النفوس. وليبلوكم متعلق بخلق. و (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) مبتدأ وخبر ، فقدر الحوفي قبلها فعلا تكون الجملة في موضع معموله ، وهو معلق عنها تقديره : فينظر ، وقدّر ابن عطية فينظر أو فيعلم.

وقال الزمخشري : فإن قلت : من أين تعلق قوله : (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) بفعل البلوى؟ قلت : من حيث أنه تضمن معنى العلم ، فكأنه قيل : ليعلمكم أيكم أحسن عملا ، وإذا قلت : علمته أحسن عملا أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوليه ، كما تقول : علمته هو أحسن عملا. فإن قلت : أيسمى هذا تعليقا؟ قلت : لا ، إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسدّ المفعولين جميعا ، كقولك : علمت أيهما عمرو ، وعلمت أزيد منطلق. ألا ترى أنه لا فصل بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدّرا بحرف الاستفهام وغير مصدّر به؟ ولو كان تعليقا لا فترقت الحالتان ، كما افترقتا في قولك : علمت أزيد منطلق ، وعلمت زيدا منطلقا. انتهى. وأصحابنا يسمون ما منعه الزمخشري تعليقا ، فيقولون في الفعل إذا عدى إلى اثنين ونصب الأول ، وجاءت بعده جملة استفهامية ، أو بلام الابتداء ، أو بحرف نفي ، كانت الجملة معلقا عنها الفعل ، وكانت في

__________________

(١) سورة يس : ٣٦ / ٨٣.

(٢) سورة آل عمران : ٣ / ٢٦.

(٣) سورة آل عمران : ٣ / ٢٦.

٢٢٠