كل ذلك نكاية برابع الخلفاء الراشدين عندما أعلن معاوية العصيان عليه والتمرد على القرآن ونسة النبي (١) .
لقد مر بنا الحديث عن وجهين من وجوه الكذب المنظم الذي استعمل لتثبيت حكم الأمويين ونود أن نذكر ـ في الفقرات القابلة ـ وجهاً ثالثاً من تلك الوجوه ؟ وإذا كان الوجهان السالفا الذكر قد استندا ـ بالدرجة الأولى ـ إلى جهود معاوية ( يعاونه عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ) فإن الوجه الجديد ـ الذي سنذكره ـ قد استند إلى جهود أبي هريرة دون سائر الناس .
وإذا كان من المستطاع ـ كما ذكرنا ـ أن يقوم الباحث بدراسة مقارنة لهتلر وابن أبي سفيان ـ فيما يتصل ببراعة كل منهما في الدعاية لنفسه وإضعاف حجة خصمه ـ فإنه من الممكن كذلك أن يقوم الباحث بدراسة مقارنة بغوبلز ـ وزير الدعاية في العهد النازي ـ وزميله أبي هريرة (٢) « وزير » بن أبي سفيان .
وبقدر ما يتعلق الأمر بأبي هريرة يمكننا أن نقول : أنه أتقن فن الدعاية للأمويين اتقانا منقطع النظير ، وخدمهم خدمة جليلة في تثبيت ركائز حكمهم في بلاد المسلمين . وقد أظهر أبو هريرة ( للمسلمين في زمانه ) بأنه أكثر الرواة صلة بالرسول . فأسرف في الرواية عنه من الناحيتين الكمية والنوعية . فقد روى ـ من الناحية الكمية ـ أكثر مما روى غيره من المحدثين (٣) .
أما من الناحية النوعية فكان أبو هريرة يقول تارة : « سمعت من حبيبي رسول الله » وأخرى « أوصاني خليلي محمد » وثالثة : « حدثني الصادق الصدوق » إلخ
__________________
١ ـ وقد سار عبد الملك بن مروان على منواله عندما عقد معاهدة غير متكافئة مع الأمير البيزنطي جوستنيان الثاني عام ٧٠ هـ فدفع الجزية صاغراً للبيزنطيين وتنازل لهم عن قبرص وأرمينية ـ كل ذلك نكاية بالأشدق وابن الزبير ـ كما سنرى ـ .
٢ ـ أنظر شيخ المغيرة أبو هريرة للعلامة المحقق الشيخ محمود أبو رية نشرت الطبعة الثالثة منه دار المعارف بمصر عام ١٩٦٩ م . « الناشر »
٣ ـ وقد أفرد الإمام أحمد بن حنبل في مسنده القسم الأكبر من الجزء الثاني ص ٢٢٨ ـ ٥٤١ هـ لحديث أبي هريرة .
