🚘

البحر المحيط في التّفسير - ج ١٠

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ١٠

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

لبني النضير ، ولم يحبس من هذه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لنفسه شيئا ، بل أمضاها لغيره ، وذلك أنها في ذلك الوقت فتحت. انتهى. وقيل : إن الآية الأولى خاصة في بني النضير ، وهذه الآية عامة. وقرأ الجمهور : (كَيْ لا يَكُونَ) بالياء ؛ وعبد الله وأبو جعفر وهشام : بالتاء. والجمهور : (دُولَةً) بضم الدال ونصب التاء ؛ وأبو جعفر وأبو حيوة وهشام : بضمها ؛ وعلي والسلمي : بفتحها. قال عيسى بن عمر : هما بمعنى واحد. وقال الكسائي وحذاق البصرة : الفتح في الملك بضم الميم لأنها الفعلة في الدهر ، والضم في الملك بكسر الميم. والضمير في تكون بالتأنيث عائد على معنى ما ، إذ المراد به الأموال والمغانم ، وذلك الضمير هو اسم (يَكُونَ). وكذلك من قرأ بالياء ، أعاد الضمير على لفظ ما ، أي يكون الفيء ، وانتصب دولة على الخبر. ومن رفع دولة فتكون تامة ، ودولة فاعل ، وكيلا يكون تعليل لقوله : (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، أي فالفيء وحكمه لله وللرسول ، يقسمه على ما أمره الله تعالى ، كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء بلغة يعيشون بها متداولا بين الأغنياء يتكاثرون به ، أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم ، كما كان رؤساؤهم يستأثرون بالغنائم ويقولون : من عز بزّ ، والمعنى : كي لا يكون أخذه غلبة وأثرة جاهلية.

وروي أن قوما من الأنصار تكلموا في هذه القرى المفتتحة وقالوا : لنا منها سهمنا ، فنزل : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). وعن الكلبي : أن رؤوسا من المسلمين قالوا له : يا رسول الله ، خذ صفيك والربع ودعنا والباقي ، فهكذا كنا نفعل في الجاهلية ، فنزل : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) الآية ، وهذا عام يدخل فيه قسمة ما أفاء الله والغنائم وغيرها ؛ حتى أنه قد استدل بهذا العموم على تحريم الخمر ، وحكم الواشمة والمستوشمة ، وتحريم المخيط للمحرم.

ومن غريب الحكايات في الاستنباط : أن الشافعي ، رحمه‌الله تعالى ، قال : سلوني عما شئتم أخبركم به من كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فقال له عبد الله بن محمد بن هارون : ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال : قال الله تعالى : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). وحدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ربعي بن خراش ، عن حذيفة بن اليمان ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر». وحدثنا سفيان بن عيينة ، عن مسعر بن كدام ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب ، أنه أمر بقتل الزنبور. انتهى. ويعني في

١٤١

الإحرام. بين أنه يقتدي بعمر ، وأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بالاقتداء به ، وأن الله تعالى أمر بقبول ما يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

قوله عزوجل : (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ، لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ، لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ).

(لِلْفُقَراءِ) ، قال الزمخشري : بدل من قوله : (وَلِذِي الْقُرْبى) ، والمعطوف عليه والذي منع الإبدال من (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، والمعطوف عليهما ، وإن كان المعنى لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أن الله عزوجل أخرج رسوله من الفقراء في قوله : (وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) ، وأنه يترفع برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن التسمية بالفقير ، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وعلا. انتهى. وإنما جعله الزمخشري بدلا من قوله : (وَلِذِي الْقُرْبى) ، لأنه مذهب أبي حنيفة ، والمعنى إنما يستحق ذو القربى الفقير. فالفقر شرط فيه على مذهب أبي حنيفة ، ففسره الزمخشري على مذهبه. وأما الشافعي ، فيرى أن سبب الاستحقاق هو القرابة ، فيأخذ ذو القربى الغني لقرابته.

وقال ابن عطية : (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ) بيان لقوله : (وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ، وكررت لام الجر لما كانت الأولى مجرورة باللام ، ليبين بين الأغنياء منكم ، أي ولكن يكون للفقراء. انتهى. ثم وصف تعالى المهاجرين بما يقتضي فقرهم ويوجب الإشفاق عليهم. (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) : أي في إيمانهم وجهادهم قولا وفعلا. والظاهر أن قوله : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا) معطوف على المهاجرين ، وهم الأنصار ، فيكون قد وقع بينهم الاشتراك

١٤٢

فيما يقسم من الأموال. وقيل : هو مستأنف مرفوع بالابتداء ، والخبر (يُحِبُّونَ). أثنى الله تعالى بهذه الخصال الجليلة ، كما أنثى على المهاجرين بقوله : (يَبْتَغُونَ فَضْلاً) إلخ ، والإيمان معطوف على الدار ، وهي المدينة ، والإيمان ليس مكانا فيتبوأ. فقيل : هو من عطف الجمل ، أي واعتقدوا الإيمان وأخلصوا فيه ، قاله أبو عليّ ، فيكون كقوله : علفتها تبنا وماء باردا أو يكون ضمن (تَبَوَّؤُا) معنى لزموا ، واللزوم قدر مشترك في الدار والإيمان ، فيصح العطف. أو لما كان الإيمان قد شملهم ، صار كالمكان الذي يقيمون فيه ، لكن يكون ذلك جمعا بين الحقيقة والمجاز. قال الزمخشري : أو أراد دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه ؛ أو سمى المدينة ، لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان بالإيمان. وقال ابن عطية : والمعنى تبوؤا الدار مع الإيمان معا ، وبهذا الاقتران يصح معنى قوله : (مِنْ قَبْلِهِمْ) فتأمله. انتهى. ومعنى (مِنْ قَبْلِهِمْ) : من قبل هجرتهم ، (حاجَةً) : أي حسدا ، (مِمَّا أُوتُوا) : أي مما أعطي المهاجرون ، ونعم الحاجة ما فعله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم في إعطاء المهاجرين من أموال بني النضير والقرى.

(وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ) : من ذلك قصة الأنصاري مع ضيف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حيث لم يكن لهم إلا ما يأكل الصبية ، فأوهمهم أنه يأكل حتى أكل الضيف ، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام : «عجب الله من فعلكما البارحة» ، فالآية مشيرة إلى ذلك. وروي غير ذلك في إيثارهم. والخصاصة : الفاقة ، مأخوذة من خصاص البيت ، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج : والفتوح ، فكأن حال الفقير هي كذلك ، يتخللها النقص والاحتياج. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة : شح بكسر الشين. والجمهور : بإسكان الواو وتخفيف القاف وضم الشين ، والشح : اللؤم ، وهو كزازة النفس على ما عندها ، والحرص على المنع. قال الشاعر :

يمارس نفسا بين جنبيه كزة

إذا همّ بالمعروف قالت له مهلا

وأضيف الشح إلى النفس لأنه غريزة فيها. وقال تعالى : (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ) (١) ، وفي الحديث : «من أدّى الزكاة المفروضة وقرى الضيف وأعطى في النائبة فقد برىء من الشح». (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) : الظاهر أنه معطوف على ما قبله من

__________________

(١) سورة النساء : ٤ / ١٢٨.

١٤٣

المعطوف على المهاجرين. فقال الفراء : هم الفرقة الثالثة من الصحابة ، وهو من آمن أو كفر في آخر مدّة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقال الجمهور : أراد من يجيء من التابعين ، فعلى القول الأول : يكون معنى (مِنْ بَعْدِهِمْ) : أي من بعد المهاجرين والأنصار السابقين بالإيمان ، وهؤلاء تأخر إيمانهم ، أو سبق إيمانه وتأخرت وفاته حتى انقرض معظم المهاجرين والأنصار. وعلى القول الثاني : يكون معنى (مِنْ بَعْدِهِمْ) : أي من بعد ممات المهاجرين ، مهاجريهم وأنصارهم. وإذا كان (وَالَّذِينَ) معطوفا على المجرور قبله ، فالظاهر أنهم مشاركو من تقدّم في حكم الفيء.

وقال مالك بن أوس : قرأ عمرو : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ) (١) الآية ، فقال : هذه لهؤلاء ، ثم قرأ : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ) (٢) ، فقال : وهذه لهؤلاء ، ثم قرأ : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ) حتى بلغ (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ) إلى (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ). ثم قال : لئن عشت لنؤتين الراعي ، وهو يسير نصيبه منها. وعنه أيضا : أنه استشار المهاجرين والأنصار فيما فتح الله عليه من ذلك في كلام كثير آخره أنه تلا : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ) الآية ، فلما بلغ (أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) قال : هي لهؤلاء فقط ، وتلا : (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) الآية ، إلى قوله : (رَؤُفٌ رَحِيمٌ) ؛ ثم قال : ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك. وقال عمر رضي الله تعالى عنه : لو لا من يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها ، كما قسم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خيبر. وقيل : (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) مقطوع مما قبله ، معطوف عطف الجمل ، لا عطف المفردات ؛ فإعرابه : (وَالَّذِينَ) مبتدأ ، ندبوا بالدعاء للأولين ، والثناء عليهم ، وهم من يجيء بعد الصحابة إلى يوم القيامة ، والخبر (يَقُولُونَ) ، أخبر تعالى عنهم بأنهم لإيمانهم ومحبة أسلافهم (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا) ، وعلى القول الأول يكون (يَقُولُونَ) استئناف إخبار ، قيل : أو حال.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا) الآية : نزلت في عبد الله بن أبيّ ، ورفاعة بن التابوت ، وقوم من منافقي الأنصار ، كانوا بعثوا إلى بني النضير بما تضمنته الجمل المحكية بقوله : (يَقُولُونَ) ، واللام في (لِإِخْوانِهِمُ) للتبليغ ، والإخوة بينهم إخوة الكفر وموالاتهم ، (وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ) : أي في قتالكم ، (أَحَداً) : من الرسول والمؤمنين ؛ أو (لا نُطِيعُ فِيكُمْ) : أي في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة ، و (لَنَنْصُرَنَّكُمْ) : جواب قسم محذوف

__________________

(١) سورة التوبة : ٩ / ٦٠.

(٢) سورة الأنفال : ٨ / ٤١.

١٤٤

قبل أن الشرطية ، وجواب أن محذوف ، والكثير في كلام العرب إثبات اللام المؤذنة بالقسم قبل أداة الشرط ، ومن حذفها قوله : (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ) (١) ، التقدير : ولئن لم ينتهوا لكاذبون ، أي في مواعيدهم لليهود ، وفي ذلك دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب ، ولذلك لم يخرجوا حين أخرج بنو النضير ، بل أقاموا في ديارهم ، وهذا إذا كان قوله : (لِإِخْوانِهِمُ) أنهم بنو النضير. وقيل : هم يهود المدينة ، والضمائر على هذين القولين. وقيل : فيها اختلاف ، أي لئن أخرج اليهود لا يخرج المنافقون ، ولئن قوتل اليهود لا ينصرهم المنافقون ، ولئن نصر اليهود المنافقين ليولي اليهود الأدبار ، وكأن صاحب هذا القول نظر إلى قوله : (وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ) ، فقد أخبر أنهم لا ينصرونهم ، فكيف يأتي (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ)؟ فأخرجه في حيز الإمكان ، وقد أخبر أنهم لا ينصرونهم ، فلا يمكن نصرهم إياهم بعد إخباره تعالى أنه لا يقع. وإذا كانت الضمائر متفقة ، فقال الزمخشري : معناه ولئن نصروهم على الفرض ، والتقدير كقوله : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (٢) ، وكما يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون. وقال ابن عطية : معناه : ولئن خالفوا ذلك فإنهم ينهزمون. انتهى. والظاهر أن الضمير في (لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ) ، وفي (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) عائد على المفروض أنهم ينصرونهم ، أي ولئن نصرهم المنافقون ليولن المنافقون الأدبار ، ثم لا ينصر المنافقون. وقيل : الضمير في التولي عائد على اليهود ، وكذا في (لا يُنْصَرُونَ). قال ابن عطية : وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله : (لا يَخْرُجُونَ) و (لا يُنْصَرُونَ) لأنها راجعة على حكم القسم ، لا على حكم الشرط ، وفي هذا نظر. انتهى. وأي نظر في هذا؟ وهذا جاء على القاعدة المتفق عليها من أنه إذا تقدم القسم على الشرط كان الجواب للقسم وحذف جواب الشرط ، وكان فعله بصيغة المضي ، أو مجزوما بلم ، وله شرط ، وهو أن لا يتقدمه طالب خبر. واللام في (لَئِنْ) مؤذنة بقسم محذوف قبله ، فالجواب له. وقد أجاز الفراء أن يجاب الشرط ، وأن تقدم القسم ، ورده عليه البصريون. ثم خاطب المؤمنين بأن هؤلاء يخافونكم أشد خيفة من الله تعالى ، لأنهم يتوقعون عاجل شركم ، ولعدم إيمانهم لا يتوقعون أجل عذاب الله ، وذلك لقلة فهمهم ، ورهبة : مصدر رهب المبني للمفعول ، كأنه قيل : أشد مرهوبية ، فالرهبة واقعة منهم لا من المخاطبين ، والمخاطبون مرهوبون ، وهذا كما قال :

فلهو أخوف عندي إذا أكلمه

وقيل إنك مأسور ومقتول

__________________

(١) سورة المائدة : ٥ / ٧٣.

(٢) سورة الزمر : ٣٩ / ٦٥.

١٤٥

من ضيغم بثراء الأرض مخدره

ببطن عثر غيل دونه غيل

فالمخبر عنه مخوف لا خائف ، والضمير في (صُدُورِهِمْ). قيل : لليهود ، وقيل : للمنافقين ، وقيل : للفريقين. وجعل المصدر مقرا للرهبة دليل على تمكنها منهم بحيث صارت الصدور مقرا لها ، والمعنى : رهبتهم منكم أشد من رهبتهم من الله عزوجل. (لا يُقاتِلُونَكُمْ) : أي بنو النضير وجميع اليهود. وقيل : اليهود والمنافقون (جَمِيعاً) : أي مجتمعين متساندين يعضد بعضهم بعضا ، (إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ) : لا في الصحراء لخوفهم منكم ، وتحصينها بالدروب والخنادق ، أو من وراء جدار يتسترون به من أن تصيبوهم. وقرأ الجمهور : (جُدُرٍ) بضمتين ، جمع جدار ؛ وأبو رجاء والحسن وابن وثاب : بإسكان الدال تخفيفا ، ورويت عن ابن كثير وعاصم والأعمش. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وكثير من المكيين : جدار بالألف وكسر الجيم. وقرأ كثير من المكيين ، وهارون عن ابن كثير : جدر بفتح الجيم وسكون الدال. قال صاحب اللوامح : وهو وأخذ بلغة اليمن. وقال ابن عطية : ومعناه أصل بنيان كالسور ونحوه. قال : ويحتمل أن يكون من جدر النخل ، أي من وراء نخلهم ، إذ هي مما يتقى به عند المصافة. (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) : أي إذا اقتتلوا بعضهم مع بعض. كان بأسهم شديدا ؛ أما إذا قاتلوكم ، فلا يبقى لهم بأس ، لأن من حارب أولياء الله خذل. (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً) : أي مجتمعين ، ذوي ألفة واتحاد. (وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) : أي وأهواؤهم متفرقة ، وكذا حال المخذولين ، لا تستقر أهواؤهم على شيء واحد ، وموجب ذلك الشتات هو انتفاء عقولهم ، فهم كالبهائم لا تتفق على حالة. وقرأ الجمهور : (شَتَّى) بألف التأنيث ؛ ومبشر بن عبيد : منونا ، جعلها ألف الإلحاق ؛ وعبد الله : وقلوبهم أشت : أي أشد تفرقا ، ومن كلام العرب : شتى تؤوب الحلبة. قال الشاعر :

إلى الله أشكوا فتية شقت العصا

هي اليوم شتى وهي أمس جميع

قوله عزوجل : (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ، كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ، فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ، لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ، لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ، هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ

١٤٦

الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ، هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ، هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(كَمَثَلِ) : خبر مبتدأ محذوف ، أي مثلهم ، أي بني النضير (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً) : وهم بنو قينقاع ، أجلاهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من المدينة قبل بني النضير فكانوا مثلا لهم ، قاله ابن عباس ؛ أو أهل بدر الكفار ، فإنه عليه الصلاة والسلام قتلهم ، فهم مثلهم في أن غلبوا وقهروا. وقيل : الضمير في (مِنْ قَبْلِهِمْ) للمنافقين ، و (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : منافقو الأمم الماضية ، غلبوا ودلوا على وجه الدهر ، فهؤلاء مثلهم. ويبعد هذا التأويل لفظة (قَرِيباً) أن جعلته متعلقا بما قبله ، وقريبا ظرف زمان وإن جعلته معمولا لذاقوا ، أي ذاقوا وبال أمرهم قريبا من عصيانهم ، أي لم تتأخر عقوبتهم في الدنيا ، كما لم تتأخر عقوبة هؤلاء. (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة.

(كَمَثَلِ الشَّيْطانِ) : لما مثلهم بمن قبلهم ، ذكر مثلهم مع المنافقين ، فالمنافقون كالشيطان ، وبنو النضير كالإنسان ، والجمهور : على أن الشيطان والإنسان اسما جنس يورطه في المعصية ثم يفر منه. كذلك أغوى المنافقون بني النضير ، وحرضوهم على الثبات ، ووعدوهم النصر. فلما نشب بنو النضير ، خذلهم المنافقون وتركوهم في أسوأ حال. وقيل : المراد استغواء الشيطان قريشا يوم بدر. وقوله لهم : (لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) إلى قوله : (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) (١). وقيل : التمثيل بشيطان مخصوص مع عابد مخصوص استودع امرأة ، فوقع عليها فحملت ، فخشي الفضيحة ، فقتلها ودفنها. سول له الشيطان ذلك ، ثم شهره ، فاستخرجت فوجدت مقتولة ؛ وكان قال إنها ماتت ودفنتها ، فعلموا بذلك ، فتعرض له الشيطان وقال : اكفر واسجد لي وأنا أنجيك ، ففعل وتركه عند ذلك وقال : أنا بريء منك. وقول الشيطان : (إِنِّي أَخافُ اللهَ) رياء ، ولا يمنعه الخوف عن سوء يوقع ابن آدم فيه. وقرأ الجمهور : (عاقِبَتَهُما) بنصب التاء ؛ والحسن وعمرو بن عبيد وسليم بن أرقم : برفعهما. والجمهور : (خالِدَيْنِ) بالياء حالا ، و (فِي النَّارِ) خبر أن ؛ وعبد الله وزيد بن علي والأعمش وابن عبلة : بالألف ، فجاز أن يكون خبر أن ، والظرف ملغى وإن كان قد أكد بقوله : (فِيها) ، وذلك جائز على مذهب

__________________

(١) سورة الأنفال : ٨ / ٤٨.

١٤٧

سيبويه ، ومنع ذلك أهل الكوفة ، لأنه إذا أكد عندهم لا يلغى. ويجوز أن يكون في النار خبرا ، لأن (خالِدَيْنِ) خبر ثان ، فلا يكون فيه حجة على مذهب سيبويه.

ولما انقضى في هذه السورة ، وصف المنافقين واليهود. وعظ المؤمنين ، لأن الموعظة بعد ذكر المصيبة لها موقع في النفس لرقة القلوب والحذر مما يوجب العذاب ، وكرر الأمر بالتقوى على سبيل التوكيد ، أو لإختلاف متعلق بالتقوى. فالأولى في أداء الفرائض ، لأنه مقترن بالعمل ؛ والثانية في ترك المعاصي ، لأنه مقترن بالتهديد والوعيد. وقرأ الجمهور : (وَلْتَنْظُرْ) : أمرا ، واللام ساكنة ؛ وأبو حيوة ويحيى بن الحارث : بكسرها. وروي ذلك عن حفص ، عن عاصم والحسن : بكسرها وفتح الراء ، جعلها لام كي. ولما كان أمر القيامة كائنا لا محالة ، عبر عنه بالغد ، وهو اليوم الذي يلي يومك على سبيل التقريب. وقال الحسن وقتادة : لم يزل يقر به حتى جعله كالغد ، ونحوه : كأن لم تغن بالأمس ، يريد تقريب الزمان الماضي. وقيل : عبر عن الآخرة بالغد ، كأن الدنيا والآخرة نهاران ، يوم وغد. قال ابن عطية : ويحتمل أن يريد بقوله : (لِغَدٍ) : ليوم الموت ، لأنه لكل إنسان كغده. وقال مجاهد وابن زيد : بالأمس الدنيا وغد الآخرة. وقال الزمخشري : أما تنكير النفس فاستقلال للأنفس النواظر فيما قدمن للآخرة ، كأنه : قيل لغد لا يعرف كنهه لعظمه. انتهى. وقرأ الجمهور : (لا تَكُونُوا) بتاء الخطاب ؛ وأبو حيوة : بياء الغيبة ، على سبيل الالتفات. وقال ابن عطية : كناية عن نفس التي هي اسم الجنس ؛ (كَالَّذِينَ نَسُوا) : هم الكفار ، وتركوا عبادة الله وامتثال ما أمر واجتناب ما نهى ، وهذا تنبيه على فرط غفلتهم واتباع شهواتهم ؛ (فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) ، حيث لم يسعوا إليها في الخلاص من العذاب ، وهذا من المجازاة على الذنب بالذنب. عوقبوا على نسيان جهة الله تعالى بأن أنساهم أنفسهم. قال سفيان : المعنى حظ أنفسهم ، ثم ذكر مباينة الفريقين : أصحاب النار في الجحيم ، وأصحاب الجنة في النعيم ، كما قال : (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) (١) ، وقال تعالى : (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (٢).

(لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ) : هذا من باب التخييل والتمثيل ، كما مر في قوله تعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ) (٣) ، ودل على ذلك : (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ) (٤) ، والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه ، وعدم تأثره لهذا الذي لو أنزل على

__________________

(١) سورة السجدة : ٣٢ / ١٨.

(٢) سورة ص : ٣٨ / ٢٨.

(٣) سورة الأحزاب : ٣٣ / ٧٢.

(٤) سورة العنكبوت : ٢٩ / ٤٣.

١٤٨

الجبل لتخشع وتصدع. وإذا كان الجبل على عظمه وتصلبه يعرض له الخشوع والتصدع ، فابن آدم كان أولى بذلك ، لكنه على حقارته وضعفه لا يتأثر. وقرأ طلحة : مصدعا ، بإدغام التاء في الصاد ؛ وأبو السمال وأبو دينار الأعرابي : القدوس بفتح القاف ؛ والجمهور : بالفك والضم. وقرأ الجمهور : المؤمن بكسر الميم ، اسم فاعل من آمن بمعنى أمن. وقال ثعلب : المصدق المؤمنين في أنهم آمنوا. وقال النحاس : أو في شهادتهم على الناس يوم القيامة. وقيل : المصدق نفسه في أقواله الأزلية. وقرأ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ، وقيل ، أبو جعفر المدني : المؤمن بفتح الميم. قال أبو حاتم : لا يجوز ذلك ، لأنه لو كان كذلك لكان المؤمن به وكان جائزا ، لكن المؤمن المطلق بلا حرف جر يكون من كان خائفا فأومن. وقال الزمخشري : يعني المؤمن به على حذف حرف الجر ، كما تقول في قوم موسى من قوله : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) (١) : المختارون. (الْمُهَيْمِنُ) : تقدم شرحه. (الْجَبَّارُ) : القهار الذي جبر خلقه على ما أراد. وقيل : الجبار : الذي لا يدانيه شيء ولا يلحق ، ومنه نخلة جبارة إذا لم تلحق ، وقال امرؤ القيس :

سوابق جبار أتيت فروعه

وعالين قنوانا من البسر أحمرا

وقال ابن عباس : هو العظيم ، وجبروته : عظمته. وقيل : هو من الجبر ، وهو الإصلاح. جبرت العظم : أصلحته بعد الكسر. وقال الفراء : من أجبره على الأمر : قهره ، قال : ولم أسمع فعالا من أفعل إلا في جبار ودراك. انتهى ، وسمع أسار فهو أسار. (الْمُتَكَبِّرُ) : المبالغ في الكبرياء والعظمة. وقيل : المتكبر عن ظلم عباده ، (الْخالِقُ) : المقدر لما يوجده. (الْبارِئُ) : المميز بعضه من بعض بالأشكال المختلفة ، (الْمُصَوِّرُ) : الممثل. وقرأ عليّ وحاطب بن أبي بلتعة والحسن وابن السميقع : المصور بفتح الواو والراء ، وانتصب مفعولا بالباري ، وأراد به جنس المصور. وعن علي ؛ فتح الواو وكسر الراء على إضافة اسم الفاعل إلى المفعول ، نحو : الضارب الغلام.

__________________

(١) سورة الأعراف : ٧ / ١٥٥.

١٤٩

سورة الممتحنة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ

١٥٠

الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ، إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ، لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ، قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ

١٥١

وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ، عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ، إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

هذه السورة مدنية ، ونزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة ، كان قد وجه كتابا ، مع امرأة إلى أهل مكة يخبرهم بأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم متوجه إليهم لغزوهم ؛ فأطلع الله رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ذلك ، ووجه إلى المرأة من أخذ الكتاب منها ، والقصة مشهورة في كتب الحديث والسير.

ومناسبة هذه السورة لما قبلها : أنه لما ذكر فيما قبلها حالة المنافقين والكفار ، افتتح هذه بالنهي عن موالاة الكفار والتودّد إليهم ، وأضاف في قوله : (عَدُوِّي) تغليظا ، لجرمهم وإعلاما بحلول عقاب الله بهم. والعدو ينطلق على الواحد وعلى الجمع ، وأولياء مفعول ثان لتتخذوا. (تُلْقُونَ) : بيان لموالاتهم ، فلا موضع له من الإعراب ، أو استئناف إخبار. وقال الحوفي والزمخشري : حال من الضمير في (لا تَتَّخِذُوا) ، أو صفة لأولياء ، وهذا تقدّمه إليه الفراء ، قال : (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) من صلة (أَوْلِياءَ). انتهى. وعندهم أن النكرة توصل ، وعند البصريين لا توصل بل توصف ، والحال والصفة قيد وهم قد نهوا عن اتخاذهم أولياء مطلقا ، والتقييد يدل على أنه يجوز أن يتخذوا أولياء إذا لم يكونوا في حال إلقاء المودة ، أو إذا لم يكن الأولياء متصفين بهذا الوصف ، وقد قال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) (١) ، فدل على أنه لا يقتصر على تلك الحال ولا ذلك الوصف. والأولياء عبارة عن الإفضاء بالمودة ، ومفعول (تُلْقُونَ) محذوف ، أي تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأسراره. والباء في (بِالْمَوَدَّةِ) للسبب ، أي بسبب المودة التي بينهم. وقال الكوفيون : الباء زائدة ، كما قيل : في : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) : أي أيديكم. قال الحوفي : وقال البصريون هي متعلقة بالمصدر الذي دل عليه الفعل ، وكذلك قوله (بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) (٢) : أي إرادته بإلحاد. انتهى. فعلى هذا يكون (بِالْمَوَدَّةِ) متعلقا بالمصدر ، أي إلقاؤهم بالمودّة ، وهذا ليس بجيد ، لأن فيه حذف المصدر ، وهو موصول ، وحذف الخبر ، إذ إلقاؤهم مبتدأ وبما يتعلق به ، (وَقَدْ كَفَرُوا) جملة حالية ، وذو الحال

__________________

(١) سورة المائدة : ٥ / ٥١.

(٢) سورة الحج : ٢٢ / ٢٥.

١٥٢

الضمير في (تُلْقُونَ) : أي توادونهم ، وهذه حالهم ، وهي الكفر بالله ، ولا يناسب الكافر بالله أن يودّ. وأجاز الزمخشري أن يكون حالا من فاعل (لا تَتَّخِذُوا).

وقرأ الجمهور : (بِما جاءَكُمْ) ، والجحدري والمعلى عن عاصم : لما باللام مكان الباء ، أي لأجل ما جاءكم. (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ) : استئناف ، كالتفسير لكفرهم ، أو حال من ضمير (كَفَرُوا) ، (وَإِيَّاكُمْ) : معطوف على الرسول. وقدّم على إياكم الرسول لشرفه ، ولأنه الأصل للمؤمنين به. ولو تقدّم الضمير لكان جائزا في العربية ، خلافا لمن خص ذلك بالضرورة ، قال : لأنك قادر على أن تأتي به متصلا ، فلا تفصل إلا في الضرورة ، وهو محجوج بهذه الآية وبقوله تعالى : (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (١) وإياكم أن اتقوا الله ، وقدّم الموصول هنا على المخاطبين للسبق في الزمان وبغير ذلك من كلام العرب. و (أَنْ تُؤْمِنُوا) مفعول من أجله ، أي يخرجون لإيمانكم أو كراهة إيمانكم ، (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) : شرط جوابه محذوف لدلالة ما تقدّم عليه ، وهو قوله : (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي) ، ونصب جهادا وابتغاء على المصدر في موضع الحال ، أي مجاهدين ومبتغين ، أو على أنه مفعول من أجله. (تُسِرُّونَ) : استئناف ، أي تسرون وقد علمتم أني أعلم الإخفاء والإعلان ، وأطلع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ذلك ، فلا طائل في فعلكم هذا. وقال ابن عطية : (تُسِرُّونَ) بدل من (تُلْقُونَ). انتهى ، وهو شبيه ببدل الاشتمال ، لأن الإلقاء يكون سرا وجهرا ، فهو ينقسم إلى هذين النوعين. وأجاز أيضا أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : أنتم تسرون. والظاهر أن (أَعْلَمُ) أفعل تفضيل ، ولذلك عداه بالباء. وأجاز ابن عطية أن يكون مضارعا عدى بالباء قال : لأنك تقول علمت بكذا. (وَأَنَا أَعْلَمُ) : جملة حالية ، والضمير في (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ) ، الظاهر أنه إلى أقرب مذكور ، أي ومن يفعل الأسرار. وقال ابن عطية : يعود على الاتخاذ ، وانتصب سواء على المفعول به على تقدير تعدى ضل ، أو على الظرف على تقدير اللزوم ، والسواء : الوسط.

ولما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء ، وشرح ما به الولاية من الإلقاء بالمودة بينهم ، وذكر ما صنع الكفار بهم أولا من إخراج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين ، ذكر صنيعهم آخرا لو قدروا عليه من أنه إن تمكنوا منكم تظهر عداوتهم لكم ، ويبسطوا أيديهم بالقتل والتعذيب ، وألسنتهم بالسب ؛ وودوا لو ارتددتم عن دينكم الذي هو أحب الأشياء إليكم ، وهو سبب إخراجهم إياكم. قال الزمخشري : فإن قلت : كيف أورد جواب الشرط مضارعا

__________________

(١) سورة النساء : ٤ / ١٣١.

١٥٣

مثله ، ثم قال (وَوَدُّوا) بلفظ الماضي؟ قلت : الماضي ، وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب ، فإنه فيه نكتة كأنه قيل : وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم ، يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا. انتهى. وكأن الزمخشري فهم من قوله : (وَوَدُّوا) أنه معطوف على جواب الشرط ، فجعل ذلك سؤالا وجوابا. والذي يظهر أن قوله : (وَوَدُّوا) ليس على جواب الشرط ، لأن ودادتهم كفرهم ليست مترتبة على الظفر بهم والتسلط عليهم ، بل هم وادون كفرهم على كل حال ، سواء أظفروا بهم أم لم يظفروا ، وإنما هو معطوف على جملة الشرط والجزاء ، أخبر تعالى بخبرين : أحدهما اتضاح عداوتهم والبسط إليهم ما ذكر على تقدير الظفر بهم ، والآخر ودادتهم كفرهم ، لا على تقدير الظفر بهم.

ولما كان حاطب قد اعتذر بأن له بمكة قرابة ، فكتب إلى أهلها بما كتب ليرعوه في قرابته ، قال تعالى : (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ) : أي قراباتكم الذين توالون الكفار من أجلهم ، وتتقربون إليهم محاماة عليهم. ويوم معمول لينفعكم أو ليفصل. وقرأ الجمهور ؛ (يَفْصِلُ) بالياء مخففا مبنيا للمفعول. وقرأ الأعرج وعيسى وابن عامر : كذلك إلا أنه مشدد ، والمرفوع ، إما (بَيْنَكُمْ) ، وهو مبني على الفتح لإضافته إلى مبني ، وإما ضمير المصدر المفهوم من يفصل ، أي يفصل هو ، أي الفصل. وقرأ عاصم والحسن والأعمش : يفصل بالياء مخففا مبنيا للفاعل ؛ وحمزة والكسائي وابن وثاب : مبنيا للفاعل بالياء مضمومة مشددا ؛ وأبو حيوة وابن أبي عبلة : كذلك إلا أنه بالنون مشددا ؛ وهما أيضا وزيد بن علي : بالنون مفتوحة مخففا مبنيا للفاعل ؛ وأبو حيوة أيضا : بالنون مضمومة ، فهذا ثماني قراءات.

ولما نهى عن موالاة الكفار ، ذكر قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وأن من سيرته التبرؤ من الكفار ليقتدوا به في ذلك ويتأسوا. وقرأ الجمهور : إسوة بكسر الهمزة ، وعاصم بضمها ، وهما لغتان. (وَالَّذِينَ مَعَهُ) ، قيل : من آمن به. وقال الطبري وغيره : الأنبياء معاصروه ، أو كانوا قريبا من عصره ، لأنه لم يرو أنه كان له أتباع مؤمنون في مكافحته لهم ولنمروذ. ألا تراه قال لسارة حين رحل إلى الشام مهاجرا من بلد نمروذ : ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك؟ والتأسي بإبراهيم عليه‌السلام هو في التبرؤ من الشرك ، وهو في كل ملة وبرسولنا عليه الصلاة والسلام على الإطلاق في العقائد وأحكام الشرع. وقرأ الجمهور ؛ (بُرَآؤُا) جمع بريء ، كظريف وظرفاء ؛ وعيسى : براء جمع بريء أيضا ،

١٥٤

كظريف وظراف ؛ وأبو جعفر : بضم الباء ، كتؤام وظؤار ، وهم اسم جمع الواحد بريء وتوأم وظئر ، ورويت عن عيسى. قال أبو حاتم : زعموا أن عيسى الهمداني رووا عنه براء على فعال ، كالذي في قوله تعالى : (إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) (١) في الزخرف ، وهو مصدر على فعال يوصف به المفرد والجمع. وقال الزمخشري : وبراء على إبدال الضم من الكسر ، كرخال ورباب. انتهى. فالضمة في ذلك ليست بدلا من كسرة ، بل هي ضمة أصلية ، وهو قريب من أوزان أسماء الجموع ، وليس جمع تكسير ، فتكون الضمة بدلا من الكسرة ، إلا قول إبراهيم استثناء من قوله : (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ، قاله قتادة والزمخشري. قال مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وغيرهم : المعنى أن الأسوة لكم في هذا الوجه لا في الوجه الآخر ، لأنه كان لعلمه ليست في نازلتكم.

وقال الزمخشري : فإن قلت : فإن كان قوله : (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) مستثنى من القول الذي هو (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ، فما بال قوله : (وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) ، وهو غير حقيق بالاستثناء؟ ألا ترى إلى قوله : (فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً)؟ قلت : أراد استثناء جملة قوله لأبيه ، والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده مبني عليه وتابع له ، كأنه قال : أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار. انتهى. وقال الزمخشري : أولا بعد أن ذكر أن الاستثناء هو من قوله : (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) في مقالات قال : لأنه أراد بالأسوة الحسنة ، فهو الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذوه سنة يستنون بها. انتهى. والذي يظهر أنه مستثنى من مضاف لإبراهيم تقديره : أسوة حسنة في مقالات إبراهيم ومحاوراته لقومه إلا قول إبراهيم لأبيه (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) ، فليس فيه أسوة حسنة ، فيكون على هذا استثناء متصلا. وأما أن يكون قول إبراهيم مندرجا في أسوة حسنة ، لأن معنى الأسوة هو الاقتداء والتأسي ، فالقول ليس مندرجا تحته ، لكنه مندرج تحت مقالات إبراهيم عليه‌السلام. وقال ابن عطية : ويحتمل أن يكون الاستثناء من التبري والقطيعة التي ذكرت ، لم تبق جملة إلا كذا. انتهى. وقيل : هو استثناء منقطع المعنى ، لكن قول إبراهيم لأبيه (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) ، فلا تأسوا به فيه فتستغفروا وتفدوا آباءكم الكفار بالاستغفار. (رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا) وما بعده ، الظاهر أنه من تمام قول إبراهيم متصلا بما قبل الاستثناء ، وهو من جملة ما يتأسى به فيه ، وفصل بينهما بالاستثناء اعتناء بالاستثناء ولقربه من المستثنى منه ، ويجوز أن يكون أمرا من

__________________

(١) سورة الزخرف : ٤٣ / ٢٦.

١٥٥

الله للمؤمنين ، أي قولوا ربنا عليك توكلنا ، علمهم بذلك قطع العلائق التي بينهم وبين الكفار.

(رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) ، قال ابن عباس : لا تسلطهم علينا فيسبوننا ويعذبوننا. وقال مجاهد : لا تعذبنا بأيديهم أو بعذاب من عندك ، فيظنوا أنهم محقون وأنا مبطلون ، فيفتنوا لذلك. وقال قريبا منه قتادة وأبو مجلز ، وقول ابن عباس أرجح لأنه دعاء لأنفسهم ، وعلى قول غيره دعاء للكافرين ، والضمير في فيهم عائد على إبراهيم والذين معه ، وكررت الأسوة تأكيدا ، وأكد ذلك بالقسم أيضا ، ولمن يرجو بدل من ضمير الخطاب ، بدل بعض من كل.

وروي أنه لما نزلت هذه الآية ، عزم المسلمون على إظهار عداوات أقربائهم الكفار ، ولحقهم هم لكونهم لم يؤمنوا حتى يتوادوا ، فنزل (عَسَى اللهُ) الآية مؤنسة ومرجئة ، فأسلم الجميع عام الفتح وصاروا إخوانا. ومن ذكر أن هذه المودة هي تزويج النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وأنها كانت بعد الفتح فقد أخطأ ، لأن تزويجها كان وقت هجرة الحبشة ، وهذه الآيات سنة ست من الهجرة ، ولا يصح ذلك عن ابن عباس إلا أن يسوقه مثالا ، وإن كان متقدما لهذه الآية ، لأنه استمر بعد الفتح كسائر ما نشأ من المودات ، قاله ابن عطية. وعسى من الله تعالى واجبة الوقوع ، (وَاللهُ قَدِيرٌ) على تقليب القلوب وتيسير العسير ، (وَاللهُ غَفُورٌ) لمن أسلم من المشركين.

(لا يَنْهاكُمُ اللهُ) الآية ، قال مجاهد : نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا ، فكانوا في رتبة سوء لتركهم فرض الهجرة. وقيل : في مؤمنين من أهل مكة وغيرها تركوا الهجرة. وقال الحسن وأبو صالح : في خزاعة وبين الحارث بن كعب وكنانة ومزينة وقبائل من العرب ، كانوا مظاهرين للرسول محبين فيه وفي ظهوره. وقيل : فيمن لم يقاتل ، ولا أخرج ولا أظهر سوأ من كفار قريش. وقال قرة الهمداني وعطية العوفي : في قوم من بني هاشم منهم العباس. وقال عبد الله بن الزبير : في النساء والصبيان من الكفرة. وقال النحاس والثعلبي : أراد المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة. وقيل : قدمت على أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه أمّها نفيلة بنت عبد العزى ، وهي مشركة ، بهدايا ، فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول ، فنزلت الآية ، فأمرها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن تدخلها منزلها وتقبل منها وتكفيها وتحسن إليها. قال ابن عطية : وكانت المرأة فيما روي خالتها فسمتها أمّا ؛ وفي التحرير : أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه طلق امرأته نفيلة في الجاهلية ،

١٥٦

وهي أم أسماء بنت أبي بكر ، فقدمت في المدة التي فيها الهدنة وأهدت إلى أسماء قرطا وأشياء ، فكرهت أن تقبل منها ، فنزلت الآية. و (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) ، و (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) بدلان مما قبلهما ، بدل اشتمال.

قوله عزوجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ).

كان صلح الحديبية قد تضمن أن من أتى أهل مكة من المسلمين لم يرد إليهم ، ومن أتى المسلمين من أهل مكة رد إليهم ، فجاءت أم كلثوم ، وهي بنت عقبة بن أبي معيط ، وهي أول امرأة هاجرت بعد هجرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في هدنة الحديبية ، فخرج في أثرها أخواها عمارة والوليد ، فقالا : يا محمد أوف لنا بشرطنا ، فقالت : يا رسول الله حال النساء إلى الضعف ، كما قد علمت ، فتردني إلى الكفار يفتنوني عن ديني ولا صبر لي ، فنقض الله العهد في النساء ، وأنزل فيهن الآية ، وحكم بحكم رضوه كلهم. وقيل : سبب نزولها سبيعة بنت الحارث الأسلمية ، جاءت الحديبية مسلمة ، فأقبل زوجها مسافر المخدومي. وقيل : صيفي بن الراهب ، فقال : يا محمد اردد علي امرأتي ، فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا ، وهذه طينة الكتاب لم تجف ، فنزلت بيانا أن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء. وذكر أبو نعيم الأصبهاني أن سبب نزولها أميمة بنت بشر بن عمرو بن عوف ، امرأة حسان بن الدحداحة ، وسماهن تعالى مؤمنات قبل أن يمتحن ، وذلك لنطقهن بكلمة الشهادة ، ولم يظهر منهن ما ينافي ذلك ، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان.

وقرىء : مهاجرات بالرفع على البدل من المؤمنات ، وامتحانهن ، قالت عائشة : بآية المبايعة. وقيل : بأن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وقال ابن عباس :

١٥٧

بالحلف إنها ما خرجت إلا حبا لله ورسوله ورغبة في دين الإسلام. وقال ابن عباس أيضا ومجاهد وقتادة وعكرمة : كانت تستحلف أنها ما هاجرت لبغض في زوجها ، ولا لجريرة جرتها ، ولا لسبب من أغراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة. (اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ) : لأنه تعالى هو المطلع على أسرار القلوب ومخبآت العقائد ، (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَ) : أطلق العلم على الظن الغالب بالحلف وظهور الإمارات بالخروج من الوطن ، والحلول في قوم ليسوا من قومها ، وبين انتفاء رجعهن إلى الكفار أزواجهن ، وذلك هو التحريم بين المسلمة والكافر.

وقرأ طلحة : لا هن يحلان لهم ، وانعقد التحريم بهذه الجملة ، وجاء قوله : (وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ) على سبيل التأكيد وتشديد الحرمة ، لأنه إذا لم تحل المؤمنة للكافر ، علم أنه لا حل بينهما البتة. وقيل : أفاد قوله : (وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ) استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل ، كما هو في الحال ما داموا على الإشراك وهن على الإيمان. (وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا) : أمر أن يعطي الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت ، فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية. قال ابن عباس : أعطى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بعد امتحانها زوجها الكافر ، ما أنفق عليها ، فتزوجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وكان إذا امتحنهن ، أعطى أزواجهن مهورهن. وقال قتادة : الحكم في رد الصداق إنما كان في نساء أهل العهد ، فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين ، فلا يرد عليه الصداق ، والأمر كما قال قتادة ، ثم نفى الحرج في نكاح المؤمنين اياهن إذا آتوهن مهورهن ، ثم أمر تعالى المؤمنين بفراق نسائهن الكوافر عوابد الأوثان.

وقرأ الجمهور : (تُمْسِكُوا) مضارع أمسك ، كأكرم ؛ وأبو عمرو ومجاهد : بخلاف عنه ؛ وابن جبير والحسن والأعرج : مضارع مسك مشدّدا ؛ والحسن أيضا وابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد الحميد وأبو عمرو في رواية معاذ : تمسكوا بفتح الثلاثة ، مضارع تمسك محذوف الثاني بتمسكوا ؛ والحسن أيضا : تمسكوا بكسر السين ، مضارع مسك ثلاثيا. وقال الكرخي : (الْكَوافِرِ) ، يشمل الرجال والنساء ، فقال له أبو علي الفارسي : النحويون لا يرون هذا إلا في النساء ، جمع كافرة ، وقال : أليس يقال : طائفة كافرة وفرقة كافرة؟ قال أبو علي : فبهت فقلت : هذا تأييد. انتهى. وهذا الكرخي معتزلي فقيه ، وأبو علي معتزلي ، فأعجبه هذا التخريج ، وليس بشيء لأنه لا يقال كافرة في وصف الرجال إلا تابعا لموصوفها ، أو يكون محذوفا مرادا ، أما بغير ذلك فلا يجمع فاعلة على فواعل إلا

١٥٨

ويكون للمؤنث. والعصم جمع عصمة ، وهي سبب البقاء في الزوجية. (وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ) : أي واسألوا الكافرين ما أنفقتم على أزواجكم إذا فروا إليهم ، (وَلْيَسْئَلُوا) : أي الكفار ما أنفقوا على أزواجهم إذا فروا إلى المؤمنين.

ولما تقرر هذا الحكم ، قالت قريش ، فيما روي : لا نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقا ، فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى : (وَإِنْ فاتَكُمْ) ، فأمر تعالى المؤمنين أن يدفعوا من فرت زوجته من المسلمين ، ففاتت بنفسها إلى الكفار وانقلبت من الإسلام ، ما كان مهرها. قال الزمخشري : فإن قلت : هل لإيقاع شيء في هذا الموضوع فائدة؟ قلت : نعم ، الفائدة فيه أن لا يغادر شيء من هذا الجنس ، وإن قل وحقر ، غير معوض منه تغليظا في هذا الحكم وتشديدا فيه. انتهى. واللاتي ارتددن من نساء المهاجرين ولحقن بالكفار : أم الحكم بنت أبي سفيان ، زوج عياض بن شداد الفهري ؛ وأخت أم سلمة فاطمة بنت أبي أمية ، زوج عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ؛ وعبدة بنت عبد العزى ، زوج هشام بن العاصي ؛ وأم كلثوم بنت جرول ، زوج عمر أيضا. وذكر الزمخشري أنهن ست ، فذكر : أم الحكم ، وفاطمة بنت أبي أمية زوج عمر بن الخطاب ، وعبدة وذكر أن زوجها عمرو بن ود ، وكلثوم ، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاصي ، أعطى أزواجهن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مهورهن من الغنيمة.

وقرأ الجمهور : (فَعاقَبْتُمْ) بألف ؛ ومجاهد والزهري والأعرج وعكرمة وحميد وأبو حيوة والزعفراني : بشد القاف ؛ والنخعي والأعرج أيضا وأبو حيوة أيضا والزهري أيضا وابن وثاب : بخلاف عنه بخف القاف مفتوحة ؛ ومسروق والنخعي أيضا والزهري أيضا : بكسرها ؛ ومجاهد أيضا : فاعقبتم على وزن افعل ، يقال : عاقب الرجل صاحبه في كذا ، أي جاء فعل كل واحد منهما يعقب فعل الآخر ، ويقال : أعقب ، قال :

وحادرت البلد الحلاد ولم يكن

لعقبة قدر المستعيرين يعقب

وعقب : أصاب عقبى ، والتعقيب : غزو إثر غزو ، وعقب بفتح القاف وكسرها مخففا. وقال الزمخشري : فعاقبتم من العقبة ، وهي النوبة. شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة ، وأولئك مهور نساء هؤلاء أخرى ، بأمر يتعاقبون فيه ، كما يتعاقب في الركوب وغيره ، ومعناه : فجاءت عقبتكم من أداء المهر. (فَآتُوا) من فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهرها من مهر المهاجرة ، ولا يؤتوه زوجها الكافر ،

١٥٩

وهكذا عن الزهري ، يعطي من صداق من لحق بهم. ومعنى أعقبتم : دخلتم في العقبة ، وعقبتم من عقبه إذا قفاه ، لأن كل واحد من المتعاقبين يقفي صاحبه ، وكذلك عقبتم بالتخفيف ، يقال : عقبه يعقبه. انتهى. وقال الزجاج : فعاقبتم : قاضيتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم ، وفسر غيرها من القراءات : لكانت العقبى لكم : أي كانت الغلبة لكم حتى غنمتم والكفار من قوله : (إِلَى الْكُفَّارِ) ، ظاهره العموم في جميع الكفار ، قاله قتادة ومجاهد. قال قتادة : ثم نسخ هذا الحكم. وقال ابن عباس : يعطى من الغنيمة قبل أن تخمس. وقال الزهري : من مال الفيء ؛ وعنه : من صداق من لحق بنا. وقيل : الكفار مخصوص بأهل العهد. وقال الزهري : اقتطع هذا يوم الفتح. وقال الثوري : لا يعمل به اليوم. وقال مقاتل : كان في عهد الرسول فنسخ. وقال ابن عطية : هذه الآية كلها قد ارتفع حكمها. وقال أبو بكر بن العربي القاضي : كان هذا حكم الله مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة بإجماع الأمة. وقال القشيري : قال قوم هو ثابت الحكم إلى الآن.

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ) : كانت بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفاء ، بعد ما فرغ من بيعة الرجال ، وهو على الصفا وعمر أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه ، وما مست يده عليه الصلاة والسلام يد امرأة أجنبية قط. وقالت أسماء بنت يزيد بن السكن : كنت في النسوة المبايعات ، فقلت : يا رسول الله ابسط يدك نبايعك ، فقال لي عليه الصلاة والسلام : «إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهن ما أخذ الله عليهن» ، وكانت هند بنت عتبة في النساء ، فقرأ عليهن الآية. فلما قررهن على أن لا يشركن بالله شيئا ، قالت هند : وكيف نطمع أن تقبل منا ما لم تقبله من الرجال؟ تعني أن هذا بين لزومه. فلما وقف على السرقة قالت : والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان ، لا أدري أيحل لي ذلك؟ فقال أبو سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما عبر فهو لك حلال ، فضحك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعرفها ، فقال لها : «وإنك لهند بنت عتبة» ، قالت : نعم ، فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك. فقال : (وَلا يَزْنِينَ) ، فقالت : أو تزني الحرة؟ قال : (وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ) ، فقالت : ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا ، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر ، فضحك عمر رضي الله تعالى عنه حتى استلقى ، وتبسم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : (وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ) ، فقالت : والله إن البهتان لأمر قبيح ، ولا يأمر الله إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. فقال : (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) ، فقالت : والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. ومعنى قول هند : أو تزني الحرة أنه

١٦٠