بحار الأنوار

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الوفاء
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٦٥
  الجزء ١   الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠ الجزء ٣١ الجزء ٣٥ الجزء ٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨ الجزء ٣٩ الجزء ٤٠ الجزء ٤١ الجزء ٤٢ الجزء ٤٣ الجزء ٤٤ الجزء ٤٥ الجزء ٤٦ الجزء ٤٧ الجزء ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ الجزء ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ الجزء ٥٤ الجزء ٥٥ الجزء ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ الجزء ٦٠ الجزء ٦١ الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ الجزء ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ الجزء ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ الجزء ٧٠ الجزء ٧١ الجزء ٧٢ الجزء ٧٣ الجزء ٧٤ الجزء ٧٥ الجزء ٧٦ الجزء ٧٧ الجزء ٧٨ الجزء ٧٩ الجزء ٨٠ الجزء ٨١ الجزء ٨٢ الجزء ٨٣ الجزء ٨٤ الجزء ٨٥ الجزء ٨٦ الجزء ٨٧ الجزء ٨٨ الجزء ٨٩ الجزء ٩٠ الجزء ٩١ الجزء ٩٢ الجزء ٩٣ الجزء ٩٤ الجزء ٩٥ الجزء ٩٦ الجزء ٩٧ الجزء ٩٨ الجزء ٩٩ الجزء ١٠٠ الجزء ١٠١ الجزء ١٠٢ الجزء ١٠٣ الجزء ١٠٤

بسم الله الرحمن الرحيم

٤٨

(باب آخر)

(في ما ذكره الحكماء والأطباء في تشريح البدن وأعضائه)

(وفيه فصول)

(الفصل الأول)

(في بيان الأعضاء الأصلية للبدن)

قالوا إن الله سبحانه خلق أعضاء الحيوان مختلفة لحكم ومصالح فجعلها عظاما وأعصابا وعضلات وأوتارا ورباطات وعروقا وأغشية ولحوما وشحوما ورطوبات وغضاريف وهي البسائط.

ثم جعل منها الأعضاء المركبة الآلية من القحف (١) والدماغ والفكين والعين والأذن والأنف والأسنان واللسان والحلق والعنق والصلب والنخاع والأضلاع والقص والترقوة والعضد والساعد والرسغ (٢) والمشط والأصابع والأظفار والصدر والرئة والقلب والمريء والمعدة والأمعاء والكبد والطحال والمرارة والكلى والمثانة ومراق البطن والأنثيين والقضيب والثدي والرحم والعانة والفخذ والساق والقدم والعقب والكعب وغير ذلك.

أربعة منها رئيس شريف وهي الدماغ والقلب والكبد والأنثيان إذ في

__________________

(١) القحف : العظم الذي فوق الدماغ.

(٢) الرسغ : المفصل ما بين الساعد والكف ، أو الساق والقدم.

١

الأول قوة الحس والحركة وفي الثاني قوة الحياة وفي الثالث قوة التغذية والثلاثة ضرورية لبقاء الشخص وفي الرابع قوة التوليد وحفظ النسل المحتاج إليه في بقاء النوع وبه يتم الهيئة والمزاج الذكوري والأنوثي اللذين (١) هما من العوارض اللازمة لأنواع الحيوان وكل من الثلاثة الأول مشتبك بالآخر محتاج إليه :

إذ لو لا الكبد وإهداره لسائر الأعضاء بالغذاء لانحلت وانفشت ولو لا ما يتصل بالكبد من حرارة القلب لم يبق له جوهره الذي به يتم فعله ولو لا تسخن الدماغ بالشرايين وإغذاء الكبد بالعروق الصاعدة إليه لم يدم له طباعه الذي يكون به فعله ولو لا تحريك الدماغ لعضل الصدر لم يكن التنفس ولم يبق للقلب جوهره الذي منه تنبعث الحرارة الغريزية في أبداننا ولكن الرئيس المطلق هو القلب وهو أول ما يتكون في الحيوان ومنه يسري الروح الذي هو محل الحس والحركة إلى الدماغ ثم يسري منه إلى سائر الأعضاء ومنه أيضا يسري الروح الذي هو مبدأ التغذية (٢) والنمو إلى الكبد ثم يسري منه إلى سائر الأعضاء فتبارك الله أحسن الخالقين.

ثم اعلم أن العظام أنواع من طويل وقصير وعريض ودقيق ومصمت ومجوف على حسب اختلاف المصالح والحكم فمنها ما قياسه من البدن قياس الأساس وعليه مبناه ومنها ما قياسه المجن والوقاية ومنها ما هو كالسلاح الذي يدفع به المصادم ومنها ما هو حشو بين فرج المفاصل ومنها ما هو متعلق العضلات المحتاجة إلى علاقة.

وجملة العظام دعامة وقوام للبدن ولهذا خلقت صلبة ثم ما لا منفعة فيه سوى هذه خلق مصمتا وإن كان فيه المسام والخلل التي لا بد منها وما يحتاج إليه لأجل الحركة أيضا فقد زيد في تجويفه وجعل تجويفه في الوسط واحدا ليكون

__________________

(١) كذا ، والصواب « اللذان ».

(٢) التغذى ( خ ).

٢

جرمه غير محتاج إلى مواقف الغذاء المتفرقة فيصير رخوا بل صلب جرمه وجمع غذاؤه وهو المخ في حشوه ففائدة زيادة التجويف أن يكون أخف وفائدة توحيد التجويف أن يبقى جرمه أصلب وفائدة صلابة جرمه أن لا ينكسر عند الحركات العنيفة وفائدة المخ ليغذوه وليرطبه دائما فلا يتفتت بتجفيف الحركة وليكون وهو مجوف كالمصمت والتجويف يقل إذا كانت الحاجة إلى الوثاقة (١) أكثر ويكثر إذا كانت الحاجة إلى الخفة أكثر وخلق بعضها مشاشة (٢) لأجل (٣) الغذاء المذكور مع زيادة حاجة بسبب شيء يجب أن ينفذ فيها كالرائحة المستنشقة مع الهواء في العظام التي تحت الدماغ ولفضول الدماغ المدفوعة فيها.

والعظام كلها متجاورة متلاقية ليس بين شيء منها وبين الذي يليه مسافة كثيرة وإنما لم يجعل كل ما في البدن منها عظما واحدا لئلا يشمل البدن ما أصابته من آفة أو كسر وليكون لأجزاء البدن حركات مختلفة متفننة (٤) ولهذا هيئ كل واحد منها بالشكل الموافق لما أريد به ووصل ما يحتاج منها إلى أن يتحرك في بعض الأحوال معا وفي بعضها فرادى برباط أنبته من أحد طرفي العظم ووصل بالطرف الآخر وهو جسم أبيض عديم الحس فجعل لأحد طرفي العظمين زوائد وفي الآخر قعرا موافقة لدخول هذه الزوائد وتمكنها فيها والنابت بهذه الهيئة بين العظام مفاصل وصار للأعضاء من أجل المفاصل أن تتحرك منها بعض دون بعض ومن أجل الربط المواصلة بين العظام أن تتحرك معا كعظم واحد ومن أجل أن العظام وسائر الأعضاء ليس لها أن تتحرك بذاتها بل بمحرك وعلى سبيل جهة الانفعال وصل بها من مبدإ الحس والحركة وينبوعهما الذي هو الدماغ وصولا.

__________________

(١) الوثاق ( خ ).

(٢) المشاشة ـ بالضم ـ : الأرض الرخوة التي يتحلب فيها الماء.

(٣) لامر ( خ ).

(٤) في بعض النسخ « متفقة » وفي بعضها « متنفشة ».

٣

وهذه الوصول هي العصب وهو جوهر لدن (١) علك مستطيل مصمت عند الحس غير العصبة المجوفة التي في العين فائدته بالذات إفادة الدماغ بتوسطه لسائر الأعضاء حسا وحركة وبالعرض تشديد اللحم وتقوية البدن وليس يتصل بالعظم مفردة ولكن بعد اختلاطها باللحم والرباط وذلك لأن الأعصاب لو اتصلت مفردة بعضو عظيم لكانت إما أن لا تقدر على أن تحركه البتة وإما أن يكون تحريكها له تحريكا ضعيفا وخصوصا عند ما تتوزع وتنقسم وتنشعب في الأعضاء وتصير حصة العضو الواحد أدق كثيرا من الأصل وعند ما يتباعد من مبدئه ومنبته ومن أجل ذلك ينقسم العصب قبل بلوغه إلى العضو الذي أريد تحريكه به وينسج في ما بين تلك الأقسام اللحم وشظايا من الرباط فيتكون من جميع ذلك شيء يسمى عضلا ويكون عظمه وصغره وشكله بمقدار العضو الذي أريد تحريكه وبحسب الحاجة إليه ووضعه في الجهة التي يراد أن يتحرك إليها ذلك العضو.

ثم ينبت من الطرف الذي يلي العضو المتحرك من طرفي العضلة شيء يسمى وترا وهو جسم مركب من العصب الآتي إلى ذلك العضو ومن الرباط النابت من العظام وقد خلص من اللحم فيمر حتى يتصل بالعضو الذي يريد تحريكه بالطرف الأسفل فيلتئم بهذا التدبير أن يعرض قليل نشج للعضلة نحو أصلها بجذب الوتر جذبا قويا وأن يتحرك العضو بكليته لأن الوتر متصل منه بطرفه الأسفل.

وقد يتعدد الأوتار لعضل واحد إذا كان كبيرا وربما تعاونت عدة عضل على تحريك عضو واحد وربما لا يكون للعضل وتر لصغره جدا وكل عضو يتحرك حركة إرادية فإن له عضلة بها تكون حركته فإن كان يتحرك إلى جهة متضادة كانت له عضلات متضادة المواضع تجذبه كل واحدة منها إلى ناحيتها عند كون تلك الحركة وتمسك المضادة لها عن فعلها وإن عملت المتضادتان في وقت واحد استوى العضو وتمدد وقام مثلا الكف إذا مدها العضل الموضوع في باطن الساعد انثنى

__________________

(١) اللدن : اللين : والعلك : اللزج.

٤

وإن مده العضل الموضوع في ظهره رجع إلى خلف وإن مداه جميعا استوى وقام بينهما.

ثم إن مبدأ الحس والحركة جميعا في الأعضاء قد يكون عصبة واحدة وقد يكون اثنتين ومبدئية العصب للحس والحركة إنما هو بسبب حمله للقوة اللامسة والقوة المحركة من جهة الروح الحيوانية المنبثة فيه من الدماغ فالقوة اللامسة منبثة في جملة جلد البدن وأكثر اللحم والغشاء وغير ذلك بسبب انبثاث حاملها الذي هو الروح إلا ما يكون عدم الحس أنفع له كالكبد والطحال والكلية والرئة والعظم.

وتدرك هذه القوة الكيفيات الأول الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وتدرك أيضا الخفة والثقل والملامسة والخشونة والصلابة واللين والهشاشة واللزوجة كلها بالمماسة.

وكذلك القوة المحركة منبثة في جميع الأعضاء بواسطة الروح المنبثة في العضلات ثم لما كانت أسافل البدن وما بعد عن الدماغ يحتاج أن ينال الحس والحركة وكان نزول العصب إليها من الدماغ بعيد المسلك غير حريز ولا وثيق.

وأيضا لو نبتت الأعصاب كلها من الدماغ لاحتيج أن يكون الرأس أعظم مما هو عليه بكثير ولثقل على البدن حمله فلذلك جعل الله عز اسمه في أسفل القحف ثقبا وأخر (١) منها شيئا من الدماغ وهو النخاع وحصنه لشرفه وعزته بالعنق والصلب كما حصن الدماغ بالقحف وأجراه في طول البدن وهو محصن موقي وأنبت منه حين قارب وحاذى عضوا ما عصبا يخرج من ثقب في خرز العنق والصلب ويتصل بتلك الأعضاء التي يأتيها العصب من ذلك الموضع فيعطيها الحس والحركة بقوة مبدئهما الذي فيه.

فإن حدث على الدماغ حادثة عظيمة فقد البدن كله الحس والحركة وإن حدث على النخاع فقدتهما الأعضاء التي يجيئها العصب من ذلك الموضع وما دونه

__________________

(١) أخرج ( خ ).

٥

فحسب لأن الدماغ بمنزلة العين والينبوع لذلك والنخاع بمنزلة النهر العظيم الجاري منه والأعصاب بمنزلة الجداول وأول (١) مبادئ الأعصاب الخارجة من الدماغ والنخاع تكون لينة شبيهة بهما ثم إنها تصلب متى تباعدت منهما حتى يصير عصبا تاما النوع.

ثم اعلم أن العضلات كلها مجللة بغشاء لطيف وكذلك جميع الأحشاء مجللة بأغشية والغشاء جسم لطيف رقيق منتسج من العصب والرباط ليفيد العضو الذي هو غشاء له ومحيط به مما لا حس له الحس والشعور العرضيين فيتبادر إلى دفع الألم في الجملة وليحفظ أيضا الأعضاء على أشكالها وأوضاعها ويصونها (٢) عن التبدد والتفرق وليربطها بواسطة العصب والرباط الذي يشظى إلى ليفها بعضو آخر.

وجميع الأشياء الملفوفة في الغشاء مما هو داخل الأضلاع فمنبت غشائها من أحد غشائي الصدر والبطن المستبطنين والأعضاء اللحمية إما ليفية كلحم العضل وإما ليس فيها ليف كالكبد ولا شيء من الحركات إلا بالليف أما الإرادية فبسبب ليف العضل وأما الطبيعية كحركة الرحم والعروق والمركبة كحركة الازدراد فبليف مخصوص بهيئة من وضع الطول والعرض والتورب وللجذب الليف المطول (٣) وللدفع الليف الذاهب عرضا العاصر وللإمساك الليف المؤرب.

وأما العروق فنوعان إحداهما النابضة الضوارب ومنبتها القلب ويسمى بالشرايين ولها حركتان انقباضية وانبساطية وشأنها أن تنفض البخار الدخاني من القلب بحركتها الانقباضية وتجذب بحركتها الانبساطية نسيما طيبا صافيا يستريح به القلب ويستمد منه الحرارة الغريزية وبهذه الحركة ينتشر الروح والقوة الحيوانية والحرارة الغريزية في جميع البدن.

وخلقت كلها ذات صفاقين احتياطا في وثاقة جسميتها لئلا تنشق بسبب

__________________

(١) وأما ( خ ).

(٢) ولصونها ( خ ).

(٣) المطاول ( خ ).

٦

قوة حركتها بما فيها ولئلا يتحلل ما فيها إلا واحدة منها تسمى بالشريان الوريدي فإنها ذات صفاق واحد ليكون ألين وأطوع للانبساط والانقباض فإن الحاجة إلى السلاسة أمس منها إلى الوثاقة لأنها كما أنها منفذ للنسيم كذلك منفذ لغذاء الرئة فإن غذاءها من القلب وهي تغوص في الرئة وتصير شعبا ولحم الرئة لين لطيف لا تخشى مصادمته عند النبض ويحتاج إلى ترشح الغذاء إليه بسرعة وسهولة وجعل الصفاق الداخلاني من ذوات الصفاقين أصلب لأنه كالبطانة التي تحمي الظهارة وهو الملاقي لقوة الحرارة الغريزية ولمصادمته حركة الروح فأوجبت الحكمة تقوية منفذ الروح والحرارة الغريزية بهذه البطانة وإحرازها بها.

والنوع الثاني العروق الساكنة ومنبتها الكبد وتسمى الأوردة وشأنها إما جذب الغذاء إلى الكبد وإما إيصال الغذاء من الكبد إلى الأعضاء وكلها ذات صفاق واحد إلا واحد يسمى بالوريد الشرياني فإنه ذو غشاءين صلبين لأنه ينفذ في التجويف الأيمن من القلب ويأتي بغذاء الرئة إلى القلب ولحم الرئة لحم لطيف خفيف لا يصلح له إلا دم رقيق لطيف.

ومن الشرايين ما يرافق (١) الأوردة لترتبط الأوردة بالأغشية المجللة بها فيستقي في ما بينهما من الأعضاء فيستقي كل واحد منهما عن الآخر وكلما ترافقا (٢) على الصلب في داخل امتطى (٣) الشريان الوريد ليكون أخسهما حاملا للأشرف وما ترافقا في الأعضاء الظاهرة غاص الشريان تحت الوريد ليكون أستر وأكن له ويكون الوريد له كالجنة.

وأما الغضروف فهو ألين من العظم فينعطف وأصلب من سائر الأعضاء وفائدته أن يحسن به اتصال العظام بالأعضاء اللينة فلا يكون الصلب واللين قد تركبا بلا

__________________

(١) يوافق ( خ ).

(٢) توافقا ( خ ).

(٣) أي اتخذه مطية وركبه.

٧

متوسط (١) فيتأذى اللين بالصلب خصوصا عند الضربة والضغطة وليحسن به تجاور المفاصل المستحاكة فلا تتراض لصلابتها وليستند به ويقوى بعض العضلات الممتدة إلى عضو غير ذي عظم وليعتمد عليه ما افتقر إلى الاعتماد على شيء قوي ليس بغاية الصلابة.

فهذه هي الأعضاء المتشابهة الأجزاء التي تركب عنها الأعضاء الآلية لواهبها الحمد كما هو أهله وكلها يتكون عن المني ما خلا اللحم والشحم فإنهما يتكونان عن الدم.

(الفصل الثاني)

(في تشريح الرأس وأعضائه وما اشتملت عليه)

فمنها قحف الرأس وهو الذي خلقه الله لحفظ الدماغ ووقايته عن الآفات فخلقه الله مستديرا إلى طول لأن المستدير أعظم مساحة من الأشكال المستقيمة الخطوط إذا تساوت إحاطتها ولئلا ينفعل عن المصادمات ما ينفعل عنه ذو الزوايا وأما طوله فلأن منابت الأعصاب الدماغية موضوعة في الطول لئلا يزدحم ولا ينضغط وقد يفقد النتوء (٢) المقدم أو المؤخر أو كلاهما.

والقحف مؤلف من ستة أعظم اثنان منها بمنزلة السقف وأربعة بمنزلة الجدران ويتصل بعضها ببعض بدروز (٣) تسمى بالشئون وجعل الجدران أصلب من اليافوخ (٤) لأن السقطات والصدمات عليها أكثر ولأن الحاجة إلى تخلخل اليافوخ أمس لينفذ فيه البخار المتحلل ولئلا يثقل على الدماغ وجعل أصلب الجدران

__________________

(١) بلا توسط ( خ ).

(٢) النتوء ـ كالعقود ـ : الارتفاع.

(٣) الدروز : جمع الدرز. وهو الارتفاع الذي يحصل في الثوب عند جمع طرفيه في الخياطة.

(٤) اليافوخ : موضع التقام عظام الجمجمة في مقدمتها واعلاها.

٨

مؤخرها لأنها غائبة عن حراسة الحواس.

وفي القحف ثقب كثيرة ليخرج منها أعصاب كثيرة ويدخل فيها عروق وشرايين ويخرج منها الأبخرة الغليظة الممتنعة النفوذ في العظم فينقى بتحللها الدماغ وليتشبث بها الحجاب الثقيل الغليظ الآتي ذكره فيخف عن الدماغ وأعظم ثقب فيه الذي من أسفل عند فقرة القفا وهو يخرج النخاع ويتصل بالقحف اللحي (١) الأعلى وهو الذي فيه الخدان والأذنان والأسنان العليا ويتركب من أربعة عشر عظما يتصل بعضها ببعض بدروز ثم اللحي الأسفل وهو الذي فيه الأسنان السفلى إلا أنه لم يتصل به اتصال التحام وركز بل اتصال مفصل لاحتياجه إلى حركة ويسمى موضع اتصاله به الزرفين وهو مركب سوى الأسنان من عظمين بينهما شان في وسط الذقن.

وتحت القحف من ناحية الخلف فيما بينه وبين اللحي الأعلى عظم مركوز قد ملئ به الخلل الحادث من تقسيم أشكال هذه العظام ويسمى بالوتد فجميع عظام الرأس إذا عدت على ما ينبغي خلا الأسنان ثلاثة وعشرون عظما.

وأما الدماغ فخلقه الله سبحانه لينا دسما لينطبع المحسوسات فيه بسهولة ولتكون الأعصاب النابتة منه لدنا (٢) لا ينكسر ولا ينقطع وجعل مزاجه باردا رطبا لتنفعل القوى المودعة فيه عن مدركاتها ولئلا يشتعل بالحرارة المتولدة فيه من الحركات الفكرية والخيالية ولتعدل قوة الروح والحرارة الصاعدة إليه من القلب وجعل مقدمه الذي هو منبت الأعصاب الحسية ألين من مؤخره الذي هو منبت الأعصاب الحركية لأن الحركة لا تحصل إلا بقوة والقوة إنما تحصل بصلابة وهو ذو قسمين طولا وعرضا لئلا تشمل الآفة جميع أجزائها وفي طوله تجاويف ثلاثة يفضي بعضها إلى بعض تسمى بطون الدماغ وهي محل الروح النفساني ومواضع الحواس ومقدمها أعظمها ويتدرج إلى الصغر حتى يعود إلى قدر النخاع وشكله.

__________________

(١) اللحى ـ بفتح اللام وسكون الحاء المهملة ـ : عظم الحنك الذي عليه الأسنان.

(٢) لدن بضم العين لدانة ولدونة : كان لينا ، فهو « لدن » كفلس.

٩

وله زائدتان شبيهتان بحلمتي الثدي يبلغان إلى العظم الكثير الثقب الشبيهة بالمصفى في موضعه من القحف حيث ينتهي إليه أقصى الأنف فيهما حس الشم وبهما يندفع الفضول من هذا البطن المقدم إلى العظم المذكور وينزل منه إلى الخيشوم بالعطاس.

وأما فضول البطنين الآخرين فتندفع إلى العظم المثقب الذي تحت الحنك والبطن المقدم هو موضع انجذاب الهواء إلى الدماغ والهواء بعد مكثه في البطون وتغيره إلى المزاج الدماغي يصير روحا نفسانيا وكثيرا ما يزيد على ما تسعه البطون فيصعد إلى بطون للدماغ تسمى بالتزاريد ويستحيل فيها إلى المزاج الدماغي وإلى صلوحه له.

والزرد الموضوع من جانبي البطن الأوسط يتمدد تارة ويتقلص أخرى مثل الدودة ويسمى بها كما يسمى هذا البطن أيضا لأن بتمدده يستطيل هو وينتظم معه وبتقلصه يستعرض وينفرج عنه والأول حركة الانقباض بها يندفع الفضلة والثاني حركة الانبساط بها تتأدى صور المدركات إلى القوة الحافظة بتقدير العزيز الحكيم.

ثم إنه تعالى قد جلل الدماغ بغشاءين رقيق لين ملاصق له ومخالط في مواضع وغليظ صلب فوقه ملاصق للقحف وله في أمكنة منه وهو مثقب ثقبا كثيرة في موضعين عند العظيم الشبيه بالمصفى والعظم الذي في الحنك لاندفاع الفضول ويتشعب منه شعب دقاق يصعد من دروز القحف إلى ظاهر يتشبث أولا الغشاء بالقحف بتلك الشعب فيتجافى بها عن الدماغ ويرتفع ثقله عنه ثم ينسج من تلك الشعب على ظاهر القحف غشاء يجلله.

ويتوسط أيضا جزئي الدماغ المقدم والمؤخر حجاب لطيف. يحجب الجزء الألين عن مماسة الأصلب وتحت الدماغ بين الغشاء الغليظ والعظم نسجة شبيهة بالشباك الكثيرة التي ألقيت بعضها على بعض حصلت من الشرايين الصاعدة إلى الرأس من القلب والكبد ويخرج منها عرقان فيدخلان الغشاء الصلب ويتصلان بالدماغ

١٠

وإنما فرشت الشبكة تحت الدماغ ليبرد فيها الدم الشرياني والروح فيتشبه بالمزاج الدماغي بعد النضج ثم يتخلص إلى الدماغ على التدريج والفرج التي تقع بين فروع هذه الشريانات محشوة بلحم غددي لئلا تبقى خالية ولتعتمد عليه تلك الفروع وتبقى على أوضاعها.

وأما الأعصاب النابتة من الدماغ فسبعة أزواج أولها ينشأ من مقدم الدماغ ويجيء إلى العين فيعطيها حس البصر بتوسط القوة الباصرة وهاتان العصبتان مجوفتان وإذا نشأتا من الدماغ وبعدتا عنه قليلا اتصلتا وأفضى ثقب كل واحد منهما إلى صاحبه ثم يفترقان أيضا وهما بعد داخل القحف ثم يخرجان ويصير كل واحد منهما إلى العين التي من جانبه.

والزوج الثاني ينشأ من خلف منشإ الأول ويخرج من القحف في الثقب الذي في قعر العين ويتفرق في عضل العين فتكون به حركاتها.

والثالث منشؤه من خلف الثاني بحيث ينتهي البطن المقدم إلى البطن الثاني ويخالط الزوج الرابع الذي بعده ثم يفارقه.

وينقسم أربعة أقسام أحدها ينزل إلى البطن إلى ما دون الحجاب والباقي منها يتفرق في أماكن من الوجه والأنف ومنها ما يتصل بالزوج الذي بعده.

والرابع منشؤه من خلف منشإ الثالث ويتفرق في الحنك فيعطيه حسا خاصا له.

والخامس يكون ببعضه حس السمع وببعضه حركة العضل الذي يحرك الخد.

والسادس يصير بعضه إلى الحلق واللسان وبعضه إلى العضل الذي في ناحية الكتف وما حواليه وبعضه ينحدر من العنق ويتشعب منها في مرورها شعب تتصل بعضل الحنجرة فإذا بلغت إلى الصدر انقسمت أيضا فرجع منها بعضها مصعدا حتى يتصل بعضل الحنجرة ويتفرق شيء منها في غلاف القلب والرئة والمريء وما جاورهما ويمر الثاني وهو أكبره حتى ينفذ الحجاب ويتصل بفم المعدة منه أكثره ويتصل

١١

الباقي بغشاء الكبد والطحال وسائر الأحشاء ويتصل به هناك بعض أقسام الزوج الثالث.

والسابع يبتدئ من مؤخر الدماغ حيث ينشأ النخاع ويتفرق في عضل اللسان والحنجرة والعضلات المحركة لأعضاء البدن كلها ينشأ من هذه الأعصاب والأعصاب النخاعية الآتي ذكرها ولما لم يمكن تصويرها بالكلام ما يمكن من تصوير الأعصاب والعظام بل لا بد في ذلك من مشاهدة ودرية كثيرة بالغة أعرضنا عنه وعدد كل ما في البدن من العضلات خمسمائة وتسعة وعشرون عضلا على رأي جالينوس.

وأما العين فهي مركبة من سبع طبقات وثلاث رطوبات ما خلا الأعصاب والعضلات والعروق وبيان هيآتها أن العصبة المجوفة التي هي أولى العصب الخارجة من الدماغ تخرج من القحف إلى حيث قعر العين وعليها غشاءان هما غشاء الدماغ فإذا برزت من القحف وصارت في حومة عظم العين فارقها الغشاء الغليظ وصار لباسا وغشاء على عظم العين الأعلى كله ويسمى هذا الغشاء الطبقة الصلبة ويفارقها أيضا الغشاء الرقيق فيصير غشاء ولباسا دون الطبقة الصلبة ويسمى الطبقة المشيمية لشبهها بالمشيمة وتعرض العصبة نفسها ويصير فيها غشاء دون هذين وتسمى الطبقة الشبكية.

ثم يتكون في وسط هذا الغشاء جسم لين رطب حمراء صافية غليظة مثل الزجاج الذائب يسمى الرطوبة الزجاجية ويتكون في وسط هذا الجسم جسم آخر مستدير إلا أن فيه أدنى تفرطح (١) شبيه بالجليد في صفائه وتسمى الرطوبة الجليدية وتحيط الزجاجية من الجليدية بمقدار النصف ويعلو النصف الآخر جسم شبيه بنسج العنكبوت شديد الصفاء والصقال يسمى الطبقة العنكبوتية.

ثم يعلو هذا الجسم سائل في لون بياض البيض يسمى الرطوبة البيضية ويعلو الرطوبة البيضية جسم رقيق مخمل الداخل حيث يلي البيضية أملس الخارج ويختلف لونه في الأبدان فربما كان شديد السواد وربما كان دون ذلك في وسطه بحيث

__________________

(١) تفرطح : صار عريضا.

١٢

يحاذي الجليدية ثقب يتسع ويضيق في حال دون حال بمقدار حاجة الجليدية إلى الضوء فيضيق في الضوء الشديد ويتسع في الظلمة وبانسداده يبطل الإبصار وهو مثل ثقب حب عنب ينزع من العنقود وهو الحدقة وفيها رطوبة لطيفة وروح ولهذا يبطل الناظر عند الموت ويسمى هذا الغشاء الطبقة العنبية.

ويعلو هذه الطبقة ويغشاها جسم كثيف صاف صلب يشبه صفحة صلبة رقيقة من قرن أبيض وتسمى القرنية غير أنها تتلون بلون الطبقة التي تحتها المسماة عنبية كما تلصق وراء جام من زجاج شيئا ذا لون فيميل ذلك المكان من الزجاج إلى لون ذلك الشيء ويعلو هذا ويغشاه لكن لا كله بل إلى موضع سواد العين لحم أبيض دسم مشف مختلط بالعضلات المحركة للعين غليظ ملتحم عليه تسمى بالملتحمة وهو بياض العين وينشأ من الغشاء الذي على القحف من خارج كما ينشأ القرنية من الطبقة الصلبة والعنبية من الطبقة المشيمية والعنكبوتية من الشبكية وكل يجذب الغذاء من التي هي منشؤها فإنها تتغذى بنصيبها وتؤدي الباقي إليها.

وألوان العيون باعتبار اختلاف ألوان الطبقة العنبية أربعة كحلاء وزرقاء وشهلاء وشعلاء وسبب الكحل إما قلة الروح وعدم إشراقها على جميع أجزاء العين أو كدورتها وقلة إشراقها على لون العنبية أو صغر الجليدية أو غورها وكونها داخلة جدا فلا يظهر صفاؤها كما ينبغي أو كثرة الرطوبة البيضية أو كدورتها فتستر بريق الجليدية أو شدة سواد العنبية فإذا اجتمعت هذه الأسباب كانت العين شديدة الكحل.

وأسباب الزرقة أضداد ذلك وإذا اختلطت أسباب الكحل والزرقة وتكافأت كانت العين شهلاء وإذا زادت أسباب الزرقة على أسباب الكحل كانت شعلاء.

وإنما خلقت هذه الطبقة على هذا اللون لأنه أوفق الألوان لنور البصر إذ الأبيض يفرق نوره والأسود يجمعه ويكثفه والآسمانجوني لاعتداله يجمع النور جمعا معتدلا ويقويه وإنما خلقت غليظة لتمنع عن إشراق الشمس على نور

١٣

البصر وليكون وسيطا قويا بين الرطوبات وبين الطبقة الصلبة القرنية التي قدامها ولهذا جعل ظاهرها الذي يليها أصلب.

وفي صلابة ظاهرها فائدة أخرى هي أن تبقى الثقبة العنبية لصلابة ما يحفظ بها مفتوحة لا تتشوش من أطرافها تشوش الشيء الرخو اللين وفي الحقيقة هذه الطبقة طبقتان داخلانية ذات خمل وأخرى صلبة.

وجعلت القرنية شفيفة لئلا تحجب نور البصر عن النفوذ فيها وصلبة لتكون وقاية للطبقات الأخر وللرطوبات عن الآفات ولتحفظها على أوضاعها وأشكالها.

وجعلت الرطوبة البيضية قدام الجليدية لتحجب منها قوة الأشعة والأضواء لكيلا تغلبها وجعل ظاهر الجليدية مفرطحة لأن تقع الأشباح المدركة في جزء كبير منها فيكون الإبصار به أقوى إذ المدور لا يحاذي الشيء إلا بجزء صغير وجعلت الزجاجية غليظة لئلا تسيل وجعلت من وراء الجليدية ليكون إلى مبدإ الغذاء أقرب.

والرطوبة الجليدية هي أشرف أجزاء العين وسائر الطبقات والرطوبات خادمة لها ووقاية وهي محل المدركات البصرية من جهة الروح الآتي إليها من العصبتين المجوفتين اللتين هما محل القوة الباصرة المدركة للأضواء والألوان والحركات والمقادير وغيرها بتوسط الروح التي فيها.

وإنما جعلت العصبتان مجوفتين للاحتياج إلى كثرة الروح الحامل لهذه القوة بخلاف سائر الحواس وإنما جعلتا متلاقيتين ليجمع عنده تلاقيهما الروح حتى لو أصاب إحدى العينين آفة لا يضيع نورها بل يندفع النور من هذا المجمع بالكلية إلى العين الصحيحة فيصير بسبب ذلك أشد إبصارا ولهذا كل من غمض إحدى عينيه تقوى عينه الأخرى وتتسع ثقبتها العنبية ولأن يكون للعينين مؤدى واحد تؤديان إليه شبح المبصر فيتحد هناك ويكون الإبصار بالعينين إبصارا واحدا ليتمثل الشبح في القدر المشترك ولذلك يعرض للحول (١) أن يروا الشيء الواحد

__________________

(١) الحول ـ بالضم ـ : جمع « أحول » وهو الذي تميل احدى حدقتيه الى الانف والأخرى الى الصدغ.

١٤

شيئين عند ما تزول إحدى الحدقتين إلى فوق أو إلى أسفل فتبطل به استقامة نفوذ المجرى إلى التقاطع ويعرض قبل الحد المشترك حد مشترك آخر لانكسار العصبة وكذلك كل من استرخى أعضاؤه وتمايلت حدقتاه كالسكارى.

ومن هذا القبيل الإحساس بشيئين عن شيء واحد لمن يلوي إصبعه الوسطى على السبابة وأدار بهما شيئا مدورا فإن الوسطى تحس عن محاذاة الأعلى والسبابة عن محاذاة الأسفل ولأن يستدعم كل عصبة بالأخرى ويستند إليها ويصير كأنها نبتت من قرب الحدقة فيكون اندفاع النور إلى العين أقوى مثل مجمع الماء الذي يتخذ للماء القليل ولأنه لو لا هذا الالتقاء لكانت العصبتان عند كل نظرة وتحديق والتفات تتمايلان وتتزايل إحدى الحدقتين عن محاذاة الأخرى فيكون أكثر الناس في أكثر الأحوال يرى الشيء الواحد شيئين.

وأما الجفن فمنشؤه من الجلد الذي على ظاهر القحف وفائدته أن يمنع نكاية ما يلاقي الحدقة من خارج ويمنع عند انطباقها وصول الغبار والدخان والشعاع ويصقل الحدقة دائما ويبعد عنها ما أصابها من الهباء والقذى وجعل الأسفل أصغر من الأعلى لأن الأعلى يستر الحدقة مرة ويكشفها أخرى بتحركه وأما الأسفل فغير متحرك فلو زيد على هذا القدر يستر شيئا من الحدقة دائما وكان (١) تجتمع فيه الفضول ولا تسيل.

وأما الأهداب فتمنع من الحدقة بعض الأشياء التي لا يمنعها الجفن مع انفتاح العين كما يرى عند هبوب الرياح التي تأتي بالقذى فيفتح أدنى فتح وتتصل الأهداب الفوقانية بالسفلانية فيحصل له شبه شباك ينظر من ورائها فتحصل الرؤية مع اندفاع القذى.

وأما الأذن فهو مخلوق من العصب واللحم والغضروف وخلق مرتفعا كالشراع (٢) ليجتمع فيه الهواء الذي يتحرك من قوة صوت الصائت ويطن فيه

__________________

(١) لكان ( خ ).

(٢) الشراع ـ بالكسر ـ : الملاءة الواسعة التي تنصب على السفينة فتهب فيها الرياح فتمضى بها.

١٥

وينفذ في المنفذ الذي في عظم صلب يسمى الحجري ويحرك الهواء الذي هو داخل الأذن ويموجه كما يرى من دوائر الماء لما وقع فيقع هناك على جلدة مفروشة على عصبة مقعرة كمد الجلد على الطبل فيحصل طنين يشعر بهيئته القوة السامعة للأصوات المودعة في تلك العصبة بتوسط ما هو وراءها من جوهر الروح وذلك المنفذ كثير التعاريج والعطفات وعند نهايته تجويف يسمى بالجوفة والعصبة على حواليها وإنما جعل كذلك لتطول به مسافة ما ينفذه من قوة الصوت والرياح الحارة والباردة فينفذ فيه وهي مكسورة القوى فاترة.

وحال تلك العصبة في السمع كحال الرطوبة الجليدية في الأبصار ومحلها مثل محلها وكما أن جميع أجزاء العين خلقت إما خادمة للجليدية وإما وقاية لها كذلك جميع أجزاء الأذن خلقت خادمة لهذا العصب وفائدة الصماخ فائدة الثقبة العنبية والصدى إنما هو لانعطاف الهواء المصادم لجبل أو غيره من عالي أرض وهي كرمي حصاة في طاس مملوء ماء فيحصل منه دوائر متراجعة من المحيط إلى المركز وقيل إن لكل صوت صدى وفي البيوت إنما لم يقع الشعور لقرب المسافة فكأنهما يقعان في زمان واحد ولهذا يسمع صوت المغني في البيوت أقوى مما في الصحراء.

وأما الأنف فهو مخلوق من العظم والغضروف ما خلا العضلات المحركة وبيان هيئته أن له عظمين هما كالمثلثين تلتقي زاويتاهما من فوق وقاعدتاهما تتماسان عند زاوية وتتفارقان بزاويتين وعلى طرفيهما السافلين غضروفان لينان وفيما بينهما على طول الدرز غضروف حده الأعلى أصلب من الأسفل ومجراه إذا علا انقسم قسمين يفضي أحدهما إلى أقصى الفم وبه يكون استنشاق الهواء إلى الرئة والتنفس الجاري على العادة لا الكائن بالفم ويمر الآخر صاعدا حتى ينتهي إلى العظم الشبيه بالمصفى الموضوع في وجه زائدتي الدماغ المشبهتين بحلمتي الثدي وبه يكون تنفض (١) الفضول من الدماغ واستنشاق الهواء إليه والتنفس وبالزائدتين حس الشم إذ هما محل القوة الشامة للروائح بتوسط الهواء المنفعل بها ومحليتهما

__________________

(١) أي استخراجها ، وفي بعض النسخ « نفض ».

١٦

لها من جهة الروح المودعة فيهما وفي أقصى الأنف مجريان إلى المأقين (١) ولذلك قد يتأدى طعم الكحل إلى اللسان.

وإنما خلق الأنف على هذه الهيئة ليعين بالتجويف الذي يشتمل عليه في الاستنشاق حتى ينحصر فيه هواء كثير وليعتدل فيه الهواء قبل النفوذ إلى الدماغ وليجمع الهواء الذي يطلب منه الشم أمام آلة التشمم ليكون الإدراك أكثر وليعين في تقطيع الحروف وتسهيل إخراجها لئلا يزدحم الهواء كله عند الموضع الذي يحاول فيه تقطيع الحروف وليكون للفضول المندفعة من الرأس سترا ووقاية عن الأبصار وآلة معينة على نفضها بالنفخ.

ومنفعة غضروفية الطرفين بعد المنفعة المشتركة للغضاريف أن ينفرج ويتوسع إن احتيج إلى فضل استنشاق ونفخ وليعين في نفض البخار (٢) باهتزازهما عند النفخ وانتفاضهما وارتعادهما ومنفعة الوسطاني أن يفصل الأنف إلى منخرين حتى إذا نزلت من الدماغ فضلة نازلة مالت في الأكثر إلى أحدهما ولم يسد جميع طريق الاستنشاق.

وأما الأسنان فست عشرة سنا في كل لحي منها ثنيتان ورباعيتان للقطع ونابان للكسر وخمسة أضراس يمنة ويسرة للطحن ولأكثرها مدخل في تقطيع الحروف وتبيينها وربما نقصت الأضراس فكانت أربعا بانعدام الأربعة الطرفانية المسماة بالنواجد وهي تنبت في الأكثر بعد البلوغ إلى قريب من ثلاثين سنة ولهذا تسمى أسنان الحلم.

وللأسنان أصول هي رءوس محددة ترتكز في ثقب العظام الحاملة لها من الفكين وتنبت على حافة كل ثقب زائدة مستديرة عليها عظمية تشتمل على السن وهناك روابط قوية وأصول الأضراس التي في الفك الأعلى ثلاثة وربما كانت وخصوصا للناجدين أربعا والتي في الفك الأسفل لها أصلان وربما كانت و

__________________

(١) المأق : طرف العين مما يلي الانف وهو مجرى الدمع.

(٢) النخاعة ( ظ ).

١٧

خصوصا للناجدين ثلاثة وأما سائر الأسنان فإنما لها أصل واحد وإنما كثرت رءوس الأضراس لكبرها وزيادة عملها وزيدت للعليا لأنها معلقة والثقل يجعل ميلها إلى خلاف جهة رءوسها أما السفلى فثقلها لا يضاد ركزها.

ومن عجيب الخلقة في هيئة الأسنان أن الثنايا والرباعيات تتماس ويتلاقى بعضها بعضا في حالة الحاجة إلى ذلك وهي عند العض على الأشياء ولو لم يكن كذلك لم يتم العض وذلك يكون بجذب الفك إلى قدام حتى تلاقى هذه بعضها بعضا وعند المضغ والطحن يرجع الفك إلى مكانه فتدخل الثنايا والرباعيات التحتانية إلى داخل وتحيد عن موازاة العالية فيتم بذلك للأضراس وقوع بعضها إلى بعض وذلك أنه لا يمكن مع تلاقي الثنايا والرباعيات الفوقانية والتحتانية أن تتلاقى الأضراس ولعل الحكمة فيه أن لا تنسحق إحداهما عند فعل الأخرى من غير طائل.

وإنما جعل المتحرك من الفكين عند المضغ والتكلم الأسفل دون الأعلى إلا نادرا كما في التمساح لأنه أصغر وأخف ولأن الأعلى مجمع الحواس والدماغ فلو تحرك لتأذى الدماغ بحركته وتشوشت الحواس ولكان أيضا مفصل الرأس مع العنق غير وثيق والواجب فيه الوثاقة.

وإنما جعل هذا الفك من الإنسان أخف وأصغر من سائر الحيوانات لأن أغذية الإنسان لحم وخبز مطبوخ وفواكه نضيجة وأمثال ذلك مما لا يعسر مضغه وغيره من الحيوانات أغذيتها إما حشائش وحبوب وأصول للنبات وأغصان للأشجار وإما لحوم نية (١) وعظام صلبة فأعطي كل عالف (٢) بقدر احتياجه.

وأما اللسان فهو مخلوق من لحم أبيض لين رخو قد التفت به عروق صغار كثيرة منها شرايين ومنها أوردة وبسببها يحمر لونه وعند مؤخره لحم غددي يسمى

__________________

(١) النى ـ بالكسر ـ : اللحم الذي لم تمسه النار ولم ينضج ، وأصله ، « النيء » بالهمزة.

(٢) حالف ( خ ).

١٨

مولد اللعاب وتحته فوهتان تفضيان إلى هذا اللحم تسميان بساكبي اللعاب بهما تنسكب الرطوبة والرضاب (١) من اللحم الغددي إلى اللسان والفم وتحته أيضا عرقان كبيران أخضران تسميان الصردان.

وهو ذو شفتين طولا ولكنهما في غشاء واحد متصل بغشاء الفم والمريء والمعدة إلا في بعض الحيوانات كالحية فإن شفتي لسانها ليسا في غشاء واحد ولهذا يظهران وعلى جرم اللسان عصبة منبثة هي محل القوة الذائقة للطعوم بتوسط الأجسام المماسة المخالطة للرطوبة اللعابية المستحيلة إلى طعم الوارد ومحليتها له من جهة ما هو وراءها من جوهر الروح.

وعلى اللسان زائدتان نابتتان إلى فوق كأنهما أذنان صغيرتان تسميان باللوزتين وجوهرهما لحم عصباني غليظ كالغدة ومنفعتهما مثل منفعة اللهاة ويأتي ذكرها وإنما خلق اللسان ليكون آلة تقطيع الصوت وإخراج الحروف وتبيينها وآلة تقليب الممضوغ كالمجرفة وآلة تمييز المذوق وأعدلها في الطول والعرض أقدر على الكلام من عظيمها جدا أو من الصغير المتشنج.

(الفصل الثالث)

(في الحلق والحنجرة وسائر آلات الصوت)

فبيان هيئاتها أن أقصى الفم يفضي إلى مجريين أحدهما من قدام وهو الحلقوم ويسميه المشرحون قصبة الرئة فيها ومنها منفذ الريح التي تدخل وتخرج بالتنفس والآخر موضوع من خلف ناحية القفار على خرز العنق ويسمى المريء وفيه ينفذ الطعام والشراب ويخرج القيء وسيأتي شرحهما.

والحنجرة مؤلفة من ثلاثة غضاريف أحدها من قدام وهو الذي يظهر تحت الذقن قدام الحلق وهو محدب الظاهر مقعر الباطن والثاني من خلف

__________________

(١) الرضاب ـ بالضم. الماء العذب ، والريق المرشوف.

١٩

بانضمامهما يضيق الحنجرة عند السكوت ويتباعد أحدهما عن الآخر ويتسع عند الكلام والثالث مثل مكبة بينه وبين الذي من خلف مفصل يلتئم بزائدتين من ذلك تتهندمان (١) في فقرتين منه ويرتبط هناك برباطات وهو يتحرك بهذا المفصل وبانكبابه عليهما تنغلق الحنجرة وبتجافيه عنهما تنفتح.

والحاجة إلى انغلاق الحنجرة عند الأكل والشرب شديدة جدا لئلا يقع أو ينقطر في قصبة الرئة شيء من المأكول والمشروب وذلك لأن قصبة الرئة والمريء متجاوران متلاصقان مربوط أحدهما بالآخر وعند انغلاق الحنجرة يمر الطعام والشراب على ظهر الغضروف المكبي وينزل في المريء وإذا انفتحت الحنجرة على غفلة من الإنسان بأن يبتلع ويتصوت أو يتنفس في حالة واحدة ربما وقع شيء من المأكول والمشروب في قصبة الرئة فتحدث فيها دغدغة وحالة مؤذية شبيهة بما يحدث في الأنف عند اجتلاب العطاس بإدخال شيء فيه فتستقبله القوة الدافعة لدفعه فيورث السعال إلى أن يندفع قل أم كثر لأن القصبة إنما تنتهي إلى الرئة وليس لها منفذ من أسفلها يندفع فيها فأنعم الخالق سبحانه بتأليف الحنجرة من هذه الغضاريف على هذا الشكل ليغلق بها عند الأكل والشرب منفذ الصوت والتنفس فيسلم الإنسان ويتخلص من السعال المغلق ولهذا لا يجمع الازدراد والتنفس معا في حالة واحدة.

وفي داخل الحنجرة رطوبة لزجة دهنية تملسها وترطبها دائما ليخرج الصوت صافيا حسنا ولهذا ما يذهب أصوات المحمومين الذين تحترق رطوبات حناجرهم بسبب حمياتهم المحرقة ويذهب أيضا أو يضعف أو يتغير أصوات المسافرين في الفيافي المحترقة (٢) وكذلك كل من تكلم كثيرا تجف حنجرته فلا يقدر على التكلم إلا بعد أن يرطب حلقه أو يبلع ريقه والفائدة في دهنيتها أن لا يجف بالسرعة ولا يفنى وأن تسلس بها حركات الحنجرة.

__________________

(١) هندم العود : سواه وأصلحه على مقدار ، فتهندم.

(٢) الفيافى ـ جمع الفيفى والفيفاء والفيفاة ـ : المفازات التي لا ماء فيها.

٢٠