بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الوفاء
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٨١
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦   الجزء ٧   الجزء ٨   الجزء ٩   الجزء ١٠   الجزء ١١   الجزء ١٢   الجزء ١٣   الجزء ١٤   الجزء ١٥   الجزء ١٦   الجزء ١٧   الجزء ١٨   الجزء ١٩   الجزء ٢٠   الجزء ٢١   الجزء ٢٢   الجزء ٢٣   الجزء ٢٤   الجزء ٢٥   الجزء ٢٦   الجزء ٢٧   الجزء ٢٨   الجزء ٢٩   الجزء ٣٠   الجزء ٣١   الجزء ٣٥   الجزء ٣٦   الجزء ٣٧   الجزء ٣٨   الجزء ٣٩   الجزء ٤٠   الجزء ٤١   الجزء ٤٢   الجزء ٤٣   الجزء ٤٤   الجزء ٤٥   الجزء ٤٦   الجزء ٤٧   الجزء ٤٨   الجزء ٤٩   الجزء ٥٠   الجزء ٥١   الجزء ٥٢   الجزء ٥٣   الجزء ٥٤   الجزء ٥٥   الجزء ٥٦   الجزء ٥٧   الجزء ٥٨   الجزء ٥٩   الجزء ٦٠   الجزء ٦١   الجزء ٦٢   الجزء ٦٣   الجزء ٦٤   الجزء ٦٥   الجزء ٦٦   الجزء ٦٧   الجزء ٦٨   الجزء ٦٩   الجزء ٧٠   الجزء ٧١   الجزء ٧٢   الجزء ٧٣   الجزء ٧٤   الجزء ٧٥   الجزء ٧٦   الجزء ٧٧   الجزء ٧٨   الجزء ٧٩   الجزء ٨٠   الجزء ٨١   الجزء ٨٢   الجزء ٨٣   الجزء ٨٤   الجزء ٨٥   الجزء ٨٦   الجزء ٨٧   الجزء ٨٨   الجزء ٨٩   الجزء ٩٠   الجزء ٩١   الجزء ٩٢   الجزء ٩٣   الجزء ٩٤   الجزء ٩٥   الجزء ٩٦   الجزء ٩٧   الجزء ٩٨   الجزء ٩٩   الجزء ١٠٠   الجزء ١٠١   الجزء ١٠٢   الجزء ١٠٣   الجزء ١٠٤
  نسخة غير مصححة

بسم الله الرحمن الرحيم

١١

( باب )

( أحكام الشهيد والمصلوب والمرجوم )

( والمقتص منه والجنين وأكيل السبع )

( وأشباههم في الغسل والكفن والصلاة )

١ ـ قرب الإسناد ، عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عليهما‌السلام أن عليا عليه‌السلام لم يغسل عمار بن ياسر ولا هاشم بن عتبة يوم صفين ودفنهما في ثيابهما وصلى عليهما (١).

بيان : لا خلاف بين الأصحاب في أن الشهيد لا يغسل ولا يكفن والمشهور أنه يشترط فيه أن يقتل بين يدي إمام عادل أو من نصبه في نصرته وقال في المعتبر الأقرب اشتراط الجهاد السائغ حسب فقد يجب الجهاد وإن لم يكن الإمام موجودا واختاره الشهيد وجماعة من المتأخرين ولا خلاف في أنه لا يشمل غير هؤلاء ممن أطلقت الشهادة عليهم كالمقتول دون أهله وماله والمطعون والغريق وغيرهم.

__________________

(١) قرب الإسناد ص ٥٨ ط حجر.

١

واشترطوا أيضا موته في المعركة فلو حمل من المعركة وبه رمق ثم مات نزع عنه ثيابه وغسل وكفن ويظهر من بعض الأخبار أنه وإن وجد وبه رمق ثم مات يغسل ويكفن.

ولا خلاف بين الأصحاب في وجوب دفنه بثيابه قال في المعتبر ويدفن الشهيد بجميع ثيابه أصابها الدم أو لم يصبها وهو إجماع المسلمين ولا خلاف أيضا في وجوب الصلاة عليه وذهب بعض العامة إلى سقوط الصلاة أيضا كما يستفاد من بعض أخبارنا أيضا.

٢ ـ قرب الإسناد ، بالإسناد المتقدم عن علي عليه‌السلام قال : إذا مات الميت في البحر غسل وكفن وحنط ثم يوثق في رجله حجر فيرمى به في الماء (١).

إيضاح : قطع الشيخ والأكثر بأن من مات في سفينة في البحر يغسل ويحنط ويكفن ويصلى عليه وينقل إلى البر مع المكنة فإن تعذر لم يتربص به بل يوضع في خابية أو نحوها ويسد رأسها ويلقى في البحر أو يثقل ليرسب في الماء ثم يلقى فيه وظاهر المقنعة والمعتبر جواز ذلك ابتداء وإن لم يتعذر البر والعمل بالمشهور أحوط وورد في بعض الأخبار جعله في خابية وهذا الخبر خال عنها وجمع بينهما بالتخيير ويمكن حمل هذا على ما إذا لم تكن الخابية كما هو الغالب والأولى والأحوط العمل بها مع الإمكان لصحة خبرها.

٣ ـ الخصال ، عن محمد بن موسى عن علي بن الحسين السعدآبادي عن أحمد البرقي عن أبي الجوزاء عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم‌السلام قال : ينزع عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلا أن يكون أصابه دم فيترك و

__________________

(١) قرب الإسناد ٦٥ ط حجر.

٢

لا يترك عليه شيء معقود إلا حل (١).

دعائم الإسلام ، عن علي عليه‌السلام مثله (٢).

توضيح القلنسوة بفتح القاف وضم السين والعمامة بكسر العين معروفتان والمنطقة بكسر الميم وفتح الطاء ما يشد في الوسط قوله إلا أن يكون أصابه الضمير إما راجع إلى السراويل أو إلى كل واحد من المذكورات.

واختلف الأصحاب فيما ينزع منه اختلافا كثيرا قال في الذكرى بعد إيراد هذا الخبر قال ابن بابويه تنزع هذه الأشياء إلا أن يصيب شيئا منها دم وابن الجنيد ينزع عنه الجلود والحديد المفرد والمنسوج مع غيره والسراويل إلا أن يكون فيه دم وهذا يمكن عود الاستثناء فيه إلى الأخير وكذلك الرواية في عود الاستثناء ويمكن فيهما العود إلى الجميع وفي النهاية يدفن جميع ما عليه مما أصابه الدم إلا الخفين وقد روي أنه إذا أصابهما الدم دفنا معه وفي الخلاف يدفن بثيابه ولا ينزع منه إلا الجلود والمفيد ينزع عنه السراويل إلا أن يصيبه دم وينزع عنه الفرو والقلنسوة وإن أصابهما دم دفنا معه وينزع الخف عنه على كل حال.

وابن إدريس يدفن بثيابه وإن لم يصبها الدم وبالخف والفرو والقلنسوة إن أصابها دم وإن لم يصبها دم نزعت وفي المعتبر دفنه بثيابه وإن لم يصبها دم أجمع عليه المسلمون وقال الأوجه وجوب دفن السروال لأنه من الثياب وظاهره أنه ينزع عنه الخف والفرو والجلود وإن أصابها الدم لأن دفنها تضييع انتهى والمسألة في هذا الزمان قليلة الجدوى كما لا يخفى.

٤ ـ العيون ، عن محمد بن علي بن بشار عن المظفر بن أحمد القزويني عن العباس بن محمد العلوي عن الحسن بن سهل القمي عن محمد بن حامد عن أبي هاشم الجعفري عن أبي الحسن عليه‌السلام قال : سألته عن الصلاة على المصلوب

__________________

(١) الخصال ج ١ ص ١٦٢.

(٢) دعائم الإسلام ج ١ ص ٢٢٩.

٣

قال أما علمت أن جدي صلى على عمه قلت أعلم ذلك ولكني لم أفهمه مبينا قال أبينه لك إن كان وجه المصلوب إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن وإن كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر فإن ما بين المشرق والمغرب قبلة وإن كان منكبه الأيسر إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن وإن كان منكبه الأيمن إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر وكيف كان منحرفا فلا تزايلن مناكبه وليكن وجهك إلى ما بين المشرق والمغرب ولا تستقبله ولا تستدبره البتة قال أبو هاشم ثم قال الرضا عليه‌السلام قد فهمت إن شاء الله.

قال الصدوق رحمه‌الله هذا حديث غريب نادر لم أجده في شيء من الأصول والمصنفات ولا أعرفه إلا بهذا الإسناد (١).

تبيان في الكافي (٢) قال أبو هاشم وقد فهمت إن شاء الله فهمته والله قوله أما علمت أن جدي يعني الصادق عليه‌السلام قوله على عمه يعني زيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام قال الشهيد رحمه‌الله في الذكرى وإنما يجب الاستقبال مع الإمكان فيسقط لو تعذر من المصلي والجنازة كالمصلوب الذي يتعذر إنزاله كما روى أبو هاشم الجعفري وهذه الرواية وإن كانت غريبة نادرة كما قال الصدوق وأكثر الأصحاب لم يذكروا مضمونها في كتبهم إلا أنه ليس لها معارض ولا راد وقد قال أبو الصلاح وابن زهرة يصلى على المصلوب ولا يستقبل وجهه الإمام في التوجه فكأنهما عاملان بها وكذا صاحب الجامع الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد والفاضل في المختلف قال إن عمل بها فلا بأس وابن إدريس نقل عن بعض الأصحاب إن صلي عليه وهو على خشبته استقبل وجهه المصلي ويكون هو مستدبر القبلة ثم حكم بأن الأظهر إنزاله بعد الثلاثة

__________________

(١) عيون الأخبار ج ١ ص ٢٥٥ و ٢٥٦.

(٢) الكافي ج ٣ ص ٢١٥.

٤

والصلاة عليه قلت هذا النقل لم نظفر به وإنزاله قد يتعذر كما في قصة زيد انتهى كلامه رفع الله مقامه.

أقول إن المتعرضين لهذا الخبر لم يتكلموا في معناه ولم يتفكروا في مغزاه ولم ينظروا إلى ما يستنبط من فحواه فأقول وبالله التوفيق :

إن مبنى هذا الخبر على أنه يلزم المصلي أن يكون مستقبلا للقبلة وأن يكون محاذيا بجانبه الأيسر فإن لم يتيسر ذلك فيلزمه مراعاة الجانب في الجملة مع رعاية القبلة الاضطرارية وهو ما بين المشرق والمغرب فبين عليه‌السلام محتملات ذلك في قبلة أهل العراق المائلة عن خط نصف النهار إلى جانب اليمين فأوضح ذلك أبين إيضاح وأفصح أظهر إفصاح.

ففرض عليه‌السلام أولا كون وجه المصلوب إلى القبلة فقال قم على منكبه الأيمن لأنه لا يمكن محاذاة الجانب الأيسر مع رعاية القبلة فيلزم مراعاة الجانب في الجملة فإذا قام محاذيا لمنكبه الأيمن يكون وجهته داخلة فيما بين المشرق والمغرب من جانب القبلة لميل قبلة أهل العراق إلى اليمين عن نقطة الجنوب إذ لو كان المصلوب محاذيا لنقطة الجنوب كان الواقف على منكبه واقفا على خط مقاطع لخط نصف النهار على زوايا قوائم فيكون مواجها لنقطة مشرق الاعتدال فلما انحرف المصلوب عن تلك النقطة بقدر انحراف قبلة البلد الذي هو فيه ينحرف الواقف على منكبه بقدر ذلك عن المشرق إلى الجنوب وما بين المشرق والمغرب قبلة إما للمضطر كما هو المشهور وهذا المصلي مضطر أو مطلقا كما هو ظاهر بعض الأخبار وظهر لك أن هذا المصلي لو وقف على منكبه الأيسر كان خارجا عما بين المشرق والمغرب محاذيا لنقطة من الأفق منحرفا عن نقطة مغرب الاعتدال إلى جانب الشمال بقدر انحراف القبلة.

ثم فرض عليه‌السلام كون المصلوب مستدبرا للقبلة فأمره حينئذ بالقيام على منكبه الأيسر ليكون مواجها لما بين المشرق والمغرب واقفا على منكبه الأيسر كما هو اللازم في حال الاختيار ثم بين علة الأمر في كل من الشقين

٥

بقوله فإن ما بين المشرق والمغرب قبلة.

ثم فرض عليه‌السلام كون منكبه الأيسر إلى القبلة فأمره بالقيام على منكبه الأيمن ليكون مراعيا لمطلق الجانب لتعذر رعاية خصوص المنكب الأيسر والعكس ظاهر.

ثم لما أوضح عليه‌السلام بعض الصور بين القاعدة الكلية في ذلك ليستنبط منه باقي الصور المحتملة وهي رعاية ما بين المشرق والمغرب مع رعاية أحد الجانبين ونهاه عن استقبال الميت واستدباره في حال من الأحوال.

فإذا حققت ذلك فاعلم أن الأصحاب اتفقوا على وجوب كون الميت في حال الصلاة مستلقيا على قفاه وكون رأسه إلى يمين المصلي ولم يذكروا لذلك مستندا إلا عمل السلف في كل عصر وزمان حتى إن بعض مبتدعي المتأخرين أنكر ذلك في عصرنا وقال يلزم أن يكون الميت في حال الصلاة على جانبه الأيمن مواجها للقبلة على هيئته في اللحد وتمسك بأن هذا الوضع ليس من الاستقبال في شيء.

أقول هذا الخبر على ما فسرناه وأوضحناه ظاهر الدلالة على رعاية محاذاة أحد الجانبين على كل حال وبانضمام الخبر الوارد بلزوم كون رأس الميت إلى يمين المصلي يتعين القيام على يساره إذ لا يقول هذا القائل أيضا فضلا عن أحد من أهل العلم بجواز كون الميت منبطحا على وجهه حال الصلاة مع أن عمل الأصحاب في مثل هذه الأمور التي تتكرر في كل يوم وليلة في أعصار الأئمة عليهم‌السلام وبعدها من أقوى المتواترات وأوضح الحجج وأظهر البينات.

٥ ـ دعائم الإسلام ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال في الشهيد إذا قتل في مكانه فمات دفن في ثيابه ولم يغسل فإن كان به رمق ونقل عن مكانه فمات غسل وكفن (١).

قال وقد كفن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حمزة عليه‌السلام في ثيابه التي أصيب فيها

__________________

(١) دعائم الإسلام ج ١ ص ٢٢٩.

٦

وزاده بردا (١).

وعن علي عليه‌السلام قال : لما كان يوم بدر فأصيب من أصيب من المسلمين أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بدفنهم في ثيابهم وأن ينزع عنهم الفراء وصلى عليهم (٢).

٦ ـ مجمع البيان ، قال قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في شهداء أحد زملوهم بدمائهم وثيابهم (٣).

بيان : قال في النهاية في حديث قتلى أحد زملوهم بثيابهم ودمائهم أي لفوهم فيها يقال تزمل بثوبه إذا التف فيه.

٧ ـ المعتبر ، نقلا من كتاب الجامع للبزنطي عن أحمد بن محمد بن عيسى عن بعض أصحابه رفعه قال : المقتول إذا قطع أعضاؤه يصلى على العضو الذي فيه القلب (٤).

وعن الجامع أيضا عن ابن المغيرة قال : بلغني عن أبي جعفر عليه‌السلام أنه يصلى على كل عضو رجلا كان أو يدا أو الرأس جزءا فما زاد فإذا نقص عن رأس أو يد أو رجل لم يصل عليه (٥).

تنقيح : قوله على العضو الذي فيه القلب وفي الكافي (٦) بسند آخر إذا كان الميت نصفين صلي على النصف الذي فيه القلب وهو يحتمل وجوها الأول اشتراط كون القلب فيه الثاني أن يكون المراد به النصف الذي يكون فيه القلب وإن لم يكن عند الوجدان فيه ولعله أظهر الثالث أن يكون المراد به أن مع وجود النصفين يقف عند الصلاة على النصف الذي فيه القلب ومحاذيا له ولا يخفى بعده.

ثم اعلم أنه اختلف كلام الأصحاب في حكم تلك المسألة اختلافا كثيرا

__________________

(١ ـ ٢) دعائم الإسلام ج ١ ص ٢٢٩.

(٣) مجمع البيان ج ص.

(٤) المعتبر ص ٨٦.

(٥) المعتبر ص ٨٦.

(٦) الكافي ج ٣ ص ٢١٢.

٧

قال في المنتهى لو وجد بعض الميت إما بأن أكله سبع أو احترق بالنار أو غير ذلك فإن كان فيه عظم وجب غسله بلا خلاف بين علمائنا ويكفن وإن كان صدره صلي عليه وإلا فلا ثم قال أما لو لم يكن فيها عظم فإنه لا يجب غسلها وكان حكمها حكم السقط قبل أربعة أشهر وكذا البحث لو أبينت القطعة من حي.

وقال في المعتبر وإذا وجد بعض الميت وفيه الصدر فهو كما لو وجد كله وهو مذهب المفيد وقال الشيخ إن كان صدره وما فيه قلبه صلي عليه ثم قال والذي يظهر لي أنه لا تجب الصلاة إلا أن يوجد ما فيه القلب أو الصدر واليدان أو عظام الميت ثم ذكر الخبرين المتقدمين مع أخبار أخر.

وقال في الذكرى وما فيه الصدر يغسل وكذا عظام الميت تغسل وكذا تغسل قطعة فيها عظم ذكره الشيخان واحتج عليه في الخلاف بإجماعنا ويلوح ما ذكره الشيخان من خبر علي بن جعفر ولو كان لحم بغير عظم فلا غسل.

قال ابن إدريس ولا كفن ولا صلاة وأوجب سلار لفها في خرقة ودفنها ولم يذكره الشيخان انتهى.

أقول الظاهر من أكثر الأخبار هو مختار المعتبر وأما مرسلة ابن المغيرة فيمكن حملها على الاستحباب ولعل المراد بالعضو فيها العضو التام الذي رواه ثقة الإسلام في الكافي (١) بسند مرسل عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إذا وجد الرجل قتيلا فإن وجد له عضو تام صلي عليه ودفن وإن لم يوجد له عضو تام لم يصل عليه ودفن.

والعضو التام فيه يحتمل وجوها الأول أن يكون المراد به تمام عضو له اسم مخصوص فيشمل بعض الأعضاء التي لا عظم لها كالأذن والعين والذكر والأنثيين واللسان وأمثالها الثاني أن يراد به العضو الذي لا يكون جزء لعضو آخر كالرأس فإنه ليس جزء من عضو آخر له اسم مخصوص الثالث أن يراد به العضو

__________________

(١) الكافي ج ٣ ص ٢١٢.

٨

ذو العظم وإن كان جزء لآخر الرابع أن يراد به العضو الذي يكون فقده سببا لفقد الحياة كما روي (١) في دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنه قال : يصلى على ما وجد من الإنسان مما يعلم أنه إذا فارقه مات.

وحمله ابن الجنيد على الثالث حيث قال ولا يصلى على عضو الميت ولا يغسل إلا أن يكون عضوا تاما بعظامه أو يكون عظما مفردا ويغسل ما كان من ذلك لغير الشهيد كما يغسل بدنه ولم يفصل بين الصدر وغيره.

أقول ويمكن حمل كلامه على المحمل الثاني للخبر وعلى التقادير حمله على الاستحباب أظهر والله يعلم.

٨ ـ فقه الرضا ، قال عليه‌السلام وإن كان الميت أكله السبع فاغسل ما بقي منه وإن لم يبق منه إلا عظام جمعتها وغسلتها وصليت عليها ودفنتها (٢).

وإن مات في سفينة فاغسله وكفنه وثقل رجليه وألقه في البحر (٣).

وإن كان الميت قتيل المعركة في طاعة الله لم يغسل ودفن في ثيابه التي قتل فيها بدمائه ولا ينزع منه من ثيابه شيء إلا أنه لا يترك عليه شيء معقود وتحل تكته ومثل المنطقة والفروة إن أصابه شيء من دمه لم ينزع منه شيء إلا أنه يحل المعقود ولم يغسل إلا أن يكون به رمق ثم يموت بعد ذلك فإذا مات بعد ذلك غسل كما يغسل الميت وكفن كما يكفن الميت ولا يترك عليه شيء من ثيابه (٤).

وإن كان قتل في معصية الله غسل كما يغسل الميت وضم رأسه إلى عنقه فيغسل مع البدن كما وصفناه في باب الغسل فإذا فرغ من غسله جعل على عنقه قطنا وضم إليه الرأس وشد مع العنق شدا شديدا (٥).

وإذا ماتت المرأة وهي حاملة وولدها يتحرك في بطنها شق بطنها من الجانب الأيسر وأخرج الولد وإن مات الولد في جوفها ولم يخرج أدخل إنسان يده في

__________________

(١) دعائم الإسلام ج ١ ص ٢٣٥.

(٢ ـ ٣) فقه الرضا ص ١٩.

(٤ ـ ٥) فقه الرضا ص ٢٠.

٩

فرجها وقطع الولد بيده فأخرجه وروي أنها تدفن مع ولدها إذا مات في بطنها (١).

وإذا أسقطت المرأة وكان السقط تاما غسل وحنط وكفن ودفن وإن لم يكن تاما فلا يغسل ويدفن بدمه وحد إتمامه إذا أتى عليه أربعة أشهر (٢).

وإن كان الميت مرجوما بدأ بغسله وتحنيطه وتكفينه ثم رجم بعد ذلك وكذلك القاتل إذا أريد قتله قودا (٣).

وإن كان الميت مصلوبا أنزل من خشبته بعد ثلاثة أيام وغسل ودفن ولا يجوز صلبه أكثر من ثلاثة أيام (٤).

بيان : قوله عليه‌السلام إلا عظام يدل على وجوب الصلاة على مجموع العظام كما مر قوله إلا أن يكون به رمق.

أقول : روى الكليني في الصحيح عن أبان بن تغلب (٥) قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الذي يقتل في سبيل الله أيغسل ويكفن ويحنط قال يدفن كما هو في ثيابه إلا أن يكون به رمق ثم مات فإنه يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صلى على حمزة وكفنه لأنه كان قد جرد.

فقوله عليه‌السلام إلا أن يكون به رمق يحتمل أن يكون المراد به أن يكون به رمق عند إدراك المسلمين له فمناط وجوب التغسيل إدراك المسلمين إياه وبه رمق وإن لم يدرك كذلك لم يجب تغسيله كما فهمه الشهيد والمحقق الشيخ علي وغيرهما من المتأخرين من هذا الخبر وإن لم يحكموا بموجبه ويحتمل أن يكون المراد أن يكون بعد الإخراج من المعركة به رمق أو وجدوه وبه رمق ثم مات بعد الإخراج وعلى هذا ينطبق على ما ذكره الأصحاب من إناطة الفرق بالموت في المعركة وعدمه.

قوله وإن كان قتل في معصية الله ذكر هذا المضمون في الفقيه ورواه

__________________

(١ ـ ٤) فقه الرضا : ٢٠.

(٥) الكافي ج ٣ ص ٢١٠.

١٠

الشيخ بسند (١) مجهول عن الصادق عليه‌السلام.

قوله وإذا ماتت المرأة رواه الشيخ في الصحيح والموثق وغيرهما (٢) وعمل به الأصحاب وليس في سائر الأخبار التقييد بالأيسر وذكره الصدوق في الفقيه وتبعه الأكثر وفي بعض الأخبار أنه يخاط بطنها وذكره بعض الأصحاب وقال في الذكرى ولا عبرة بكونه مما يعيش عادة أو لا لظاهر الخبر.

وأما تقطيع الولد وإخراجه مع موته فهو مذهب الأصحاب ونقل الشيخ في الخلاف الإجماع فيه واستدلوا عليه برواية وهب الآتية وقال في المعتبر ووهب هذا عامي ضعيف لا يعمل بما ينفرد به والوجه أنه إن أمكن التوصل إلى إسقاطه صحيحا بشيء من العلاجات وإلا توصل إلى إخراجه بالأرفق فالأرفق ويتولى ذلك النساء فإن تعذر النساء فالرجال المحارم فإن تعذر جاز أن يتولاه غيرهم دفعا عن نفس الحي انتهى ولا يخفى قوته ومتانته والرواية لا تنافيه.

أما ما ذكر من أنه إذا تم للسقط أربعة أشهر غسل وكفن وحنط فهو المشهور بين الأصحاب وذكر بعض الأصحاب مكان التكفين والتحنيط لفه في خرقة وأوجب الشهيد ومن تأخر عنه تكفينه بالقطع الثلاث وتحنيطه كما هو مدلول الرواية وهو أقوى ومنهم من عبر عنه بمن ولج فيه الروح لادعاء التلازم بينه وبين بلوغ أربعة أشهر وهو في محل المنع.

وأما الصلاة عليه فإنها غير واجبة ولا مستحبة بإجماع علمائنا قاله في المعتبر وذكر الأكثر في السقط إذا لم يلجه الروح أو لم يبلغ أربعة أشهر أنه يلف في خرقة ويدفن والروايات خالية من ذكر اللف.

وأما عدم الغسل فلا خلاف فيه بيننا ظاهرا والمشهور بين الأصحاب أنه

__________________

(١) التهذيب ج ١ ص ١٢٦.

(٢) التهذيب ج ١ ص ٩٨.

١١

يؤمر من وجب قتله بالاغتسال أولا غسل الأموات بالخليطين ثم لا يغسل بعده وكذا يقدم التحنيط على ما ذكره الشيخ وأتباعه وزاد ابنا بابويه والمفيد تقديم التكفين كما في هذا الخبر وظاهر الأكثر عدم مشروعية الغسل والتكفين والتحنيط بعده وأما الصلاة عليه بعده فلا خلاف في وجوبها.

قوله ولا يجوز صلبه أكثر من ثلاثة أيام قال في المعتبر هذا مذهب الأصحاب ورواه السكوني عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لا تقروا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل ويدفن

٩ ـ قرب الإسناد ، عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم‌السلام في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها قال لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه إذا لم ترفق به النساء (١).

١٠ ـ كتاب مقصد الراغب ، قال : قضى أمير المؤمنين عليه‌السلام في قتلى صفين والجمل والنهروان من أصحابه أن ينظر في جراحاتهم فمن كانت جراحته من خلفه لم يصل عليه وقال فهو الفار من الزحف ومن كانت جراحته من قدامه صلى عليه ودفنه.

بيان : لعله عليه الصلاة والسلام علم أن الفارين من المخالفين فلذا لم يصل عليهم.

ومنه عن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن جده عن ابن أبي عمير عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال إني زنيت فطهرني فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام ألك زوجة قال نعم وساق الحديث الطويل إلى أن قال لما ثبت عليه الحد بإقراره أربع مرات أخرجه أمير المؤمنين عليه‌السلام ثم أخذ حجرا فكبر أربع تكبيرات ثم رماه به ثم أخذ الحسن عليه‌السلام مثله ثم أخذ الحسين عليه‌السلام مثله فلما

__________________

(١) قرب الإسناد ص ٦٤ ط حجر ص ٨٤ ط نجف.

١٢

مات أخرجه أمير المؤمنين عليه‌السلام فصلى عليه ودفنه فقالوا يا أمير المؤمنين لم لا تغسله قال قد اغتسل بما هو منها طاهر إلى يوم القيامة.

بيان : لعله عليه‌السلام أمره قبل ذلك بالغسل وإن لم يذكر في الخبر.

١١ ـ كتاب زيد الزراد ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال قال أمير المؤمنين عليه‌السلام يستحب للمصلي أن يكون ببعض مساجده شيء من أثر السجود فإنه لا يأمن أن يموت في موضع لا يعرف فيحضره المسلم فلا يدري على ما يدفنه.

١٣

١٢

باب

( الدفن وآدابه وأحكامه )

الآيات : المرسلات « أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً » (١) تفسير قال الطبرسي رحمه‌الله كفت الشيء يكفته كفتا وكفاتا إذا ضمه ومنه الحديث اكفتوا صبيانكم أي ضموهم إلى أنفسكم ويقال للوعاء كفت وكفيت (٢) قوله تعالى « كِفاتاً » أي للعباد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم وتكفتهم أمواتا في بطنها أي تحوزهم وتضمهم

قال بنان خرجنا في جنازة مع الشعبي فنظر إلى الجبان فقال هذه كفات الأموات ثم نظر إلى البيوت فقال هذه كفات الأحياء وروي ذلك عن أمير المؤمنين عليه‌السلام.

وقيل « كِفاتاً » أي وعاء وهذا كفته أي وعاؤه وقوله تعالى « أَحْياءً وَأَمْواتاً » أي منه ما ينبت ومنه ما لا ينبت فعلى هذا يكون أحياء وأمواتا نصبا على الحال وعلى القول الأول على المفعول به (٣).

١ ـ العلل ، عن الحسين بن أحمد عن أبيه عن أحمد بن محمد عن بكر بن صالح عن الحسين بن علي الرافقي عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه‌السلام أن قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله رفع شبرا من الأرض وأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر برش القبور (٤).

__________________

(١) المرسلات : ٢٥ ـ ٢٦.

(٢) مجمع البيان ج ١٠ ص ٤١٦.

(٣) مجمع البيان ج ١٠ ص ٤١٧.

(٤) علل الشرائع ج ١ ص ٢٩٠.

١٤

بيان : المشهور بين الأصحاب استحباب رفع القبر مقدار أربع أصابع مفرجات لا أكثر من ذلك وابن زهرة خير بينها وبين شبر وفي خبر سماعة (١) يرفع من الأرض قدر أربع أصابع مضمومة وعليه ابن أبي عقيل قال في الذكرى قلت اختلاف الرواية دليل التخيير وما رووه (٢) عن جابر أن قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله رفع قدر شبر. ورويناه عن إبراهيم (٣) بن علي عن الصادق عليه‌السلام أيضا يقارب التفريج ولما كان المقصود من رفع القبر أن يعرف ليزار ويحترم كان مسمى الرفع كافيا وقال ابن البراج شبرا وأربع أصابع انتهى.

وقال في المنتهى يستحب أن يرفع من الأرض مقدار أربع أصابع مفرجات وهو قول العلماء ثم قال وقد روي استحباب ارتفاعه أربع أصابع مفرجات وروي أربع أصابع مضمومات والكل جائز ثم قال يكره أن يرفع أكثر من ذلك وهو فتوى العلماء انتهى.

وأما رش القبر فلا خلاف في استحبابه قال في المنتهى وعليه فتوى العلماء والمشهور في كيفيته أنه يستحب أن يستقبل الصاب القبلة ويبدأ بالرش من قبل رأسه ثم يدور عليه إلى أن ينتهي إلى الرأس فإن فضل من الماء شيء صبه على وسط القبر

لرواية موسى بن أكيل (٤) عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : السنة في رش الماء على القبر أن تستقبل القبلة وتبدأ من عند الرأس إلى عند الرجل ثم تدور على القبر من الجانب الآخر ثم ترش على وسط القبر فذلك السنة.

أقول مقتضى غيرها من الروايات إجزاء النضح كيف اتفق والظاهر

__________________

(١) راجع التهذيب ج ١ ص ٩٢ الكافي ج ٣ ص ١٩٩.

(٢) سيأتي لفظه نقلا من كتاب المنتهى.

(٣) التهذيب ج ١ ص ١٣٢ ، ومتن الحديث هو الذي رواه عن الصدوق في العلل عن الحسين بن على الرافقى في الصفحة السابقة.

(٤) التهذيب ج ١ ص ٩١.

١٥

تأدي أصل السنة بذلك وإن كان إيقاعه على الهيئة الواردة في هذا الخبر أفضل وأحوط ثم قولهم فإن فضل من الماء شيء فلا يخفى ما فيه إذ ظاهر الخبر الذي هو مستندهم ظاهرا لزوم الإتيان به على كل حال لكن في الفقه الرضوي ورد موافقا للمشهود وقال في الفقيه من غير أن يقطع الماء وفي دلالة الخبر عليه أيضا خفاء لكنه موافق لما في الفقه.

ثم إنه لا يظهر من الأخبار ولا من كلام القوم تعين الابتداء من الجانب الذي يليه أو الجانب الذي يلي القبلة فالظاهر التخيير بينهما.

٢ ـ منتهى المطلب ، روى الجمهور عن الساجي في كتابه عن جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام عن أبيه عليه‌السلام عن جابر قال : لحد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ونصب عليه اللبن نصبا ورفع قبره عن الأرض قدر شبر.

وعن القاسم بن محمد قال : قلت لعائشة يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاث قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.

٣ ـ المحاسن ، عن أبيه عن محمد بن سنان عن أبي الجارود عن الأصبغ بن نباتة قال قال أمير المؤمنين عليه‌السلام من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج من الإسلام (١).

تبيين : قال الصدوق في الفقيه (٢) بعد إيراد هذا الخبر مرسلا واختلف مشايخنا في معنى هذا الخبر فقال محمد بن الحسن الصفار ره هو جدد بالجيم لا غير وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يحكي عنه أنه قال لا يجوز تجديد القبر ولا تطيين جميعه بعد مرور الأيام عليه وبعد ما طين في الأول ولكن إذا مات ميت فطين قبره فجائز أن يرم سائر القبور من غير أن يجدد وذكر عن سعد بن عبد الله ره أنه كان يقول إنما هو حدد قبرا بالحاء غير المعجمة يعني به

__________________

(١) المحاسن ص ٦١٢.

(٢) الفقيه ج ١ ص ١٢٠ ـ ١٢١.

١٦

من سنم قبرا وذكر عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي إنما هو من جدث قبرا وتفسير الجدث القبر فلا ندري ما عنى به.

والذي أذهب إليه أنه جدد بالجيم ومعناه نبش قبرا لأن من نبش قبرا فقد جدده وأحوج إلى تجديده وقد جعله جدثا محفورا.

وأقول إن التجديد على المعنى الذي ذهب إليه محمد بن الحسن الصفار والتحديد بالحاء غير المعجمة الذي ذهب إليه سعد بن عبد الله والذي قاله البرقي من أنه جدث كله داخل في معنى الحديث وأن من خالف الإمام عليه‌السلام في التجديد والتسنيم والنبش واستحل شيئا من ذلك فقد خرج من الإسلام.

والذي أقوله في قوله عليه‌السلام من مثل مثالا أنه يعني به من أبدع بدعة ودعا إليها أو وضع دينا فقد خرج من الإسلام وقولي في ذلك قول أئمتي عليهم‌السلام فإن أصبت فمن الله على ألسنتهم وإن أخطأت فمن عند نفسي.

وقال الشيخ في التهذيب (١) بعد نقل كلام البرقي ويمكن أن يكون المعني بهذه الرواية النهي أن يجعل القبر دفعة أخرى قبرا لإنسان آخر لأن الجدث هو القبر فيجوز أن يكون الفعل مأخوذا منه ثم قال وكان شيخنا محمد بن محمد بن النعمان يقول إن الخبر بالخاء والدالين وذلك مأخوذ من قوله تعالى البروج « قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ » (٢) والخد هو الشق يقال خددت الأرض خدا أي شققتها وعلى هذه الروايات يكون النهي تناول شق القبر إما ليدفن فيه أو على جهة النبش على ما ذهب إليه محمد بن علي وكل ما ذكرناه من الروايات والمعاني محتمل والله أعلم بالمراد والذي صدر الخبر عنه عليه‌السلام.

وقال الشهيد قدس‌سره في الذكرى قلت اشتغال هؤلاء الأفاضل بتحقيق هذه اللفظة مؤذن بصحة الحديث عندهم وإن كان طريقه ضعيفا كما في أحاديث كثيرة اشتهرت وعلم موردها وإن ضعف إسنادها فلا يرد ما ذكره في المعتبر من

__________________

(١) التهذيب ج ١ ص ١٣٠ ط حجر ص ٤٥٩ و ٤٦٠ ط نجف.

(٢) البروج : ٤.

١٧

ضعف محمد بن سنان وأبي الجارود راوييه.

على أنه قد ورد نحوه من طريق أبي الهياج قال قال علي عليه‌السلام أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لا ترى قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته (١). وقد نقله الشيخ في الخلاف وهو من صحاح العامة وهو يعطي صحة الرواية بالحاء المهملة لدلالة الإشراف والتسوية عليه ويعطي أن المثال هنا هو المثال هناك وهو الصورة وقد روي في النهي عن التصوير وإزالة التصاوير أخبار مشهورة وأما الخروج عن الإسلام بهذين فإما على طريقة المبالغة زجرا عن الاقتحام على ذلك وإما لأنه فعل ذلك مخالفة للإمام عليه‌السلام انتهى.

وربما يقال على تقدير أن يكون اللفظ جدد بالجيم والدال وجدث بالجيم والثاء يحتمل أن يكون المراد قتل مؤمن عدوانا لأن من قتله فقد جدد قبرا مجددا بين القبور وجعله جدثا وهو مستقل في هذا التجديد فيجوز إسناده إليه بخلاف ما لو قتل بحكم الشرع وهذا أنسب بالمبالغة بخروجه من الإسلام ويحتمل أن يكون المراد بالمثال الصنم للعبادة.

أقول : لا يخفى بعد ما ذكره في التجديد وأما المثال فهو قريب وربما يقال المراد به إقامة رجل بحذاه كما يفعله المتكبرون ويؤيده ما ذكره الصدوق ره في كتاب معاني الأخبار (٢) عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أحمد بن أبي عبد الله عن النهيكي بإسناده رفعه إلى أبي عبد الله عليه‌السلام أنه قال : من مثل مثالا أو اقتنى كلبا فقد خرج من الإسلام فقيل له هلك إذا كثير من الناس فقال ليس حيث ذهبتم إني عنيت بقولي من مثل مثالا من نصب دينا غير دين الله ودعا الناس إليه وبقولي من اقتنى كلبا مبغضا لنا أهل البيت اقتناه وأطعمه وسقاه من فعل ذلك فقد خرج من الإسلام.

ثم اعلم أن للإسلام والإيمان في الأخبار معاني شتى فيمكن أن يراد هنا

__________________

(١) راجع مشكاة المصابيح ص ١٤٨ قال : رواه مسلم.

(٢) معاني الأخبار ص ١٨١.

١٨

معنى يخرج ارتكاب بعض المعاصي عنه وأما إثبات حكم بمجرد تلك القراءات والاحتمالات بخبر واحد فلا يخفى ما فيه وما ذكره القوم من التفسيرات والتأويلات لا يدل على تصحيحها والعمل بها نعم يصلح مؤيدا لأخبار أخر وردت في كل من تلك الأحكام ولعله يصح لإثبات الكراهة أو الاستحباب وإن كان فيه أيضا مجال مناقشة.

٤ ـ المحاسن ، عن أبيه عن النضر بن سويد عن القاسم بن سليمان عن جراح المدائني عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : لا تبنوا على القبور ولا تصوروا سقوف البيوت فإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كره ذلك (١).

تحقيق وتفصيل : قال في الذكرى المشهور كراهة البناء على القبر واتخاذه مسجدا وكذا يكره القعود على القبر وفي المبسوط نقل الإجماع على كراهة البناء عليه وفي النهاية يكره تجصيص القبور وتظليلها وكذا يكره المقام عندها لما فيه من إظهار السخط لقضاء الله أو الاشتغال عن مصالح العباد والمعاش أو لسقوط الاتعاظ بها وقد روى يونس بن ظبيان (٢) عن الصادق عليه‌السلام عن أبيه عليه‌السلام قال : نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يصلى على قبر أو يعقد عليه أو يبنى عليه. وقد روي مثله من صحاح العامة.

ثم قال وروى (٣) علي بن جعفر عن أخيه عليه‌السلام لا يصلح البناء عليه ولا الجلوس. وظاهره الكراهية فيحمل النهي الأول وغيره عليها وزاد الشيخ في الخلاف الاتكاء عليه والمشي ونقله في المعتبر عن العلماء وقد نقل الصدوق في الفقيه (٤) عن الكاظم عليه‌السلام إذا دخلت المقابر فطأ القبور فمن كان مؤمنا استروح إلى ذلك ومن كان منافقا وجد ألمه. ويمكن حمله على القاصد زيارتهم بحيث لا يتوصل إلى قبر إلا بالمشي على آخر أو يقال تختص الكراهية بالقعود لما فيه من

__________________

(١) المحاسن ص ٦١٢.

(٢ ـ ٣) راجع التهذيب ج ١ ص ١٣٠.

(٤) الفقيه ج ١ ص ١١٥.

١٩

اللبث المنافي للتعظيم.

وروى الصدوق عن سماعة (١) أنه سأله عليه‌السلام عن زيارة القبور وبناء المساجد فيها فقال زيارة القبور لا بأس بها ولا يبنى عندها مساجد. وقال الصدوق (٢) وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدا فإن الله تعالى لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.

قلت هذه الأخبار رواها الصدوق والشيخان وجماعة المتأخرين في كتبهم ولم يستثنوا قبرا ولا ريب في أن الإمامية مطبقة على مخالفة قضيتين من هذه إحداهما البناء والأخرى الصلاة في المشاهد المقدسة فيمكن القدح في هذه الأخبار لأنها آحاد وبعضها ضعيف الإسناد وقد عارضها أخبار أشهر منها.

وقال ابن الجنيد لا بأس بالبناء عليه وضرب الفسطاط يصونه ومن يزوره أو تخصيص هذه العمومات بإجماعهم في عهود كانت الأئمة ظاهرة فيهم وبعدهم من غير نكير وبالأخبار الدالة على تعظيم قبورهم وعمارتها وأفضلية الصلاة عندها ثم أورد بعض ما سيأتي من الأخبار الدالة على فضل زيارتهم عليهم‌السلام وعمارة قبورهم وتعاهدها والصلاة عندها.

ثم قال والأخبار في ذلك كثيرة ومع ذلك فقبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مبني عليه في أكثر الأعصار ولم ينقل عن أحد من السلف إنكاره بل جعلوه أنسب لتعظيمه.

وأما اتخاذ القبور مسجدا فقد قيل هو لمن يصلي فيه جماعة أما فرادى فلا.

٥ ـ دعائم الإسلام ، عن الصادق عن آبائه عن علي عليه‌السلام أنه ألحد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ. واللحد هو أن يشق للميت في القبر مكانه الذي يضجع فيه مما يلي القبلة مع حائط القبر والضريح أن يشق له وسط القبر (٣).

وعن جعفر بن محمد عليه‌السلام أنه ضرح لأبيه محمد بن علي عليه‌السلام احتاج إلى ذلك

__________________

(١ ـ ٢) الفقيه ج ١ ص ١١٤.

(٣) دعائم الإسلام ج ١ ص ٢٣٧.

٢٠