ومن عجيب أمر هؤلاء انهم يكفرون بالانسان ويؤمنون بأثر من آثاره !
يكفرون بالانسان هذا المبلغ من الكفر ، ويؤمنون باثره هذا الحد من الايمان !
والعلم أداة طيّعة ، توصف بالخير اذا أعملها صاحبها في خير ، وتنعت بالشر اذا جعلها ذريعة الى شر ، فهي تابعة أبداً لما يراد بها.
وقد تقدم العلم في أوروبا وزخر مده وتضخمت مادته فلم يعصم تقدمه الاخلاق من ان تنهار ولم يقِ الحرمات من ان تهتك ، ولم يكلأ الحريات من أن تستباح ، ولم يمنع من وقوع حربين عالميتين تأتيان على الأخضر واليابس.
بل وكانت مواقف العلم فيهما غير مبرورة ، فقد كان له في ميادين القتال خُلُق الموتور المسعور الذي لايروي من إراقة الدماء ، ولا يرق لمناظر البؤس ، الموتور الذي لا يعرف ترته في أيِّ جانب ، فهو يمد الجيوش المتقابلة ويحرض القوى المتقاتلة ، ويلهب الأحقاد ويوغر الصدور ويمهد للفتنة ويضاعف من العدة.
ولا يزال العلم ـ حتى هذه اللحظة ـ هو السلاح المخوف المرعب الذي تحذر الأمم بطشه ، وتخشى صولته ، والذي يتهدد العالم كله بالدمار وينذره بالبوار.
إن العلم آلة تعمل الصلاح حين تعمله وهي
لا تشعر ، وتنشر الفساد حين تنشره وهي لا تشعر ، وشعورها إنما هو شعور الأيدي التي تدبرها وضميرها إنما هو ضمير النفوس التي توجهها. فلا محيد من تنظيم تلك المشاعر المديرة ، ومن تهذيب تلك الضمار الموجهة إذا أردنا التنظيم الجاد
