الأخيرة في دنياه الفانية في حرم أبي الأئمة الأطهار ، عبر سامراء والكاظمية ، وبغداد والمحمودية ، والمسبب وكربلاء ، وخان الحماد فالنجف ، أكف مرفوعة وعيون دامعة ، وقلوب مفجوعة من أهالي المدن وعشائر دجلة والفرات .
ولم تكن الاُمة المفجوعة في مدى الأسبوع الأول الذي كان الجثمان مودعاً بين أكفها ـ من عشية الثلاثاء ٢٤ شعبان حتى يوم الخميس الثاني من رمضان عام ١٣١٢ هـ ـ إلّا وتكاد تؤكد أن تكون قلوبها لحداً لإِمامها الراحل ، ولولا أمر الله بأن يتوسد الجثمان ملحود قبره لآثرت أن يبقى مرفوعاً أمامها ، وفي سواد اعينها ، ولكن لا بد أن يكون القبر المثوى الأخير للجسد الطاهر ، وهكذا كان ، فقد دفن في مدرسته التي تقع في جنب الصحن الحيدري . ولم تترك قلوب تلامذته وعار في فضله جثمان استاذهم الكبير ، فقد أنزله ـ وهو يمثل كل تلك القلوب الدامية حسرة عليه ـ علم الاُمة من بعده وشيخها المحقق السيد أبو محمد الحسن الصدر ، فوسده في ملحود قبره ، وخرج وهو يحمل هم الفراق ، وعزاء الايمان ، ما أثقل به الدهر ، وكل عنه الوصف ، وعجز من ذكره البيان ، فإنا لله وإنا اليه راجعون (١) .
___________________________
(١) المرحوم شرف الدين ـ مقدمة تكملة أمل الآمل : ٢٤ ويذهب السيد الأمين ـ أعيان الشيعة : ٥ / ٣٠٤ أنه دفن ليلة الأربعاء غرة رمضان والى هذا ذهب الطهراني في نقباء البشر : ١ / ٤٤٠ اذ يقول : دفن في آخر ليلة من شعبان ، وكذلك الشيخ عباس القمي في الفوائد الرضوية : ٤٨٥ فارسي .
ويصف المرحوم الامام شرف الدين ذلك اليوم المشهود بقوله :
( وكانت وفاته أعلى الله مقامه في سامراء ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان سنة ١٣١٢ هـ ، وجمل على رءوس الخلائق وأكفهم من سامراء الى النجف الأشرف مسافة ثمان مراحل على راكب الدابة ، تداول حمله عامة الناس ممن هم في سامراء والنجف ، وما بينهما من المدن والقرى والبوادي ، فكان الاجتماع عظيماً لم ير مثله أبداً ، وأولوا حمله عشيرة عشيرة ، وحيّاً حيّاً ، ومدينة مدينة ، وقرية قرية ، وتزاحموا على التبرك والتشرف به متهافتين عليه اُلوفاً اُلوفاً تهافت الهيم العطاش على الماء ، وجددوا به العهد بالضرائح المقدسة ، وصلّوا عليه في المشاهد الأربعة . وكان لأهل بغداد والمشاهد المشرفة وما حولها ، ولا سيما النجف الأشرف حالات في استقبال النعش وتشييعه يكل عنها الوصف ، ويضيق دونها البيان ) .
انظر : الامام شرف الدين ـ مقدمة تكملة أمل الآمل : ٢٤ .
