ملحمة قوافل النّور

حسين بركة الشامي

ملحمة قوافل النّور

المؤلف:

حسين بركة الشامي


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: دار الإسلام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٤٦

١
٢

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

ـ (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (١).

ـ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (٢).

ـ (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (٣).

ـ (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (٤).

ـ (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (٥).

ـ (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) (٦).

__________________

(١) الأحزاب / ٣٣.

(٢) المائدة / ٦٧.

(٣) القصص / ٥.

(٤) آل عمران / ٦١.

(٥) المائدة / ٥٥.

(٦) الشورى / ٢٣.

٤

أهل البيت عليهم‌السلام في السنة

ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

«إنّي أوشك أن ادعى فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله عزوجل وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وأنّ اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» (١).

ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

«إنما مثلي ومثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» (٢).

ـ قال الامام محمد بن علي الباقر عليه‌السلام :

«إنّ الأئمة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كعدد نقباء بني اسرائيل ، وكانوا اثنى عشر ، الفائز من والاهم ، والهالك من عاداهم منهم : حسن ، وحسين ، ثم الأئمة من ولد الحسين عليه‌السلام» (٣).

__________________

(١) ابن سعد : الطبقات الكبرى ٢ / ١٩٤ ط. بيروت.

(٢) الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد ١٢ / ٩١ ط. بيروت.

(٣) عيون اخبار الرضا : ١ / ٤٥ ط. النجف. والبحراني ، العوالم : ١٥ / ٢٦٢ ط. قم.

٥
٦

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين .. نحمده ، ونستغفره ، ونستعين به ونتوكل عليه ، هو الله حسبنا ونعم الوكيل ، والصلاة والسلام على اشرف خلقه ورسله محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وأصحابه المنتجبين ومن دعا بدعوته الى يوم ال دين. وبعد :

تشكل سيرة الرسول المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله واهل بيته الاطهار عليهم‌السلام الصورة الحية للاسلام ، فهم التجسيد العملي للمفهوم الاسلامي ، ولمبادىء الرسالة الخالدة ، من خلال اقوالهم ومواقفهم المعصومة ، لذلك فان الكتابة عنهم كتابة عن الاسلام الاصيل ، واستيحاء لمفاهيمه ، وتعاليمه ، ومسيرته ، فمن اراد ان يفهم الاسلام لا بد له ان يدرس حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله واهل بيته عليهم‌السلام ، دراسة واعية مدركة ، وهي عملية شاقة بطبيعة الحال ، نتيجة ما طرأ على التراث الاسلامي من تشويه ، وخريف دخل مصادر التأريخ والسيرة منذ اوائل عصر التدوين.

لقد كُتب عن سيرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله واهل بيته عليهم‌السلام كم هائل من المؤلفات والبحوث والدراسات ، وكان للشعر حضوره الحيّ في هذا المجال ، فلقد نظم الشعراء منذ عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وطوال الفترات اللاحقة الكثير من القصائد والملاحم في فضائل الرسول والقادة الافذاذ من اهل بيته عليهم‌السلام ، حتى شكل ذلك رصيداً ضخماً متميزاً في تراث الشعر العربي ، وقد تخصص بعض الشعراء في

٧

اهل البيت عليهم‌السلام ، فوظفوا ملكتهم الادبية في هذا المجال الغني ، فكتبوا المديح والرثاء ونظموا في المناقب والسيرة وابدعوا فيهن جميعاً.

ورغم كثرة ما نظم في هذا المجال الخصب الا ان اضافة المزيد يبقى حاجة مستمرة ، فالموضوع واسع بلا حدود ، ومهما كتب فيه يظل نزراً يسيراً. لا سيما بالنسبة لاجيالنا الواعدة التي تشقّ طريقها وسط التحديات ، فهي بأمس الحاجة الى استحضار تلك السيرة العطرة والتأريخ المشرق لكي تنهل منه الدروس والمفاهيم والعبر.

وتعدُّ ملحمة قوافل النور تجربتي الثانية في نظم هذا النمط من الملاحم ، حيث صدرت لي ملحمة «الفية بن بركة» وهي ملحمة شعرية أدبية ، تأريخية ، سياسية ، حركية ، تؤرخ لمسيرة الحركة الاسلامية في العراق للفترة ١٩٦٨ ـ ٢٠٠٣ م وهي الفترة السوداء التي سيطر فيها حزب البعث على مقاليد الأمة في العراق فعاش الشعب العراقي بكل فئاته ، وشرائحه الاجتماعية والسياسة فصول المحنة الرهيبة عبر حمامات الدم ، والتشرد ، والمقابر الجماعية ، والحروب المدمرة ، حتى تحولت أرض السواد الخضراء الجميلة الى خراب ورماد تعصف به الريح.

وملحمة «قوافل النور» مشروع أدبي وتاريخي ، حافل بفضائل ومواقف أهل البيت عليهم‌السلام ومدرستهم الفذة ذات الجذور الراسخة بالاصالة والعمق الرباني والامتداد الرسالي ، وهي زاد الخطيب الحسيني الهادف الذي يحرص على تقديم المادة التاريخية والادبية الحية لجماهيره على مختلف المواقع والساحات ، حيث يجد الخطيب في قوافل النور القصة التاريخية ذات السند الصحيح ، والامثال السامية ، والمواعظ المؤثرة ، والدروس الاخلاقية ، والمواقف الاجتماعية والسياسية التي تحفل بها سيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرة الأئمة من اهل بيته الطاهرين عليهم‌السلام. وهي ملف ادبي ، عقائدي يجد فيه المثقف متعة المراجعة التاريخية والفكرية وهو يتصفح السيرة العطرة والحياة الثرة لاهل البيت عليهم‌السلام.

٨

كما يجد فيها طلبة الجامعات والشباب مادة التاريخ القديمة بلغة حديثة تتناسب مع روح العصر تجيب على تساؤلاتهم الفكرية والسياسية والادبية وهم يواصلون دراستهم وتنمية مواهبهم في مضمار الادب واللغة والتاريخ.

أما الناقد الادبي لقوافل النور فانه يقف امام رؤية تاريخية شاملة لمراحل ومحطات ذات احداث معقدة ومواقف متشابكة يكتشف من خلالها الرؤية الادبية ، والخلفية الثقافية ، وملامح المنهج الذي يسلكه الشاعر ، كما يكتشف الصور الموحية التي تكمن وراء مفردات قاموسه اللغوي.

لقد بدأت نظم هذه الملحمة في خضم معاناة الجهاد الفكري والسياسي ، في منافي الهجرة التي قاربت ربع قرنٍ من الزمن المثقل بالهموم والآمال المتطلعة للعودة ، والمساهمة في بناء ما هدمته الحقبة السوداء من حكم الطاغية العراق.

ورغم ان الذاكرة كانت في الوطن كنت انتهز آنذاك اية فرصة لنظم الابيات ، ومراجعة التاريخ ، وضبط النصوص الروايات ، وكثيراً ما كنت استثمر ساعات السفر الطويلة لمواصلة النظم ، وكتابة الهوامش والملاحظات ، وتقويم الشعر ، واختيار المفردات المناسبة ، حتى اكملت ـ بعون الله ـ الاجزاء السبعة من هذه الملحمة المباركة.

وحين دخلت بغداد بعد سقوط الصنم فيها ، في ٩ نيسان ٢٠٠٣ وتنسمت عبيرها العابق بأشذاء الشهداء الابرار ، حسبت ان علاقتي بالشعر قد توقفت ، حيث رأيت نفسي مستغرقاً في عالم جديد ، وتجربة جديدة ، هي تأسيس وبناء ديوان الوقف الشيعي ومؤسساته ، وهو عالم جديد وواسع ، ومعقد ، الا انه ممتع.

ورغم اني لا امتلك حينئذٍ الوقت ، بل وحتى التفكير في «قوافل النور» ثانية بسبب غمرة العمل ، والانغماس في تفاصيله ليلاً ونهاراً ، لكن بفضل الله تعالى ، وأتماماً للعهد الذي قطعته على نفسي ، صممت وبقوة ان أواصل الملحمة المباركة من جديد ، وان انتزع نفسي من بحبوحة هموم العمل المضني ، لابحر ثانية ، في عالم الشعر لاتمام ما بدأت به في ليالي الغربة.

٩

وهكذا كان حين احسست ان هاتفاً يدفعني دائماً لمواصلة نظم قوافي ـ هذه الملحمة ـ والابتعاد عن الكسل والاسترخاء ، فبدأت بنظم حياة الامام الصادق ، الحافلة بالعطاء والمفعمة بالخير ، وفضائل العلم ، ومكارم الاخلاق.

وقد اجدُ نفسي مضطراً أن اذكر للقرّاء الاعزاء ان هذه الملحمة الشعرية الطويلة لم تتشكل في اجواء الفراغ والترف الادبي ، انما كنتُ اعدُ فصولها شعراً ونثراً يحاصر بغداد حتى بعد سقوط الاصنام. بل ان اكثر فصول الملحمة واحداثها المثيرة والمفجعة في حياة اهل البيت عليهم‌السلام جاءت مع الدموع لأن التاريخ ـ مع الاسف ـ ما زال يعيد نفسه باستمرار ، حيث تتكرر تلك الفواجع الفضيعة في كل مرحلة من مراحل تاريخنا وعلى مختلف خطوط الصراع والمواجهة.

فالامام جعفر الصادق عليه‌السلام هو اول جزء يطبع في العراق بعد العودة ، وتلته الاجزاء الاخرى السبعة للأئمة الطاهرين ، وبعد اكمال النظم والتعليقات على باقي الاجزاء في حياة الائمة الهداة عليهم‌السلام اقترح علي بعض الاخوة الاعزاء ان اجمع كل اجزاء قوافل النور في مطبوعة واحدة متكاملة خصوصاً وأني قد أضفت إليها أبياتاً لتغطية بعض النقاط التاريخية المهمة ، وكذلك من اجل ان تكون الملحمة بكل فصولها حاضرة بين يدي القراء الكرام ، ولكي تظهر روعة الترابط غير المرئي بين اجزائها ، وتبرز الخيوط الموصلة عبر التاريخ بين كل المواقف الرائعة في مسيرة وحياة أهل البيت عليهم‌السلام الزاخرة بالعطاء الدائم الذي ليس له انقطاع ، واشير هنا الى ان عدد ابيات هذه الملحمة قد بلغ (٣٥٩٤) ثلاثة آلاف وخمسمائة واربعة وتسعين بيتاً.

و «مؤسسة دار الاسلام» اذ تقدم هذه الملحمة الشعرية قوافل النور لقراء العربية ، انما تهدف الى تعميق الصلة والرابطة بين ابناء الامة ، وبين عناصر القوة في عقيدتها المتمثلة بسيرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله واهل بيته عليهم‌السلام عبر الزمن ، وتهدف كذلك الى اكتشاف ينابيع الخير والبر والقيم الانسانية ، ومواقف البطولة والفداء في

١٠

تاريخ أمتنا من خلال السيرة العطرة لشخصية الرسول الاكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله واهل بيته الاطهار الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

وفي الختام أود ان اوجه جزيل شكري وامتناني لكل الاخوة الاعزاء من العلماء والادباء ، الذين ابدوا ملاحظاتهم التاريخية والادبية والفنية الطيبة عن قوافل النور يوم كانت تصدر عن مؤسسة «دار الاسلام» في لندن على شكل سلسلة ، ذات اجزاء متعددة ، وأخص بالشكر والتقدير كلاً من الاخوة والاصدقاء الاعزاء :

ـ الاخ الدكتور عدنان هاشم الموسوي ، الذي كتب تقريضاً جميلاً بعد اطلاعه على الجزء الاول والثاني فقط ، والرسالته تكشف عن مدى ذوقه الادبي ، وفهمه لادب الملاحم في التاريخ.

ـ الاخ الدكتور طارق نجم عبد الله ، الباحث والناقد الادبي ، حيث راجع الاجزاء الخمسة الاولى ، وأبدى ملاحظاته اللغوية ، والادبية القيمة ، وأظهره اعجابه بالملحمة من خلال دراسته الدلالية الموسعة التي قدمها لها ، وهي تكشف عن مدى احاطته بأصول النقد الادبي في الدراسات اللغوية.

ـ الاخ الاستاذ الاديب المبدع جواد جميل ، على ما ابداه من ملاحظات ادبية ، وتاريخية ، وفنية خلال اعداد هذه الملحمة المباركة.

ـ الاخ الشيخ كاظم القرشي ، حيث ساهم مشكوراً في اعداد بعض الهوامش والتعليفات ، للأجزاء الاخبرة من الملحمة.

ـ كما اشكر ولدنا المهذب السيد احمد مهدي بركة على جهوده الفنية المتميزة الدؤوبة ، التي بذلها من اجل ان تخرج ملحمة قوافل النور بهذه الحلة الجميلة الأخاذة ، حيث واكب الملحمة منذ أجزائها الأولى وحتى النهاية.

١١

وفي الختام

أسأل الله تعالى ان يحقق كل الاماني الخيرة للمخلصين ، وان يوفق جميع العاملين لخدمة الدين والوطن والانسان.

كما اسأله سبحانه ان يجعل بلدنا العراق الحبيب بلداً امناً وان يرزق اهله من الثمرات ، وان يطوي هذه الصفحة البغيضة السوداء لملفات حزب البعث والتكفيريين بصفحة مشرقة مباركة ، يعود فيها العراق كما كان منذ القديم مركزاً للعلم ، ومصدراً للاشعاع الفكري والروحي والادبي للمنطقة والعالم.

انه مجيب الدعاء ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين

حسين بركة الشامي

محرم الحرام / ١٤٢٨ هـ

بغداد ـ الكاظمية

١٢

رسالة تقريض

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الأخ الفاضل السيّد حسين الشامي حفظه الله ورأطال عمره :

تحية طيبة :

أشكر لكم هديتكم القَيّمة «قوافل النور» في سيرة المصطفى وأهل بيته فجزاك الله عن المصطفى وأهل بيته أفضل الجزاء وجزاك الله من ابن بار لهؤلاء العظام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

وإنّي وإن كنت لم أطلع على الجزئين السابقين إلّا أنّني أرى في الجزئين اللّاحقين ذلك الفرع من ذاك الأصل وكأن هذهِ الكتب ذرية بعضها من بعض.

أنّني وأنا أقرأ هذهِ الملحمة ذكرتني بأيام الرجز الغابرة ، حيث كان الرجز أقرب البحور الشعرية إلى ساحات الحرب ، ومعارك العرب حافلة بهذا النوع من الشعر الغنائي الجميل الخفيف على الروح والشاحذ للهمم.

وذكرني هذان الكتابان بأيام رؤبة ، والعجاج ، وأبي نجم العجلي ، والذي ما تزال قصائدهم في الرجز خالدات في بطون كتب الشعر والأدب ، وحسب علمي أن هذا النوع من الفن الشعري قد ضمر في قرائح الشعراء لإنصرافهم إلى بحور الشعر الأخرى ، فلم أرَ ـ وقد أكون مخطئاً ـ رجزاً يؤبه به منذ أيام رؤبه ، والعجاج حتى فتح الله على الشعر بقريحة شاعرنا ابن بركة الشامي ، فهو قد رفد مجد أهل البيت عليهم‌السلام كما رفد الأدب بشعره الجميل.

تقبلوا خالص التحيات

الدكتور عدنان هاشم الموسوي

لندن

١٣
١٤

قوافل النور .. دراسة دلالية

بقلم : د. طارق نجم عبد الله (*)

«الشعر» في أصل وضعه اللغوي يعني : العلم ، ولهذا قالت العرب : ليت شعري ، أي ، ليت علمي ، وفي الحديث : «ليت شعري ما صنع فلان!» أي ليت علمي حاضر ، أو محيط بما صنع ، فحذف الخبر. و «الشّعرُ» منظوم القول ، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية.

قال الأزهري : الشّعر ، القريض المحدود بعلامات لا يجاوزها والجمع أشعار ، وقائله شاعر ، لأنّه يشعر ما لا يشعُرُ غيره ، أي ؛ يعلم. (١)

وقد وردت كلمة «الشّعر» مرّة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى :

(وما علّمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلّا ذِكرٌ وقرآن مبين) (٢)

قال المفسرون : إن الله تعالى لم يعلّم الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله قول الشعراء وصناعة الشعر ، أي ما أعطيناه العلم بالشعر وإنشائه ، وما ينبغي له يقول أن الشعر من عند نفسه ، حتى لا يقع في معرض تزيين المعاني بالتخيلات الشعرية التي يراد بها أن تكون أوقع في النفس ، وتنظيم الكلام بأوزان موسيقية ليكون أوقع في السمع ، لأنّ آية رسالته ومتن دعوته القرآن الكريم المعجز في بيانه الذي هو

__________________

(*) استاذ متمرس في اللغة العربية ، وعلوم القرآن ، والرئيس السابق لقسم اللغة العربية في كلية الآداب ـ جامعة صناء. حقق كثيرا من الكتب والمخطوطات ، وصدرت له عدة دراسات لغوية ، يعمل الان مديراً لمكتب رئيس الوزراء العراقي.

(١) لسان العرب / مادة : ش ع ر.

(٢) يس ٣٦ : ٦٩.

١٥

ذكر وقرآن مبين ، ووردت كلمة «شاعر» في القرآن الكريم في أربعة مواضع هي :

١ ـ قوله تعالى : (بل قالوا أَضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون) (١).

فالآية الكريمة تشير إلى موقف المتردد في توجيه ما سمعه من نصر قرآني بهره ، فمرّة يقول سحر ، ومرّة يقول شعر ، ومرّة يقول حلم ، ولا يجزم على واحد.

٢ ـ قوله تعالى : (ويقولون أإنّا لتاركو آلهتنا لشاعرٍ مجنون) (٢).

وهو من كلام الكفار الذين يأنفون ما سمعوه ويستخفون بمن يدعوهم ويقولون : لا ندع عبادة الأصنام لقول شاعر مجنون ـ يعنون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ

٣ ـ قوله تعالى : (أم يقولون شاعرٌ نتربص به ريب المنون) (٣).

وهو قول الكفار أيضاً فهم ينتظرون به حدثان الموت وحوادث الدهر فيهلك كما هلك مَن تقدّم من الشعراء.

٤ ـ قوله تعالى : (وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون) (٤).

أي أنّ الله سبحانه وتعالى نفى عنه هذه الصفة لأنّ القرآن الكريم ليس بصفة الكلام المعتاد وأنّه ليس بشعر ، بل هو ضرب من الكلام الخارج عن الأنواع المعتادة ، وإذا بعد عمّا جرت به العادة في تأليف الكلام فذلك أدل على إعجازه ، ومن الآيات الكريمة الأربع يتبيّن أنّها لم ترد في مقام ذم الشعراء ، بل

__________________

(١) الأنبياء ٢١ : ٥.

(٢) الصافات ٣٧ : ٣٦.

(٣) الطور ٥٢ : ٣٠.

(٤) الحاقة ٦٩ : ٤١.

١٦

يستفاد منها إبراز خصوصية القرآني في نظمه اللغوي الذي يختلف عن الشعر. وقد رأى بعضهم أنّ ذم الشعر والشعراء يفهم من قوله تعالى :

(والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنّهم في كل وادٍ يهيمون * وأنّهم يقولون ما لا يفعلون) (١).

فهل الشعراء فئة مذمومة عند الله ، وليس للانساء الذي يريد أن يحصل على محبّة الله ورضاه أن يكون شاعراً؟

وبالرجوع إلى كتب التفسير لم أجد فيها مَن يقطع باستفادة ذم الشعر والشعراء مطلقاً من الآيات الكريمة. بل إنّهم فرّقوا بين الشعراء الذين يفرون من الواقع ويلجأون إلى الخيال ، الذين هم بلا هدف وسرعان ما يتبدل خطّهم الفكري لأنهم واقعون تحت تأثير العواطف ، وأنّهم يقولون ما لا يفعلون ولا يطبقون كلامهم على أنفسهم ، وبين الشعراء المخلصين ذوي الأهداف السامية ودعاو الحق ، الذين يبحثون في شعرهم عن الأهداف الإلهية ولا يغرقون في الأشعار فيغفلون عن ذكر الله ، صفاتهم ،. إلإيمان والعمل الصالح وذكر الله كثيراً ، والانتصار للحق مستعينين بشعرهم في الذبّ عنه.

الصنف الأوّل ذمّهم القرآن الكريم ، وأن أتباعهم من الغاوين ، أمّا الصنف الثاني ، أعني شعراء الهدف والعقيدة فهؤلاء سلاح قوي في المعركة تماماً كما هو النبل عندما يسدده المقاتل إلى صدور الأعداء.

قال في مجمع البيان ٧ / ٢٠٨ :

«عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : يا رسول الله! ماذا تقول في الشعر؟ فقال : إنّ المؤمن مجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأنّما ينضحونهم بالنبل ، وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لحسان بن ثابت : أهجهم وروح القدس معك ..».

__________________

(١) الشعراء ٢٦ : ٢٢٤ ـ ٢٢٦.

١٧

قال آية الله السيد فضل الله : «إنّ المسألة في الشعر هي مسألة المضمون والموقف وليست مسألة الشكل والكلمة» (١).

وقد بحث هذه الموضوع بحثاً وافياً الشهيد السعيد السيّد محمد محمد صادق الصدر رحمه الله في كتابه «ما وراء الفقه» فقد استدلّ على رجحان الشعر نظماً وانشاداً بعدّة أدلة من السنّة النبويّة.

منها ما روى عن الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحراً».

وما رواه أبو هارون المكفوف قال :

«قال لي أبو عبد الله عليه‌السلام : يا أبا هارون! أنشدني في الحسين عليه‌السلام فأنشدته ، فقال : أنشدني كما تنشدون ، يعني بالقرّة ، قال : فأنشدته :

أمرر على جدث الحسين

فقل لأعظمه الزكيّة

قال : فبكى ، ثمّ قال : زدني ، فأنشدته القصيدة الأخرى ...».

وعن الحسن بن الجهم قال : سمعت الرضا عليه‌السلام يقول : «ما قال فينا مؤمن شعراً يمدحنا به إلّا بنى الله له في الجنّة بيتاً أوسع من الدنيا سبع مرّات ، يزورهُ فيها كل ملك مقرب وكل نبي مرسل».

يضاف إلى ذلك عدد من النقول التاريخية الموثوقة التي يصل مجموعها إلى حد الاستضافة بل التواتر في استماع الأئمة المعصومين عليهم‌السلام إلى الشعر وإجازتهم له بل وإنشادهم له ونظمهم له وذلك في موارد كثيرة منها :

١ ـ الديوان المنسوب إلى الإمام علي عليه‌السلام.

__________________

(١) من وحي القرآن : ١٧ / ١٧٩.

١٨

٢ ـ نسب قول الشعر ونظمه إلى الإمامين الحسن والحسين عليهما‌السلام والأئمة الآخرين هم السلام.

٣ ـ إن رجال الإمام الحسين عليه‌السلام من هاشميين وأصحاب في واقعة الطف كانوا يرتجزون الشعر تحدياً للأعداء وتاكيداً على الهدف الذي يؤمنون به.

ثم يضيف السيّد الشهيد الصدر الثاني «رحمه الله» أدلة أخرى ، منها :

١ ـ الإجماع والسيرة فإن كثيراً من العلماء والفقهاء والمتدينين وأصحاب الكرامات هم من الشعراء بل من أعاظمهم ... من أشهرهم الشريف الضري ، والشريف المرتضى ، والغزالي ، وابن الفارض ، والسيّد محمد سعيد الحبوبي. وغيرهم ، ولم نجد أحداً قد أشار إليهم أو إلى أحدهم بأنّه يفعل في ذلك منكراً أو يكتسب إثماً. بل كل الألسن طافحة في مدحهم والثناء عليهم.

٢ ـ أنّ الشعر الحق مصداق وتطبيق حقيقي لكثير من القواعد الشرعية الواضحة.

٣ ـ الاستدلال لرجحان الشعر الحق بحكم العقل العملي الذي عرّفوه في علم المنطق بأنّه إدراك ما ينبغي أن يعمل ، فإن هذا العقل يحكم بحسنه ورجحانه لا محالة ، فإذا ضممنا إلى ذلك القاعدة القائلة : بأن كل ما حكم به العقل حكم به الشرع ثبت رجحانه الشرعي أيضاً (١).

لا شك أنّ الذوق الشعري له قيمته في صورة ما لو استعمل استعمالاً صحيحاً وكان له أثر إيجابي ، فالشعر ينبغي أن يؤدي دوره في وجود الانسان ليكون ذا قيمة كبرى وألا يسوق الناس نحو الخيال أو الضياع وعدم الانتفاع.

__________________

(١) للتفضل ينظر : ما وراء الفقه : ١٠ / ٩٣ ـ ١١٦.

١٩

وكان للملاحم دورها في تحقيق أهداف كبرى يسعى إليها مَن يدرك أهمية الشعر في حياة الانسان. وقد تحدث السيّد حسين بركة الشامي عن دور الملحمة في مقابلة إذاعية قائلاً : «أدركت من خلال تجربتي أن هناك تراجعاً في الشعر الملحمي أن أنّه أصبح هواية المتقاعدين من الشعراء. ولذلك أقدمت على هذه الملحمة التي بدأتها قبل أن أنضمّ إلى شعراء التقاعد بحياة الرسول وعصور الاسلام الأولى في ضوء الثابت والصحيح من التاريخ الاسلامي وقد تصل إلىل خمسة آلاف بيتاً.

وهدفي من ملحمة «قوافل النور» التاريخية أن أقرّب الفجوة أو الفاصلة بين الماضي والحاضر ، وبين القديم والجديد وبين الشباب والشيوخ. فأجيالنا اليوم بحكم تطورات الأشياء بدأت تبتعد عن مصادر ومنابع الهوية ، والأصالة التاريخية فكانت قوافل النور ، اللغة ، والصورة ، والملحمة ، والإيقاع مفردات تقريبية لهذه الفاصلة خاصة بين شباب الهجرة ، الذين يتزايدون بشكل مضطرد بحكم الزمن ويواجهون صراع الهوية.

كما أنّني آمنت بأنّ الشاعر يستطيع أن يساهم في حقول معرفية عديدة كالتاريخ ، والاجتماع ، والسياسة ، والتربية ، والثقافة ، فنلاحظ أن هناك شعراء فقهاء ، فلاسفة ، وشعراء لغويين ، ومؤرخين ، وشعراء في مجالات ثقافية أخرى. فالشاعر لا يجب أن يبقى حبيس الصورة أو ملحقاً في عوالمه الحالة وخيالاته الواسعة». «انتهى»

ولهذا كانت شاعريته ذات قيمة وهدف عندما عقد العزم على نظم سيرة الرسول الأكرم والعترة الطاهرة من أئمة الهدى ، وكبار علمائنا في ألفيته التي طبع منها أربعة أجزاء باسم «قوافل النور» وصدرت عن دار الإسلام بلندن ، لأنّ حركة الرسول الأكرم وعترته الطاهرة عليهم‌السلام حركة هادفة ولها غاية مستقبلية لأنّ المستقبل هو المحرك لأي نشاط من النشاطات التاريخية ، على الانسان المسلم أن يعي تاريخه حتى تعود الدولة للمسلمين ، لأنّهم هم دون غيرهم الموعودون

٢٠