لقد تم في تلك المراحل الشاقة دور التَشريع وحده وبقي دور التنفيذ.
دور تنفيذ ذلك القانون الجامع والتمكين في عقول الخاصة ، والتعبيد له في نفوس العامة وحياطته من أن يحرف أو يؤول ورعايته من أن يمتن أو يخالف. وبديهي ان وسائل التنفيذ الميسورة للانسان لاتستطيع ان تقوم بذلك.
لاتستطيع ان تقوم به لانها لا تقوى ان تمتد على البشرية من اقصاها الى أقصاها ، في جميع اجيالها وفي جميع اقطارها واصقاعها.
هذه هي الحدود المفروضة لذلك القانون ، واعمال البشرية كافة وصلاتها واخلاقها ومعاملاتها هي مجالات نشاطه ، فلابد من ان تمتد اليها قوى تنفيذه.
ولا تستطيع ان تقوم بذلك لانها لاتقدر ان تتغلغل في نفس الانسان وان تستبطن دخيلته وتسيطر على عواطفه وانفعالاته ، لاتقدر ان تفعل ذلك لتمكن للقانون في نفس الفرد ، وتجند له مشاعره وتغرس فيها احترامه واجلاله.
ولا تستطيع أن تقوم بذلك لانها لاتملك بصراً ينفذ الى السرائر ، وعلما يحيط بالمخبآت ، وقدرة تتناول القريب والبعيد ، لتدين من يخالف نصوص القانون وإن تستر في مخالفته عن الاعين ، أو فرّ بجريمته عن العدل ، وما مقدرة حكومات الأرض والقوانين التي تسنها والاحكام التي تصدرها ، ما مقدرة وسائل التنفيذ هذه على المتكتم بجرمه والفار بذنبه ؟
وحتى رقابة المجتمع العام ليس في وسعها ان
تدرك هذين أو تدينهما بشيء وكم هرب من وجه القانون هارب وكم اختبأ عن اعين الناظرين
